رحلة أوروبا

بعد نهاية حرب طروادة، بحسب ما ترويه ملاحم هوميروس، ركبَ الملوك اليونانيّون سفنهم عائدين إلى أوطانهم التي فارقوها أزيد من عشر سنوات، وقد ملأهم التوق للمّ شمل عائلاتهم ولُقَيَى أبنائهم. وقد عاد كلّ هؤلاء الملوك إلى بلادهم واحداً تلو الآخر ما عدا شخصٍ واحدٍ عاثر الحظّ: وهو أوديسيوس بن ليرتيس، الذي تلاقفتهُ أمواج البحر والوحوش والأهوال لعشر سنوات أخرياتٍ حتى بلغَ وطنه، وقد أمست حكايته (وعنوانها “الأوديسة”) القصّة المطروقة في رحلة العودة إلى الوطن. وها أنا أروي رحلتي أو “أوديسَّتي” هُنَا، وعليَّ أن أؤكّد لك أنِّي لم ألقَ فيها ساحرات ولا وحوشاً خرافية ولم تتلاقفني أمواج البحر الهائج قَطّ، ولكنِّي خضتُ نصيبي من المغامرات والصِّعاب، على أنِّي وعلى عكس المسكين أوديسيوس اخترتُ هذه الرحلة الصعبة عن سبق عزمٍ وتصميم، وتركتُ منزلي الدافئ بحماس، وهو فعلٌ لا يخلو بالتأكيد من سذاجة وحماقة كما أعرف الآن.

وظَّبتُ حقائبي واتجهت نحو مطار عمَّان في صباح صيفي حارقٍ قبل خمسة شهور لأقصد مدينة كولونيا الألمانية، والتي نلتُ منحة تبادل طلابي (Erasmus+) للدراسة فيها لفصل الخريف، بدءاً من شهر سبتمبر 2019. وقد زرتُ منذئذ 12 دولة أوروبية (ودولة متوسطية) وجلتُ جبالاً وغابات وكهوفاً وأطلالاً أثرية وتنقلتُ بين زهاء أربعين منزلاً ونزلاً والتقيتُ مئات الأشخاص وتناولتُ مختلف ألوان الطعام وتحدثتُ بأربع لغات. ولعلَّ هذه المغامرة اكتظَّت بأحداث أكثر ممَّا يمكنني اختزاله في تدوينة، ولكني أحاول أن أروي هنا بعضاً من يوميات رحلتي الكبيرة.

رحلاتي وجولتي الكبيرة في أنحاء قارة أوروبا منذ بداية عام 2019 وحتى 2020.

الوصول

كنتُ سأسعد جداً لو وصلتُ إلى كولونيا لأجد بساطاً أحمر ممهداً أمامي ومنزلاً جميلاً يحتضنني كي أتفرَّغ للمغامرة والمتعة، ولكني جئتُ “مشرَّداً” إلى مدينة غريبة دون مأوى إلا منزل شباب أشتركُ فيه بغرفة مع سبعة رفاقٍ يؤنسونني (ويرحلُ معظمهم في كلّ صباحٍ ليفسحوا المكان لسبعةٍ آخرين، ربما كي لا أملَّ من طول الرِّفقة). دخلتُ غرفتي اللطيفة بعد غروب الشمس بقليل في 2 أيلول/سبتمبر، أي بعد عيد ميلادي بيوم، وخرجتُ في الليلة نفسها لأرى كاتدرائية كولونيا الشهيرة والمذهلة، وكان يُحلِّق فوقها سربٌ هائلٌ من الخفافيش أضافَ رهبةً آسرةً لمدينتي الجديدة. 

البحث عن مأوى

سرعان ما تبلور في حياتي روتين يومي منتظم، فقد كنتُ أستيقظُ متأخراً (في الثانية عشرة ظهراً) فأجدُ أن معظم سكان الغرفة قد رحلوا عنها، إما للتجول في المدينة وهم سُيَّاح مساكين على عكسي، أو ليقصدوا وجهةً جديدة، وأما أنا فلم أكُن متعجلاً: فأمامي وقتٌ وفيرٌ أستكشف فيه المدينة، وأما الآن فلديَّ مهام أخرى تشغلني.

كنتُ أبدأ نهاري بالعمل، إذ إني ملتزمٌ بأربعين ساعة عمل عن بُعْد أسبوعياً مع مؤسسة ويكيميديا (وهي المؤسسة التي تمتلك موقع ويكيبيديا الشهير)، وفي الثالثة ظهراً آخذ استراحة وأتجه إلى سوبرماركت Lidl القريب لأتمتَّع بالتعرف إلى المنتجات الألمانية المُميَّزة، وأهمها بدون شك “الميلك شيك” اللذيذ بنكهاته المتنوّعة، كما أني أشتري مؤونتي الغذائية لليوم، وعادةً ما يكون معظمها من الوجبات المُجمَّدة مثل البيتزا والسباغيتي واللازانيا وما شابهَ ذلك، فكلّ ما عليك هو أن تضعها في الفرن وتنتظر دون فعل أيّ شيء، وهي طريقتي المحبَّبة في إعداد الطعام.

وأما أهمّ وأكأب نشاطاتي اليومية دون شكّ فهو في المساء، بعد الانتهاء من أعمالي وإجراءاتي الجامعية، وهو أن أجلس في بهو الفندق بعد منتصف الليل لأستمع لموسيقى الجاز الهادئة وأبحث في غوغل عن “شقة لطالب في كولونيا”، فأتنقَّل بين مواقع إترنت لأقرأ فيها عن عشرات الشّقق والغرف، ثُمَّ أختار منها حفنةً أكتبُ لها طلباتٍ مُطوَّلة. 

وقد تظنّ أن كل ما عليك هو أن تقول: “أريد شقَّة في كولونيا لخمسة شهور” فيصلُكَ عقد إيجار في البريد، لكن هذه البلاد التي تضيقُ فيها مساحات السكنى لها عاداتٌ غريبة، إذ عليك أن تكتبَ طلباً شخصياً لصاحب الشقّة تتحدث فيه عن نفسك وعن اهتماماتك وتقنعهُ بأنك شخصٌ لطيفٌ وراقٍ وجديرٌ بأن يُكرِّمك بأن تعيش في شقّته مقابلَ الكثير من المال.

عائلة ومجتمعات

انغمستُ في حياة كولونيا الاجتماعية بسرعة معقولة، فقد وصلتُ إلى المدينة مساء يوم الإثنين 2 سبتمبر، وتوجَّهتُ بعدها بأربعٍ وعشرين ساعةً إلى أمسية لطيفة لألعاب الرقعة. دعاني إلى هذه المناسبة البهيجة زميلٌ ويكيبيديّ، فمن أروع ما في مجتمع ويكيبيديا (كما أثبتت لي الشهور القادمة) أنه منتشرٌ في العالم أجمَع، فأينما ذهبت لك أن تلتقي أصدقاءً مُقرَّبين. كان صديقي مشغولاً عند وصولي فعرَّفني إلى ثلاثةٍ من رفقه جرَّبتُ معهم لعبة Broom Service، وقد لعبناها باللغة الألمانية مراعاةً لشخصٍ منهم لا يتقنُ الإنكليزية، ولم أفهم شيئاً -لهذا السبب- من قواعد اللعبة، كما أني لم أتفاجأ كثيراً عندما حللتُ في المرتبة الأخيرة. 

ذهبتُ في الصباح التالي إلى جامعتي الجديدة لأزورها لأول مرة، واستغرقني الأمر ساعتين كاملتين حتى عثرتُ على المبنى الصحيح. والحقيقةُ أن المسافة بين فندقي والجامعة لا تتعدَّى عشر دقائق سيراً، لكني ارتبكتُ من أمرٍ غير مألوفٍ لي في جامعات هذه البلاد: ففكرتي المعتادة عن “الجامعة” أنها مجموعةٌ من المباني المتجاورة يطوِّقها سياجٌ وبوابة ولها مدخل ومخرج، وأما الجامعات الأوروبية لي فهي مبثوثة في أنحاء المدينة، فقد تخرجُ من إحدى الكُليَّات فتجدُ أمامك مركزاً تجارياً ومجموعة مطاعم، ثُمَّ تمشي إلى محطة القطار فترى كليَّة أخرى في وجهك.

وقد كان لمجيئي إلى كولونيا جانبٌ مهم آخر، فقد صدف أن المدينة التي جئتُ للسكنى فيها تبعد خمسين دقيقة بالقطار عن آخن، وهي مدينةٌ يعيشُ بها أقرباءٌ لي منذ أكثر من ثلاثين عاماً، بل وقد انتقلَ إليها مؤخراً ابن عمي عروة الذي لم ألقه منذ أكثر من عشر سنوات، فقد عاش لعقدٍ من الزمن في دبي، وانتقل إلى ألمانيا قبلي بشهرين فقط. زرتُ ابن عمي في آخن في أول نهاية أسبوع لي بأوروبا بلقاءٍ مؤثّر مليءٍ بمشاعر الحنين والشوق، وجاء ليرافقنا أخوه مالك من بروكسل، وقد فوَّت حافلته إلى آخن مثل عادته وسبَّب لنا قدراً من الدراما، ولكن ذلك لم يُقلِّل من حفاوة اللقاء. 

خرجنا معاً إلى غابة آيفل الطبيعية وتجولنا فيها لعدَّة ساعات تمرَّغنا فيها بالوحل وتبلَّلنا بأمطار الخريف وشاهدنا مناظر ساحرة، وفي طريق العودة وصلتني مكالمةٌ هاتفيةٌ من سيدة ألمانية قابلتُها قبل ذلك بيومين لتخبرني أنها ستتكرَّم عليَّ بغرفةٍ للشهور الخمسة القادمة (لقاء الكثير من المال)، وكانت واحدةً من أسعد ثلاث لحظاتٍ في عامي كُلِّه.

دروس بالألمانية

تغيَّر روتيني الحياتي سريعاً، إذ لم أعُد مضطراً للتنقيب بين عروض الشقق والغرف مساءً، لكني كنتُ حبيس غرفتي المشتركة (مع زملائي السبعة المتجدِّدين) لأسبوع آخر حتى أستلم العقد وأُوقِّعه وآخذ مفاتيح غرفتي، وكان عليَّ -في هذه الأثناء- أن أبدأ بحضور دروسي الجامعية. والواقعُ أني جئتُ إلى كولونيا قبل شهر كاملٍ من بدء فصلي الدراسي، غير أنِّي سجلتُ في دورة مجانية للغة الألمانية تسبقُ الفصل، وكان درسي الأول بعد عودتي من آخن بساعتين.

دخلتُ القاعة متأخراً خمسة عشر دقيقة وتحجَّجتُ بأني أضعتُ طريقي لأني جديدٌ على الجامعة، وحظيتُ بنصيبي المُتوقَّع: وهو أن أجلس في المقعد الوحيد الشاغر بالغرفة، بجانبٍ شاب كوريّ في صفّ المقاعد الأخير. وقد أدركتُ سريعاً أن زميلي لا يتقنُ لا الإنكليزية ولا الألمانية، ولهذا لم يكُن يستوعب الكثير ممَّا أقوله أنا ولا أنا ما يقولهُ هو. وقد جئتُ في اليوم التالي فوجدتُ أن كُلَّ الطلاب جلسوا في مقاعدهم نفسها وتركوا لي مقعدي “المعتاد” بجوار صديقي الكوريّ. وأدركتُ حينها أني في مأزق.

المنزل

انتقلتُ بنهاية الأسبوع الأول إلى منزلي الجديد، ويا لهُ من منزلٍ رائعٍ دافئ! فقد حظيتُ فيه باستقلالية كاملة، على عكس معظم غرف الطلاب في أوروبا التي تكثرُ فيها المساحات المشتركة، إذ إنَّ لي حماماً خاصاً وغرفة نومة وغرفة جلوس ومطبخاً حُشِرت كلّها بمعجزةٍ في 11 متراً مربعاً (وهو ما لا يزيدُ عن مساحة غرفةٍ واحدة من غرف منزلي في عمَّان). 

ولعلَّ المنزل كان متواضعاً في مرفقاته، وصحيحٌ أنه لم يترك لي مساحةً تذكرُ للمشي، لكنَّه كان في موقع رائع: فهو على مسافة ثلاث دقائق مشياً من نهر الراين الخلاَّب، وعشرين دقيقة من محطّة القطارات الرئيسية في وسط المدينة، وبجانبه شارعٌ مليءٌ بالمطاعم والمتاجر التي تفتحُ لساعاتٍ متأخّرة غير معتادة في أرض الألمان. والحقيقة أني أمضيتُ في فنادق وبيوت شباب أوروبا وقتاً أكثر ممَّا أمضيتهُ في هذه الغرفة، ورغم ذلك كنتُ أحبّها جداً.

منزلي البهيج.

قرطاج

أخذتني أول رحلاتي إلى بلدٍ خارج القارة الأوروبية، وهي تونس. فأنا أعملُ مع مؤسسة ويكيميديا في فريق التخطيط الاستراتيجي، وهدف فريقنا هو مساعدة الويكيبيديّين في وضع رؤية نتفق عليها جميعاً (ونعدّ نحن، معشر الويكيبيديّين، زهاء مائة ألف شخص) لتوجّهنا حتى سنة 2030. ويتضمَّن هذا العمل الكثير من اللقاءات والمؤتمرات التي نجتمعُ فيها بأشخاصٍ من مختلف بلاد العالم، ومن أهمّ هذه المؤتمرات لقاءٌ أقيم في تونس بين 20-22 سبتمبر من العام الماضي، وكنتُ أنا من “المدعوّين”، وكان دوري هو أشرف على لوجستيات اللقاء.

التقيتُ في تونس بفريقي في العمل لثاني مرَّة في حياتي، بعد لقاءٍ سابقٍ في السويد، ونحنُ معتادون على أن نعمل عن بعد لأن أعضاء الفريق متبعثرون في أربع قارات. نزلنا في فندق معروف اسمه المرادي جامارث، وقد كان الإشراف على اللوجستيات في هذا الفندق مختلفاً عمَّا توحي نجومه الخمسة. فقد كنتُ أسهر كُلَّ يومٍ حتى الثانية صباحاً لأتصل بالسَّائقين الذين عليهم أن يُقلّوا ضيوفنا من المطار، والذين يحبّون أن يتركوا للواصلين الجُدد ساعةً للتعرّف إلى مرفقات المطار واستكشافه قبل أن يأتوا إلى الفندق، كما أنهم كانوا ينسون أحياناً أيَّ قاعةٍ طلبنا منهم أن يحجزوها لنا، أو يظنّون اليوم ثلاثاء بدلاً من أربعاء.

على أن التجربة كانت أخَّاذة. فقد رأيتُ تونس لأول مرة في حياتي، وزرتُ المدينة مساءً وتجولتُ بأزقّتها الضيقة وحيداً، وهو ما أخبرني صديقي يامن فيما بعد أنه مخاطرةٌ جسيمة، وذهبتُ إلى آثار قرطاج الرائعة التي حلمتُ برؤيتها منذ قرأت عن حروب حنَّبعل والقرطاجيين مع الرومان في طفولتي، كما أني تعلَّمتُ اللهجة التونسية، وتفاجأتُ أني لم أعاني من أي مشكلةٍ بفهم أهل البلد ولا التفاهم معهم بعربيتي العاميَّة، من سائقي التكاسي والباعة وموظفي الفندق وغيرهم.

وكان المؤتمر -من جهةٍ أخرى- كارثةً بكلّ معنى الكلمة. فقد جلبنا ثلاثين ضيفاً من مختلف بلاد العالم لوضع مسودة نهائية للخطة الاستراتيجية ووضعناهم في غرفةٍ واحدة، وانذهلنا أنَّهم لم ينجحوا بتحقيق هذا الهدف المتواضع وحدهم، فتخبَّطنا معاً لثلاثة أيام وتجادلنا في نقاشات عقيمة لا طائل منها، وأمضينا واحدة من الليالي في عشاءٍ على شاطئ البحر المتوسّط، وقد سرتُ بعد العشاء مع رئيسي على الرمال بأقدامنا الحافية وفي وسط ظلمة حالكة، وكان غارقاً حينئذٍ في الإحباط والكآبة، وشعرتُ كأنني في نهاية فلم سوداويّ.

وكانت خاتمة الرحلة بعشاءٍ نظَّمتهُ أنا (بصفتي مسؤول اللوجستيات) في مطعمٍ تونسي عريقٍ ببلدة سيدي بوسعيد، وهي مدينة رائعة قريبةٌ من تونس وتشتهر بمنازلها الزرقاء الجميلة. وقد نزلنا من الحافلة التي طلبتُها، بعد أن تأكدتُ من وصولنا إلى المطعم، وسرتُ لدقيقتين وخلفي ثلاثون شخصاً يتبعون خُطَاي، ثُمَّ تملّكني بعض الشك، فأخرجتُ هاتفي وظهر لي أننا نزلنا في مكانٍ بعيدٍ عن وجهتنا.

ورفعتُ عينيَّ إلى رئيسي وقد تملَّكني الذعر، وأدرك هو فوراً ما حصل، فأخبرني أن أترك ما بيدي من حقائب وركضَ نحو الحافلة وركضتُ معه ووقفت الجماهير تُهلِّل لنا من خلفنا وقُرِعَت الطبول وارتفعت الموسيقى الحماسيَّة لأقصاها. ولحسن الحظّ أن الشارع كان ضيقاً بما يكفي كي لا يستطيع السائق إدارة الحافلة بأقلَّ من خمسة عشرة دقيقة، فلحقنا به قبل أن يرحل، واصطحبنا إلى المطعم الصحيح، وكانت النهاية سعيدةً ومؤثّرة! 

في سيدي بوسعيد، مع الويكيبيدي المتفاني وائل غبارة.

هانوفر

كانت هانوفر فاتحة رحلاتٍ طويلة، فهي البداية “الحقيقية” لمغامرةٍ هائلةٍ مكتظّة بالتجارب والتحديات والمتاعب، ولهذا خصصتُ لها تدوينة أخرى تروي أحداثها بالتفصيل. مضيتُ في هذه الرحلة بنهاية شهر سبتمبر 2019، وهو الشهر الأول من خمسة شهور قضيتُها في أوروبا، وكان هدفها الفعليُّ هو أن أستفيد من عرضٍ خاصّ تُكلِّف فيه تذكرة الحافلة 5 يورو فقط من كولونيا إلى هانوفر، رغم أن الرحلة طولها ست ساعات (ولا أدري كيف أمكن لتذكرتي أن تُغطّي سعر الوقود أصلاً). وقد رأيتُ في هذه الرحلة مسقط رأس ملوك إنكلترا وجربتُ الطعام الأفغاني لأول مرة ورأيتُ أول عرض أوبرا في حياتي -بل وشاهدتهُ مجاناً-، ومن ثم عدتُ بحافلة في الساعة الثانية فجراً وأنا مُبلَّل وأرتجف برداً.

شهادة B1

بشَّرني زملائي في الجامعة عند عودتي من تونس أن عليَّ المذاكرة للامتحان النهائي لدورة اللغة الألمانية، والواقع أني ذاكرتُ بالذهاب في ليلة الامتحان إلى أمسية لألعاب الرقعة، وذلك لأني أستطيعُ فيها أن أسمع وأتحدث الألمانية طوال المساء. ويتّبع الألمان نظاماً غريباً في التقييم لا أفهمه كثيراً، لكن خلاصة الأمر هي أن الامتحان كان من شطرين: قراءة وسماع، وأعترفُ بأني لم أفهم إلا نصف الأسئلة في الاثنين، وحصلتُ على علامةٍ أنجتني من الرّسوب بفارق درجةٍ واحدة. وهكذا نلتُ شهادة مستوى B1 بالألمانية، رغم أني لم أشعر ولا أشعر بأني أستحقّها.

مضت أيام وبدأ الفصل الدراسي الجديد، وكانت لي ثلاث محاضرات: واحدةٌ في اكتساب النحو (وموضوعها في علم اللغة النفسي، أي عن كيفية اكتساب الأطفال لمهارات اللغة) وثانيةٌ في اللهجات البريطانية (وهي تُحلِّل لهجات كلّ مدينة في بريطانيا بالتفصيل المملّ حقاً وجداً) وثالثةٌ في المسرح (واسمها “من الكتابة إلى الأداء: نظرية وفنّ المسرح”). 

وقد ظننتُ أن هذه الأخيرة هي مادةٌ في مسرحيات شكسبير أو ما شابهها، وهو مجالٌ أحبّه جداً، ودخلتُ أول محاضرة متحمساً فوجدتُ نفسي في مسرح حقيقي وقد ارتمى زملائي على الأرض وانهمكوا بأداء حركاتٍ غريبة، وتبيَّن لي أن موضوع المادة هو التمثيل على المسرح.

هامبورغ

خرجتُ إلى هامبورغ في رحلةٍ مدّتها يومان مثل رحلتي إلى هانوفر، وقد قطعتُ مسافةً مماثلة، على أنِّي اخترتُ هذه المرة جهة الشمال عوضاً عن الشرق، ولعلَّها أجملُ مدينة رأيتُها في ألمانيا كُلّها. سألتُ السائقة التي أقلَّتني إذا ما كانت المدينة منشأ شطيرة الهمبرغر اللّذيذة، وأسفتُ من أنَّ تشابه الأسماء بينهما غير دقيق أبداً. 

زرتُ في هذه المدينة أفضل ما زرتهُ من متاحف في أوروبا، فأحدها كان في قلب سفينة حقيقية يُحوِّلها أصحابها إلى متحف معظم أيام السنة، فتتجوَّل فيها وتشاهد غرف المحرّكات والآلات العملاقة كما تشاء، وذهبتُ إلى متحف للتاريخ البحري من تسع طوابق (يحتاج لأيَّام لرؤية كلّ ما فيه) وتعلَّمتُ منه معظم تاريخ أوروبا الاستعماري والبحري، وهو موضوع مثيرٌ جداً، وختمتُها بزيارة Miniatur Land، وهو مكانٌ غريبٌ يُمثّل مدناً أوروبية كاملةً بمُجسَّمات وألعابٍ مُصغَّرة، وتزعمُ ويكيبيديا أن فيه 100,000 مجسَّمٍ قطار وسيارة وسفينة و400,000 مجسَّم إنسان.

رحلة جديدة

نمتُ ليلةً واحدةً في منزلي اللطيف بكولونيا، ثُمَّ استيقظتُ وأخذت ملابسي إلى المغسلة ووظَّبتُ أغراضي وخرجتُ إلى محطة القطارات الرئيسية في منتصف الليل، وذلك لأسافر مع ابني عمّي مالك والصديق محمّد مطير من بروكسل إلى البندقية.

قرَّر رفيقاي -بناءً على التزاماتهما- أن يسافرا لثلاث ليالٍ فقط، وأما أنا فقد خططتُ لرحلة هائلة مدّتها أسبوعان، فإيطاليا من أهمِّ البلاد التي عليَّ زيارتها، وفيها كمٌّ هائلٌ من الأماكن التي يمكن للسائح أن يقصدها. حملتُ معي حقيبة ظهر وحقيبة صغيرة بعجلات، وسألتُ سائق الحافلة (التي ستقلّني إلى بروكسل) إن كان بإمكاني أن أحمل الحقيبة معي، فرفضَ قائلاً أنها “كبيرة جداً”. وأنصتُ إليه بكلّ سذاجة فتركتهُ يأخذها.

نزلنا في محطّة بروكسل ووقفتُ أمام مخزن الحقائب أنتظرُ السائق أن يخرج حقيبتي، وقد تملَّكني قلقٌ لطالما تملَّكني في كلّ مرة استقلَّيتُ فيها حافلة سفريَّات، ولم أتمنى قطّ أن يتحول إلى واقع. خرجت الحقائب كلّها ورأيتُ المستودع فارغاً ولم أرَ حقيبتي، وبدأ الذعر يتملَّكني، ورحتُ أسأل السائق المسكين: “أين هي حقيبتي؟ لماذا ليست هنا؟”، وصرتُ أصرخ به وأُندّد وأكيل غضبي، وقد تحمَّلني بأعصابٍ حديدية يشادُ بها لرجل ألماني. 

الفقيدة في آخر صورة معروفةٍ لها، قبل الحادث المؤلم بسويعات.

دخلتُ مستودع الحقائب زهاء خمسة عشر مرة وفتشتُ فيه علَّ حقيبتي سقطت في ثقبٍ خفيّ أو اختبأت خلف باب سريّ، ثُمَّ أخذتُ رقم الشركة وانهلتُ عليهم بالمكالمات والشكاوى رغم أنهم لم يفهموا إلا الألمانية (وقد أخرجت كلَّ ما لديَّ من طلاقة كامنةٍ دفينةٍ باللغة في هذه اللحظات الصعبة). واستسلمتُ في النهاية للهزيمة النكراء وتربَّعتُ على حافة الرصيف وأنا أكادُ أفقد الوعي من النعاس والإرهاق الجسدي والنفسي، ثُمَّ اتصلتُ بابن عمي وأخبرته أن يجلب لي شيئاً من ملابسه لآخذها معي. 

إيطاليا

لا أظنّ أن المستحسن للمرء أن يبدأ زيارته الأولى لإيطاليا من مدينة البندقية، فهي تمثّل أسوأ وأقصى درجات الانمساخ السياحي في هذا البلد، فهي مدينةٌ يزورها سنوياً من السيَّاح 100 ضعف سكَّانها (ففيها 260 ألف نسمة وما بين 22-30 مليون سائح في العام). والمدينة مشهورةٌ بزوارقها، على أن كلفة الركوب بهذه الزوارق بهدف التنقّل لا تقلّ عن عشرين يورو، مثلها في ذلك مثل كلفة الأماكن السياحية والإقامة والطعام وكُلّ نشاطات الحياة المكلفة في المدينة، ولهذا أمضينا وقتنا سيراً على الأقدام وتناولنا وجباتنا من السوبرماركت (أو متاجر الجيلاتو اللذيذ).

انتقلنا مساءً إلى فلورنسا، وهي مدينة الفنون وآل ميديتشي وميكافيللي ومايكل أنجلو وليوناردو دافينشي والكثير من المشاهير. كان أهمِّ ما فيها هذه المدينة متحف الأوفيتزي لأنه من أهمِّ متاحف الفنّ في العالم، وقد رأيتُ فيه وجهاً لوجه لوحات ليوناردو دافينشي ومايكل أنجلو لأول مرة، ومن حُسْن حظِّي أن لافتات المعرض وأضواءه ساعدتني على ملاحظتها، إذ كان من الممكني أن تفوتني بسهولة، ولكن الزيارة ساعدتني بعمومها في أن أُكِنَّ شيئاً من التقدير للفنّ.  

وقد تركني مالك والمطير بعدها لأمضي في رحلتي وحيداً، وكانت هذه الوحدة صعبةً عليَّ، خصوصاً بعد المأساة التي ألمَّت بحقيبتي وتركتني أسافرُ مع كيسٍ من الخَيْش فيه بضعة قمصان، ولكني الجيلاتو اللذيذ أعانني على تضميد جراحي ونسيان آلامي. وشددتُ الرحال إلى وجهاتي الآتية: فذهبتُ إلى بيزا لأرى برجها المائل، وإلى مدينة أورفييتو لأنزل بئرها الشهير، وإلى روما لأطلالها العظيمة. 

وعليَّ أن أقول هنا أني شاهدتُ وثائقيات وقرأتُ كتباً بل ولعبتُ ألعاب فيديو عن الإمبراطورية الرومانية منذ نعومة أظافري، وقد سمعتُ وقرأتُ وتخيلتُ عن عظمتها ما لا يُقَاس، وهي التي لُقِّبَت بـ”المدينة الخالدة”. وأما ما أذكرهُ الآن من لقائي الأول معها فهو شوارع متّسخة تفوحُ منها رائحة الفضلات وقطاراتٌ مزدحمةٌ أكثر من مترو القاهرة.

لم أجد في روما شيئاً ممَّا تمنَّيته، فالمدينة هي محضُ أنقاض. دخلتُ إلى المنتدى الروماني القديم، وهو قلبُ روما القديمة وأكثر أحيائها ازدهاراً ونشاطاً وحياة، فكنتُ أرى بين الحين والآخر أحجاراً مُحطَّمة أقرأ عليها أنها آخر ما بقي من معبدٍ عظيمٍ أو قصرٍ كبيرٍ أو برجٍ شاهق. ولا شكَّ بأن هذه سُنَّة الزمن الطبيعية، ولكن آمالي بروما كانت كبيرة حقاً. 

وقد زرتُ في هذه المدينة مكاناً واحداً يرضي شغفي: وهو مسرح الكولوسيوم. وهذا المسرح في حالةٍ يرثى لها إذا ما قورن بالمسرح الروماني في عمَّان، لكن ما أدهشني فيه أمران، هما حجمه وتاريخه. فقد كان في أيام مجده مسرحاً من أربعة طوابق بضعف حجمه الحالي تقريباً، وله نظامٌ معقَّد لنقل المياه والطعام وتوفير الحمامات وسقف خشبيٌّ متحرّك يحجب الشمس عن المتفرِّجين وأرضية تحتها سجنٌ هائلٌ للحيوانات المفترسة التي تخرجُ إلى المسرح بمصاعد خشبية، بل وكان من الممكن ملء أرضية المسرح بالماء لإقامة مبارزات بالسفن الشراعية

سمعتُ خطبةً صدحت في أرجاء الفاتيكان باللغة العربية، ووقفتُ في طابورٍ يدورُ حول البلد كُلِّه لأدخل كاتدرائية القديس بطرس وأسير تحت أعلى قبة كنيسة في العالم وأرى لوحة “مدرسة أثينا” الشهيرة. واستقلَّيت القطار مساءً إلى نابولي.

لوحة “مدرسة أثينا” الأصلية لرفاييل في متحف الفاتيكان. لا شكّ بأنك رأيت الشخصية في وسط الصورة (وهما أفلاطون وسقراط، إن لم تخنني الذاكرة) في عددٍ هائلٍ من الصور الكوميدية على الإنترنت.

مدينة القمامة

خرجتُ من محطة القطارات في نابولي في الحادية عشرة ليلاً، ولم يكُن لدي إنترنت ولا طعام ولا بطارية تذكر في حاسوبي ولا هاتفي، وكنتُ مبتهجاً بأن فندقي على مسافة خمس دقائق سيراً من المحطَّة، ولكنَّ هذه الدقائق الخمس نقلتني -بطريقةٍ ما- من محطة القطارات الرئيسية إلى زُقاقٍ ضيّق تغطِّيه القمامة وبلاطه مُحطَّم وفي منتصفه أنقاض سياج معدني، ويسيرُ به عددٌ قليلةٌ من المارَّة يرتدون ما كان ذات يومٍ ملابس مُهْلَهَلَة ويبدو من سيمائهم أنَّهم يقتاتون على البشر. 

مدخل “فندقي”.

جلتُ في هذا الشارع لثلاثين دقيقة جيئةً وذهاباً أبحثُ عن لافتةٍ أو علامةٍ تظهر لي مكان فندقي، وكدتُ أيأس لأن بطارية الهاتف توشك على النفاذ وتخيَّلتُ نفسي أنامُ في الشارع، فدخلتُ إحدى البنايات عنوةً (وبابها مُحطَّم تماماً بحيث أن لا مانع من اقتحامها) وقابلتُ فيها أحد السكان فسألتهُ عن فندقي، فعرض أن يصطحبني إليه، وخلتُ للحظةٍ أنه سيأخذني إلى غرفة حالكةٍ تنتهي فيها رحلتي، وصعدنا الدرج الضيِّق لبضعة طوابق ودقَّ على أحد الأبواب وقد عُلِّقت عليه ورقةٌ مطبوعةٌ منزلياً عليها اسم الفندق. فتحَ لي الباب رجل لطيف بثلاثينيته، واكتشفتُ أنه هو ورفيقه هم النزلاء الوحيدون في الفندق، وأما صاحبُ هذا المكان الرَّائع فلا يُكلِّف نفسه عناء القدوم لأجل نزلائه إلا نادراً.

وسط مدينة بومبي التاريخي، وخلفه البركان الذي طمرَ رماده أطلال المدينة.

كان مقصدي الوحيدُ من هذه المدينة هو جارتها بومبي، وهي مدينة تاريخية مشهورةٌ طمرها رماد بركانٍ قبل ألفي عام. والحقيقة أن بومبي كانت تستحقّ كلُّ ما بذلته من عناء، فقد رأيتُ فيها مدينة أثرية كاملةً حُفِظَت بكلّ ما فيها من شوارع ومسارح وقصور ومنازل، ولهذا السبب يأخذ التجول فيها ساعات وساعات، فالأمرُ لا يختلفُ عن أن تجوب مدينةً حديثةً شارعاً شارعاً وتدخلها منزلاً منزلاً، ومن غرائبها أنها أول مكانٍ أثريّ في حياتي رأيتُ فيه جدراناً ملوَّنة ومُزيَّنة برسوماتٍ حُفِظَت منذ العصور الغابرة، ففي كُلّ منزلٍ جدار رُسِمَت عليه لوحات فنية لم أتخيَّل أنها قد تكونُ موجودةً في أي من الأطلال التي زرتُها سابقاً حول العالم.

فيلا قديمة في بومبي مع جدرانها الملونة وكامل بهائها.

عهد الأصدقاء

تشتهر إيطاليا بالفجوة الاقتصادية المذهلة بين شمالها وجنوبها، وقد شهدتُ ذلك عندما اتجهتُ من مدينة القمامة (في الجنوب) إلى ميلانو (في أقصى الشمال)، وهي مدينة صناعية ثريَّة لا يقلّ مستوى الرَّفاه فيها عن ألمانيا. وكان أهمُّ ما فعلتهُ في ميلانو هو زيارة الكنيسة التي قضى ألفريدو مارتيني نحبهُ على كراسيها في الحلقة الأخيرة من عهد الأصدقاء.

قضى ألفريدو مارتيني (صديق روميو العزيز) نحبهُ على واحدٍ من هذه المقاعد.

ألقيتُ من هنا أول نظرةٍ لي على جبال الألب، وهي بعد كلّ ما خضتهُ من رحلاتٍ مكاني المُفضَّل في العالم كُلِّه. قضيتُ يوماً كاملاً في بلدة هادئةٍ غارقة بالضباب على ضفاف بحيرة كومو، وقد جلستُ لبضع ساعاتٍ أتأمل هذا المشهد وأُفكِّر بشبهه ببلدة البحيرة والـLonely Mountain من خلفها في قصَّة الهوبيت لـج. ر. ر. تولكين. وقد أجبرني جمال الطبيعة الآسر على أن أستعدَّ لرحلة أخرى تتبع هذه.

مدينة البحيرة والجبل الوحيد على شواطئ بحيرة كومو الإيطالية.

أعالي الألب

تأكدتُ مراراً من أن تذكرة القطار بين كولونيا وبيرن ليست غالية، ولأني أعلمُ أن تذاكر القطارات متوفّرة دوماً (أي أنك تستطيع شرائها قبل دقائق من رحيل القطار) فإني لم أشغل نفسي بشرائها مسبقاً، بل رحتُ أحجز غرفاً أقيمَ فيها وأُخطّط مسار رحلتي الأسطورية التي لن أتركَ فيها شبراً من سويسرا دون أن أراه، وكانت نتيجةُ هذه السذاجة أني لم أجد في ليلة سفري أي قطار بأقل من مائة يورو، فاضطررتُ لحجز حافلة إلى فرانكفورت وحافلة أخرى منها إلى بيرن، وانطلقتُ في رحلةٍ ممتعةٍ مدّتها اثنا عشر ساعةٍ في عربات متهزَّة ومواقف حافلات متجمِّدة.

لن أبالغ أبداً إن قلتُ أن سويسرا هي أجملُ بلدٍ من 26 بلداً رأيته لهذا اليوم، فهي -والله أعلم وأحكم- أجملُ بلدٍ في هذا العالم. لكن ما رأيتهُ في سويسرا كان مختلفاً قليلاً عمَّا توقَّعته، فقد قمتُ بدراسة مُتعمِّقة للبلد كُلِّه أثناء التخطيط لرحلتي ورأيت عشرات الصور لكلّ مدينة ومكانٍ طبيعي قصدتُه، وقد رأيتُ في هذه الصور كُلّها مروجاً وجبالاً وغابات نضرة، وما إن بلغتُ أول وجهة لي (وهي غابة جبلية تسلَّقتها في شمال سويسرا) حتى وجدتُها بيضاء ناصعة، وسرعان ما أدركت أن عليَّ إبدال اللون الأخضر بالأبيض في كلِّ صورةٍ رأيتها.

كنتُ متحمساً كي أذهب إلى دولة ليختنشتاين، وهي دولةٌ صغيرةٌ إلى شرق سويسرا، وأقطعها من شرقها إلى غربها سيراً على الأقدام، وهو ما تحدثتُ عنه مع زملائي بنُزُل زيورخ مراراً، ويؤسفني أني لم أصدُق في مسعاي: فقد وصلتُ إلى ليختنشتاين وسط عاصفةٍ هوجاء، واستقلَّيتُ الحافلة من “عاصمتها” إلى بلدة جبلية في الشرق (وهي رحلة مدّتها عشرون دقيقة) فانتقلتُ في وهلةٍ إلى غابةٍ متجمّدة مرعبةٍ من غابات سيبيريا أو ألاسكا. 

صعدتُ في سويسرا إلى أعلى بقعةٍ ذهبتُ إليها قطّ، وهي إطلالة ارتفاعها 3,100 متر في مرتفعات جبال الألب تُطلُّ على قمَّة ماترهورن الشهيرة، وقد اصطحبني إليها قطارٌ لطيفٌ غالي الثمن، وكان المشهد منها من أجمل ما رأيت.

وعبرتُ، في طريقي إلى هذه القمم الشاهقة، بلدةً لوسيرين الهادئة على إحدى البحيرات، وفيها منحوتةٌ لأسدٍ نائم في عرينه في جدار صخري قال عنها مارك توين (وهو صاحب رواية هاكبليري فن الشهيرة) أنها “أجملة منحوتةٍ في العالم”، ولا شكَّ بأن في رأيه شيئاً من الصواب.

“أجمل ضخرةٍ على وجه الأرض” حسبما يقول مارك تواين.

أقمتُ في بلدة إنترلاكن بقلب جبال الألب لثلاث ليالٍ في “فندق” هو في الواقع منزل رجل عراقيٍّ لم يكُن لديه أيّ نزيلٍ سواي، وكانت بجوارها بلدة Lauterbrunnen الخلابة التي تتوسَّط وادياً أخضر تنهمرُ فيه تسع شلاّلات، وقد قرأتُ أن هذه البلدة ألهمت ج. ر. ر. تولكين (وهو مؤلّف روايتي المُفضَّلة “سيد الخواتم”)، لكني لم أرَ فيها إلا شلالين من التسعة، وتخميني المتواضع هو أن الأخرى تجمَّدت في جبلٍ ما. 

جانبٌ لا يستهانُ به من دولة ليختنشتاين.

انتهت رحلتي في جنيف، وهي مدينة فرنسية بسيطة لم تنل حظاً يذكرُ من جمال سويسرا، وقد قضيتُ معظم وقتي فيها بمختبر سيرن ومتحف مصادم الهادرونات الكبير الشهير، وهو مكانٌ لطالما أردتُ رؤيته، ولو أنه لم يكُن مثيراً أو ممتعاً بقدر ما ظننت.

مؤتمر ببرلين

في نهاية شهر نوفمبر، أي بعد ثلاثة شهور من انتقالي إلى ألمانيا، قرَّرت مؤسسة ويكيميديا تنظيم مؤتمر صغيرٍ جديد للاستراتيجية في برلين للتعويض عن الكارثة التي وقعت في تونس، وكان لقاءً جميلاً آخر مع فريقي في العمل. 

وكانت هذه ثالثة مرة أزورُ فيها مدينة برلين (وقد كنتُ فيها لمؤتمرات ويكيبيدية في بداية العام نفسه والذي سبقه)، وهي أطول زياراتي لها، فقد مكثتُ عشرة أيام وليالٍ فيها، وأمضيتُ جُلَّ هذا الوقت في مكانين: هما فندقي ومكتب ويكيبيديا الألمانية.

مكتب ويكيبيديا في برلين.

لمنظّمة ويكيبيديا (أي “ويكيميديا”) مقرَّان أساسيان في العالم، واحدٌ في سان فرانسيسكو يعملُ منه حوالي 300 شخص وآخر في برلين يعملُ منه 200 شخص، ولهذا السبب اختيرت برلين لإقامة مؤتمرنا، إذ إن فيها كل التجهيزات التي نحتاجها لتنظيم الحدث واستضافته. 

داومتُ لأول مرة في حياتي من مكتبٍ حقيقي لويكيبيديا، وشعرتُ وكأني في منزلي الثاني، وكُنَّا نعمل -أنا وفريقي- لعشر ساعات أو أكثر يومياً، فقد أحصينا في اليوم الأول مجموعةً هائلةً من المهام التي نريدُ إنجازها قبل بدء أعمال المؤتمر، وأسندنا كُلَّاً منها إلى شخص ما (حظيتُ منها بمسؤوليات عدَّة في اللوجستيات وتقديم الجلسات وتوثيق ما يُقَال فيها)، ورسمنا على الحائط ثلاثة خانات: “To-do” و”Doing” و”Done”. وبين هذا العمل أو بعده نخرجُ لتناول الطعام، تارةً نهاراً وتارةً مساءً، فنأكل طعاماً ألمانيا أو إيطالياً أو يونانياً أو نرويجياً أو إثيوبياً أو فارسياً.

سار المؤتمر على ما يرام، واستفدنا من الفرصة أنا وزميلاي أناس السدارتي (وهو من المدعوّين) وأحمد حمدي (وهو يعمل في ويكيميديا الألمانية) لنتحدث عن المجتمع العربي ونشاطاته ومشاريعه. وتفاجأنا في اليوم الأخير بمجيء بابا نويل إلى مكتب ويكيبيديا بمناسبة اقتراب الكريسماس، وقد وزَّع علينا الكثير من الشوكولاة اللذيذة وهنَّأنا على عملنا. 

بابانويل يزورُ مؤتمر ويكيبيديا الاستراتيجي ويوزّع الهدايا.

الرحلة الكبيرة

بعد انتهاء مؤتمرنا في برلين، حملتُ حقيبة ظهرٍ فيها ثلاثة قمصان وثلاث قطع من الملابس الداخلية وقبعة وكتاب وحاسوب وقصدتُ الطريق. وكانت هذه بداية أطول رحلةٍ لي في أوروبا، وقد استغرقت شهراً واحداً تقريباً (إذا ما أضيفت إليها لياليَّ العشرُ في برلين)، ومررتُ خلالها بخمسة بلادٍ وإحدى عشرة مدينة وخمسة قلاعٍ تاريخية وعدد من الغابات وكهف ومنجم.

أمضيتُ ليلتي الأولى، بعد رحلة حافلة مدّتها ثماني ساعات، في نُزُلٍ بمدينة وارسو اسمه “فندق الكبسولة”، وقد كان صادقاً جداً في اسمه: فكلّ أسرة النوم فيه هي “كبسولات” تشبه خزانة الحائط وتغلقُ عليك بستار معدني يشبهُ “الأبجور” يمنحك خصوصية تامة. وقد حلمتُ في المساء أني علقتُ داخل الكبسولة ولم أستطع الخروج، رغم أنني -عندما أفقتُ- وجدتها مريحةً وفسيحة!

الأقزام الخرافيون (Gnomes) في زوايا وشواريع روكلو ببولندا، كل منهم بطول إصبع أو اثنين.

وصلتُ في اليوم الرابع من رحلتي إلى مدينة كراكوف في جنوب بولندا لأرى منجماً تاريخياً للملح، وقد كان الملح في أوروبا القديمة ثروةً هائلة الثمن، فقد كان صعبَ المنال ويتطلَّبُ حفر مناجم عميقة ظروف العمل فيها خطيرة جداً ومعدّلات الوفيات مرتفعة.

وكان هذا المنجم الذي دخلتهُ من أكبر مناجم شرق أوروبا، فعمقهُ يصلُ إلى ثلاثمائة متر ومجموع طول أنفاقه نحو 250 كيلومتراً، أي من الممكن بسهولة أن يضلَّ المرء فيه لأيام إذا لم يكُن معه دليل، وقد ذكَّرني هذا الأمر بحلقة مفزعةٍ من أنمي Mushishi تضلُّ فيها فتاةٌ طريقها بكهوفٍ مماثلة، ولو أن تلك الكهوف كانت داخل شرنقة دودة قزّ!

أعماق منجم الملح في بولندا.

قد يكون هذا المنجمُ أكثر مكانٍ مذهلٍ رأيتهُ في أوروبا حتى الآن. أخذتنا الدليلة السياحية إلى سلالم ننزلُ منها إلى القاع، واستغرق منا النزول ربع ساعةٍ أو أكثر امتلأتُ فيها بالإثارة والحماس. وقد وجدنا في أعماق المنجم مدينة حقيقية: ففيه طرق وقاعات وكنائس ومطاعم ومقاهٍ حديثة وصالة كبيرة للرقص والأعراس بل وإسطبلات للأحصنة (وكانت هذه الأحصنة تؤخذ للمنجم وهي صغيرةٌ وتعيش حياتها فيه، لاستحالة حملها بالمصعد).

تُقَام أعراس واحتفالات عدّة في هذه الصالة المرفّهة بقاع المنجم.

صراع البقاء

انتقلتُ من بولندا إلى سلوفاكيا ثم هنغاريا ثم النمسا، وزرتُ في فيينا أفضل متحفٍ عرفتهُ للتاريخ الطبيعي. وقد أمضيتُ داخل المتحف قرابة خمس ساعات أنتقلُ من زاويةٍ لأخرى وأنا في قمَّة الاستمتاع، ولكنه كان كبيراً جداً ونال منّي الإرهاق والجوع، وشعرتُ فجأة بحرارةٍ في وجهي، ولا أدري إن كان هذا المأزق نتيجة لأني اختلطتُ خلال الأسابيع الثلاثة الماضية بسياح ومسافرين وشركاء غرفة يحملون جراثيماً من نصف بلدان العالم.

تجاهلتُ إرهاقي وتابعتُ رحلتي إلى مدينة زالتسبرغ في شمال النمسا ومنها إلى ميونخ. وقد حجزتُ نقلاً إلى ميونخ في العاشرة صباحاً وحملتُ أغراضي (التي تضاعف وزنها عدَّة مرات) وانتظرتُ حافلةً تقلّني إلى المحطة، وقد انتظرتُ طويلاً وأنا متوتّر حتى جاءت الحافلة الصحيحة، فدخلتُها وأخرجتُ محفظتي لأسدّد ثمن التذكرة للسائق، ورأيتُ حينها أني نسيتُ معي بطاقة الفندق.

ركضتُ عائداً إلى الفندق وأنا أصارع مرضي وإرهاقي والوزن المرعب الذي على أكتافي وذراعيّ، وجئتُ بعد موعد الـcheck out الرسمي بنحو ساعة، لكن موظَّف الاستقبال -وهو كردي من شمال سوريا- كان لطيفاً معي ولم يجبرني على دفع غرامة التأخير.

ألغيتُ حافلتي إلى ميونخ وحجزتُ واحدةً جديدةً بعدها بساعة، وتوثَّقتُ من غوغل أني سأصلُ إلى المحطة قبل موعدها بعشر دقائق على الأقل. وكان عليَّ أن أمشي مسافة 200 متر إلى المحطة، وقد نزلتُ على حافة طريقٍ سريعٍ ملأتهُ السيارات ولم أرَ إشارة ولا تقاطعاً لعبوره، وصرتُ أركض مثل المخبول من جهةٍ إلى جهةٍ وأتنازعُ مع خريطة غوغل التي تعطيني أغرب الاتجاهات والدلالات ورحتُ أسأل الناس عن الاتجاهات بألمانيَّتي الرّكيكة.

وعبرتُ الطريق السريع أخيراً (من نفق سرتُ مسافةً هائلةً لأجده) ووصلتُ إلى المحطة، وكانت قد مرَّت دقيقتان على موعد رحيل الحافلة، ونظرتُ يميناً وشمالاً ولم أرَها في مكان، وانهرتُ على الأرض من اليأس والهزيمة. ثُمَّ فتحتُ هاتفي لأحجز تذكرةً جديدةً فظهرت لي رسالة من شركة الحافلات تقولُ أن رحلتي تأخرت عن موعدها نصف ساعة، وأن عليَّ أن أنتظرها بصَبْر.

استغرق الطريق إلى ميونخ ساعتين فقط، لكن حرارة رأسي فيهما صارت قريبةً من حرارة مقلاة بيض. وما إن دخلتُ غرفتي الجديدة (والتي أشتركُ فيها، كالعادة، مع سبعة زملاء لطيفين) حتى ارتميتُ على السرير، وقضيتُ ثماني ساعاتٍ على هذه الحال لم أحيى منها الكثير، فقد كنتُ عاجزاً عن النوم وعن القراءة وعن استعمال الهاتف وعن التفكير من سخونة رأسي، وقد تقلَّبت معدتي بحيث أنها صارت تعيدُ لي أي طعامٍ يدخلها في دقيقة، وأما جسمي فكانَ يرتجفُ برداً رغم كلّ ما تدثَّرتُ به، ولم يساعدني في شيءٍ أن قطيعاً من الناس كانوا يضربون باب الغرفة داخلين وخارجين طول هذه المعاناة.

واستجمعتُ كلَّ شجاعتي بعد ساعات كي أخلع سترتي وأتحمل البرد القارس رغماً عني، فانخفضت حرارة رأسي واستعدتُ قليلاً من وعيي، فاتصلتُ بابن عمي معاذ وقد اعتدتُ أنه رجل المواقف الصعبة، وأخذت بنصيحته خرجتُ أبحث عن صيدلية أشتري منها دواءً، ولكنه كان يوم جمعة، وكما تعلَّمتُ فإن ألمانيا تحبّ أن تتظاهر بالموت في عطلات نهاية الأسبوع.

وانتهى بي المطافُ بأن أشتري سندويشة فلافل بـ5 يورو، وهي الطعام الوحيد الذي عثرتُ عليه في تلك الساعة، ولم أستطع أن أتناول منها سوى قضمة واحدة. وقد عدتُ إلى سريري يائساً، واستيقظتُ من نومي سبعة وعشرين مرَّة ونيفاً في تلك الليلة ورأيتُ نحواً من مائة وأربعين كابوس وسراب وهلوسة، ونهضتُ بعد اثنتي عشرة ساعةً وحمدتُ الله أني على قيد الحياة. 

في اليوم التالي، شددتُ الرحال إلى مكانٍ أردتُ رؤيته منذ شاهدت صورته في موسوعة أطفال قبل اثني عشر عاماً، وهو قلعة نيوشفانشتاين والمُلقَّبة -بجدارة- بـ”قلعة الحكايات الخرافية”. استغرقت الرحلة خمس ساعات جيئةً وذهاباً، وأمضيتُ في داخلها ربع ساعة ثُمَّ اضطررتُ لأن أسأتذن من الدليل السياحي لألحق بحافلتي من ميونخ إلى كولونيا.

قلعة الحكايات الخرافية

ليلة رأس السنة

كنتُ أظنّ دوماً أني شخص لا يعبأ بالوحدة ولا يمانعُ بالعزلة عن الناس، فأنا انطوائيٌّ بطبيعتي وأتجنَّب المناسبات الاجتماعية والأماكن المكتظّة، وقد أمضيتُ معظم أسفاري وحيداً وكنتُ أسعد دائماً عندما أحظى بفتراتٍ قصيرة أعيشُ فيها وحدي بالمنزل (الذي أشتركُ فيه عادةً مع أخي الأكبر)، وأعترفُ رغم كلّ هذا الهراء بأني لم أُطِق وحدة الغُرْبة، فأن تكون وحيداً في منزلك شيء وأن تكون وحيداً في بلدٍ كاملٍ شيء آخر تماماً.

ولهذا السَّبب غادرتُ منزلي الدافئ في كولونيا بليلة رأس السنة لأمضيها مع مالك في بروكسل، والرحلة إليها سهلة وخفيفة، فهي لا تتعدَّى ثلاث ساعات على الأكثر. وانتهيتُ من عملي وخرجتُ أولاً من كولونيا إلى آخن، إذ إني حجزتُ من هناك حافلةً تقلّني إلى بروكسل.

وقد نزلتُ في آخن بمحطة القطارات الرئيسية بوسط المدينة، وكما هي العادة مع حافلات Flixbus الرائعة فإنَّ موقفها في “آخن” يكون في منفى بأقاصي الصحراء. وقد انتظرتُ بصبرٍ حافلةً تقلّني من المحطة الرئيسية إلى تلك البقعة البعيدة، وأكَّد لي غوغل أني سأصلُ إلى هناك في الوقت المناسب، لكنَّه لم يدرِ -على ما يبدو- أننا في ليلة رأس السنة.

موقف الحافلة، بعد رحيل حافلتي، وقد غرق في الظلمة والضباب والعزلة.

نزلتُ في موقف الحافلات متأخراً خمس دقائق فقط راضياً بقدري وهزيمتي، ووجدتهُ مقفراً مثل مقبرة، وكان الشارع مظلماً ومعظم أنواره يُغطّيها ضبابٌ كثيف، ولم أرَ سيارة ولا حافلةً ولا إنساناً يسيرُ في أيّ مكان حولي، وتفقدتُ كيف يمكنني العودة إلى محطة آخن الرئيسية، فاكتشفتُ أن أقرب وسيلة مواصلات ستأتي بعد ساعة كاملة.

وجدتُ وسيلة نقل أخرى من محطة قطارات آيلندورف، وهي على مسافة كيلومترين، فشرعتُ بالسير بحسب ما دلَّتني عليه الخريطة. وسرعان ما دخلتُ “متنزهاً” كان في الواقع دغلاً من الأدغال، وأحاطت بي الأشجار من كلّ جهةٍ فحجبت عنّي كل أنوار الشارع، وشعلتُ ضوء هاتفي فلم أرى أمامي إلا بضع خطواتٍ من شدَّة الضباب، وبردت أصابعي من الرياح التي تدنو حرارتها إلى الصفر حتى أن شاشة الهاتف لم تعُد تستجيبُ لها. 

وخلتُ أني ضللتُ طريقي في براري أوروبا، وفكرتُ بأني في أسوأ مكانٍ يمكن للمرء أن يقضي فيه ليلة رأس السنة، ولكنني فكرتُ مجدداً بأني لو لم أكُن هنا لكنتُ مستلقياً في السرير بمنزلي وحيداً، وأن من الخير لي أن أتحمَّل ما أنا فيه.

أمضيتُ ليلة رأس السنة مع مالك في وسط بروكسل، وتناولنا البطاطا (البلجيكية) المقلية وشهدنا (أو سمعنا) احتفالات العام الجديد. وفي اليوم التالي اتصل بي شخصٌ يقول أنه من التلفزون العربي وعرضَ لي أن أظهر على الهواء في مقابلةٍ عن ويكيبيديا، وبسببه أمضيتُ جُلَّ وقتي المتبقّي في بروكسل على شفى الانهيار النفسي.

ساغرادا فاميليا

ذات صباح وأنا بالصف الخامس أو السادس، شاهدتُ وثائقيًّا على ناشيونال جيوغرافيك عن بناء مدهشٍ لدرجة أني ظللتُ أتساءل لعشر دقائق أو نيّف إذا ما كان موجوداً حقاً، وبعد انتهاء الوثائقي بحثتُ عنه وقرأتُ عنه مطولاً وقررتُ أن عليَّ أن أزوره ذات يوم، وهذا البناء هو ساغرادا فاميليا، كنيسة برشلونة الشهيرة، والتي يخالُ المرء أنها انبثقت سهواً من كتاب أليس في بلاد العجائب أو قصّة من قصص الفانتازيا. نزلتُ من قطاري القادم من مطار برشلونة مباشرةً عند ساغرادا فاميليا، دون أن أكترث بالتوقّف في فندقي حتى، وقد كان لقاؤها مؤثراً وآسراً.

قد تبدو مثل قصر من حكاية خيالية أو لعبة فيديو، لكن ساغرادا فاميليا موجودة فعلاً!

زرتُ في المدينة صديقي مارك، وهو ويكيبيديّ وصانع ألعاب رقعة، وقد اكتشفتُ عنده أني جئتُ إلى برشلونة في يومٍ خاصّ يُسمّى “احتفال الملوك الثالثة”، ويجلبون فيه كعكة خُبِّئ فيها شيئان: أحدهما ملكٌ والآخر حبة فول، وقيل لي إن من يعثرُ على حبّة الفول يدفع سعر الكعكة. ومن سوء حظّ مضيفي وزوجته أن حبّة الفول كانت من نصيبي، وقد أصابهما الحرج والتوتر والارتباك من الموقف، على أنَّهما أكَّدا لي -قبل حدوثه- أن هذا محضُ تقليد وأن من يعثر على حبة الفول لم يدفع ما عليه قطّ، ولا أدري إن كانا صادقين فيما زعماه. 

كعكة الملوك الثلاثة.

الأندلس

لطالما عانيتُ صعاباً جمَّة في إقناع الناس بأن اسمي “عبَّاد” وليس “عبَّاس”، فطولَ حياتي لم ألتقِ إلا بشخصٍ سوايَ لهُ اسمي، وهو اسم تراثي نَدُرَ على ألسن الناس منذ قرون، ولهذا كوَّنتُ ارتباطاً عاطفياً مع شخصٍ مشهور حمل الاسم في الزمن الغابر، وهو المعتمد بن عبَّاد حاكم طائفة إشبيلية وقرطبة، وقد كان أقوى ملوك الطوائف وأهمَّهم، وكنتُ أتحرّق شوقاً لرؤية مدينته وعاصمةٍ من عواصم الأندلس.

أتيتُ إلى مدينة قرطبة في قطار مسائي متأخر وقضيتُ ليلتي في فندقٍ يقعُ -حرفياً- مقابل جامعها الكبير، على مسافة عشر خطواتٍ أو ما قاربها، وقد كانت لدخول الجامع سمةٌ خاصَّة جداً، فهو مكانٌ ألفته وعرفته من كثرة ما رأيته في صور وفيديوهات ووثائقيات، ولكنه كان مكاناً “خيالياً” لا أتصوَّر أن أكون فيه. وأدهشني قصر الخلافة في قرطبة لدرجة أني فضَّلتهُ على قصر بني الأحمر في غرناطة، وقد اكتظَّ ذاك بأفواجٍ من السياح، وهم (ويا للسخرية من قولي لذلك) ليسوا من الأمور المحبَّبة لي في السفر.

العودة الأخيرة

ركبتُ طائرةً من مدينة ملقة الإسبانية إلى ليج البلجيكية لأعود إلى “بلدي” مرَّة أخيرة، وكانت مغامرتي تقتربُ الآن من نهايتها. وكنتُ مرتاحاً لأن ليج تبعد 90 دقيقة بالقطار عن مدينة كولونيا، لكني سرعان ما أدركت لماذا كان الطيران إليها رخيصاً جداً: إذ كان المطار خالياً تماماً إلا من ركّاب طائرتي، ولم تكُن هناك أي وسيلة نقل عموميّ إلى وسط المدينة. سرتُ لثلاثين دقيقة على قدميَّ وانتظرتُ حافلةً لساعة ونصف، ووصلتُ إلى منزلي من رحلتي الأخيرة بعد 14 ساعةٍ من القطارات والحافلات والطائرات.

لاهاي

دعاني الزميل محمد عبد اللطيف، وهو مؤسّس مبادرة ض لإثراء المحتوى العربي ومحرّر ويكيبيديّ رائع، إلى زيارته في منزله بشتولبرغ ومن ثمَّ إلى رحلة قصيرة في أسبوعي الأخير ببلاد أوروبا. خرجنا إلى مدينة لاهاي في هولندا لرؤية محكمة العَدْل الدولية -ولطالما رغبتُ بزيارتها- وشاطئها الرمليّ الساحر على بحر الشمال. وقد أخذ الطريق 5-6 ساعاتٍ جيئة وذهاباً، ومرَّت سريعاً وسط نقاشاتٍ مطوَّلة عن المحتوى العربي والثقافة واللغة. وختمنا الأمسية في ضيافته بأول طعام منزلي شامي ذقتهُ منذ نصف عام.

شاطئ مدينة لاهاي.

امتحان اللهجات البريطانية

قد أكون أمضيتُ في أوروبا خمسة شهور في السفر والمغامرة والعمل، لكن علينا أن لا ننسى أني جئتُ للدراسة، وهذا ما تذكرتُه بعد عودتي من آخر رحلاتي.

وقد قلتُ أني سجلتُ لثلاث مواد دراسية في الجامعة، والمعتاد هو خمسة مواد على الأقل. وقد تبيَّن لي إن إحدى موادي لن تحتسبَ لي في جامعتي بالأردن فألغيتُها وبقيت لي اثنتان، وقد طُرِدتُ من الثانية (وهي مادة التمثيل المسرحي) لأنها مادة تفاعلية تتطلَّبُ الحضور الدائم، ولن أزعمَ أني تحسَّرتُ كثيراً على ما فاتني من أداء حركات تعبيرية عجيبة أمام جمهورٍ ناقد. وهكذا بقيت لي مادة واحدة، وهي عن اللهجات البريطانية.

لم أكُن متواجداً إلا في خمس أو ست محاضرات لهذه المادة، وقد تنقَّلنا يوماً بعد الآخر بين لهجات لندن وبريستول وبيرمنغهام وليفربول ومانشتسر ونيوكاسل وبضع مدنٍ أخرى، ودرسنا فيها سماتٍ صوتيَّة غريبة لم أستوعب منها إلا القليل، وبدا ان الأستاذة تتوقَّع منا أن نُميِّز كل لهجةٍ عن الأخرى في نهاية الفصل، وقد وجدناهُ -أنا وزملائي- توقعاً مضحكاً

لكن وقت الامتحان حان، قبل رحيلي بخمسة أيام، فتفرَّغتُ ليومين وانكببتُ على الدراسة وقرأتُ نحو مائة صفحة وشاهدتُ ساعاتٍ من فيديوهات اللفظ والنّطق وذهبتُ إلى الامتحان بثقة يتخلَّلها شيءٌ من الذّعر. وقد أضعتُ مكان القاعة قليلاً، كوني جديداً على الجامعة بالطَّبع، لكني نلتُ درجة 3.3/4 في الامتحان، وحققتُ غايتي من الرحلة بسعادة، ودقَّت ساعة العودة إلى الوطن.

النهاية

مهما سمعتَ عن السفر والمغامرة، وحتى ولو كنتُ من أكثر من يثرثرون بهذه الأمور على مرِّ السنين، فإني لن أطيقَ السفر من الآن لشهور، وقد لا أرغبُ بالسفر مجدداً إلا للاسترخاء والاستجمام في منتجعٍ سياحي هادئ مسالم.

على الأقلّ، ستكونُ بحوزتي الآن خريطة الأرض الوُسطى (The Middle Earth) لتذكرني برحلاتي ومغامراتي، وهي الخريطة التي رسمها بيلبو باغنز بعد عودته من رحلته إلى الجبل الوحيد، وقد سمَّا رحلته “ذهاباً وإياباً” أو “There and Back Again”، وأخالهُ اسماً لطيفاً لرحلتي كذلك وخاتمتها -مثل بيلبو- في العودة إلى وطنٍ مسالمٍ مع تذكاراتٍ تعرضُها على زوّار منزلك وتتفاخرُ بالمغامرات التي عشتها، دون أن تضطرَّ للمعاناة من عناء تلك المغامرة مرة أخرى.

وأما أوديسيوس، وهو البطل اليوناني الذي ذكرتهُ في فاتحة تدوينتي الطويلة، فقد كان أقلًّ حظاً منا أنا وبيلبو، فقد عاد إلى منزلٍ امتلأ بمائة متطفّل جاؤوا لخطبة زوجته (وقد ظنّوها أرملة) وقتل ابنه (خشية نقمته)، وكان من الخير له كما قالت كالبسو أن يبقى حبيس جزيرةٍ في المحيط “إذا ما عرفَ ما ينتظرهُ من آلامٍ ومعاناة قبل رجعته”. ومع ذلك فلم يعبأ أوديسيوس بأي شيءٍ للعودة إلى وطنه، فهي رحلةٌ تستحقّ عناءها في سبيل خاتمتها.

التعليقات 2

    1. مؤلف
      المقال

      بالعكس، من معرفتي بك فأنا فخورٌ جداً بأنك خصصت كل هذا الوقت لقراءة تدوينتي ذات الـ6,000 كلمة، فلو قرأتَ هذا العدد من الكلمات كل يوم ستنهي من رواية أغاثا كريستي بأسبوع 🙂

      لو لم أخبرك بما يكفي، فأنا سعيد جداً بمظهر المدونة.

اترك تعليقاً