هانوفر

تأملتُ الشاشة لثلاثين ثانية على الأقل لأتأكد من الرقم، لكثرة ما أخطئ قراءة الأرقام عندما تنال مني العجلة، على أنه ظلّ ثابتاً لم يتغيّر: “مطار كولون-بون، الساعة 9:41 دقيقة”، بينما أشارت ساعة معصمي إلى 9:40. كنتُ واقفاً عند مدخل المحطة الرئيسية، وقد علمتُ من الأسابيع التي قضيتها في هذه المدينة (والتي ذرعتُ فيها هذه المحطة بضع عشرات من المرّات) أن القطار الذي أريده سينطلق من منصة في الجهة البعيدة من المحطة، وأن بيني وبينه حشوداً من المواطنين الكولونيين المصطفّين أمام المخابز وشاشات الاستعلام وآلات بيع التذاكر، وأن هذا الحشد قد يحول بيني وبين رحلتي إلى مدينة هانوفر. ولم يكن أمامي سوى خيار واحد: وهو أن أتشبّث بحقيبة ظهري مع ما فيها من أعزّ ممتلكاتي وأنطلق جرياً بين الجماهير نحو مغامرتي القادمة.

لم أكن أعلم، في الواقع، إذا ما كان قلقي مبرّراً أم لا، إذ كان بإمكاني أن أستقلّ قطاراً آخر للمطار بعد عشر دقائق والمطار قريب جداً بحيث أن الرحلة لا تحدث فرقاً، ولكني أتممتُ مؤخراً شهري الأول في هذه المدينة، وقد تعلّمتُ فيه أن لا أثق بمواعيد وصول القطارات قطّ. واصلتُ الجري بين الحشود دون اكتراث بغرابة مظهري، وبشيء من الحذر كي لا أركل طفلاً أو رجلاً عجوزاً ممن اكتظّ بهم المكان، وصعدتُ إلى المنصة في الساعة 9:42 دقيقة. رأيتُ القطار واقفاً على المنصة وأبوابه موصدة، فأسرعتُ نحوه وضغطتُ على زرّ الباب ثلاثة عشر مرة. دخلتُ القطار لاهثاً، وبعد خمس ثوانٍ سمعتُ الباب يوصد من خلفي والمحرّكات تعمل، ولو أمكنني أن أرى السائق لقفزتُ وعانقتُه امتناناً.

البحيرة

أثبتت مخاوفي أنها كانت في مكانها، إذ لم تمضِ فترة طويلة على انطلاق القطار حتى توقّف في نصف مساره لخمسة عشر دقيقة متتالية دون حراك، متعللاً بعذر تافه (كعادة باقي القطارات في كولونيا) وهو “مشكلة في أجهزة الاتصالات” أو ما شابه. وصلتُ إلى موقف الحافلات في المطار بالوقت المناسب، ونزلتُ في هانوفر بعد العصر. لم أكد أخرج من الحافلة إلى سماء هانوفر الساطعة حتى تكاثرت الغيوم -خلال دقيقة واحدة تقريباً- وبدأت تنثرُ أمطارها فوقي، وقد اكتشفتُ خلال اليومين التاليين أن هذا هو الترحيب المعتاد الذي عليَّ أن أتوقع من سماء المدينة في كلّ مرة أخرجُ فيها إلى مكان مكشوف، حتى ولو كانت الأرض جافة جفافَ الصحراء قبل خروجي بلحظات. 

رأيتُ أمام المحط خطاً أحمر رُسِمَ على الأرض، في بدايته دائرة داخلها رقم (1)، ومن ثم أسهم تشير باتجاه اليمين، وهو ما أخبرني مركز الإرشاد السياحي أنه دليل يمكنني أن أتبعه سيراً على الأقدام كي أرى جميع معالم المدينة، دون الحاجة للبحث عن كلّ مكان أرغب بزيارته في خريطة رقمية أو ورقية والالتفاف يميناً وشمالاً بحثاً عن كلّ كنيسة ومتحف. وكانت الشمس حينها قد دنت من الأفق، فقرّرتُ أن أترك مهمة اللحاق بالخط الأحمر إلى اليوم التالي. ولو عرفتُ ما كان ينتظرني حينها لما اتخذتُ ذلك القرار الأخرق قط.

بما أن معظم الأماكن السياحية كانت مغلقة وقتئذٍ، رأيتُ أن أشدّ رحالي نحو مركز المدينة لرؤية بحيرتها الشهيرة، وهي بحيرة اصطناعية تتوسّط هانوفر وتضيفُ إليها بهاءً رائعاً. كانت البحيرة أشبه بنهر تبحرُ فيه الزوارق وتسبح طيور البط والوز وتحيطُ به حدائق جذّابة، فسرتُ نحوها دون تفكير، تقتادني رغبة بأن أراها عن قرب، ودخلتُ في طريق متعرّج بين الأشجار والأحراش.

لا أدري كم مضى عليَّ وأنا أمشي في ذلك الطريق، فقد كنتُ مسترخياً ومستمتعاً بالسير رغم أني أحملُ حقيبة ذات عشر كيلوغرامات التي على ظهري، والتي عبأتُ فيها من الطعام والشراب والملابس ما يكفيني لمدة يومين. لكن التعب قد نال مني بعد فترة، فأنا لستُ بطلاً رياضياً يقضي نهايات الأسبوع بتسلّق الجبال، بل شخص متواضع اعتزل التمرينات الرياضية منذ أن تعرّف إلى جهاز الحاسوب. 

وفي جميع الأحوال، كان الوقت قد حان للخروج من الطبيعة الساحرة التي جلتُ فيها والعودة إلى المدينة، لذا شققتُ طريقي بين الأشجار الكثيفة (التي كانت تحجبُ الرؤية إلى يميني ويساري) واتجهتُ نحو شاطئ البحيرة، وتبادرَ لي وقتها ما وقع لي: إذ كانت البحيرة العملاقة تحولُ بيني وبين مدينة هانوفر، ولم يكن هناك أي طريق أو جسر أعبرهُ للخروج من هذه البراري الكثيفة إلى مركز المدينة، بل لا سبيل للعودة إلا بالالتفاف حول البحيرة كاملة، والتي لا يزيد محيطها عن سبعة كيلومترات.

كنتُ قد مشيتُ حول البحيرة لأكثر من ساعة، ولم يكُن لدي طريق لعبور الأدغال التي احتجزتُ بينها إلا بالسير قدماً لوقت مماثل مع ما لديّ من أحمال ومع ما يحيط بي من أسراب الحشرات الطائرة وما يتراشقُ فوق رأسي من قطرات الأمطار. ثم قرّر الحظ أن ينقلب إلى صالحي مرة، إذ خفّت شدة المطر وأنارت السماء، وظهر فوق البحيرة قوس قزح مذهل تسمّر كل من حولي ليشاهدوه، وكان أوضح وأجمل قوس قزح رأيته في حياتي.

خرجتُ من البحيرة المشؤومة قرب وقت غروب الشمس وتوجّهت إلى فندقي مثقلاً بالتعب. لم تكن مغامرة البحيرة سيئة على أي حال، فهي لم تكُن أكثر من عينة مما كان ينتظري في الليلة القادمة.

حدائق ملوك هانوفر

تبادرَ لي قبل أن أتوجّه نحو مسكني الجديد، الذي سيأويني حتى الصباح، أن الغد هو يوم الأحد، ممّا يعني أن كل متاجر أوروبا (كلّ متاجرها) سوف تغلق أبوابها لثمانية وأربعين ساعة، أي حتى بداية الأسبوع المقبل، إذ لا تعملُ في نهاية الأسبوع بهذه البلاد سوى المطاعم -أو بعض المطاعم- ومحطّات القطارات. ومع هذه الحال الصّعبة، ولأن أسفاري تقومُ دوماً على منهج الاقتصاد والتوفير، فقد توقفتُ لأشتري مؤناً ومدّخرات أقتاتُ عليها لنهار الغد، وبذا أضفتُ إلى حقيبة ظهري أربع كيلوغرامات من العصير والحليب والسندويشات الجاهزة. وبذا صرتُ أحمل معي مدخراتي الغذائية (حصّة ليومين) وملابس للنوم وسترتين ومظلة للأمطار وكتاباً للقراءة وخريطة للمدينة وجهاز حاسوب مع ملحقاته لإنجاز ما عليّ من عمل، كلّها في حقيبة واحدة.

سرتُ مع هذه الأحمال في الصباح اللاحق إلى شمال هانوفر لأرى حدائقها الملكية الشهيرة، وهي حدائق مزيّنة ومشذّبة أراد آل هانوفر (حكّام المدينة الأسبقون) أن يقلّدوا بها الحدائق الملكية في باريس، والتي كانت محطّ إعجاب ملوك أوروبا. إلا أن هذه الحدائق مهمّة لسبب جوهري، وهي أن سلطة آل هانوفر لم تنحصر بهذه المدينة الصغيرة في ألمانيا، بل إنهم ورثوا عرش بريطانيا وتبوّؤوا الحُكم فيها لأكثر من مائتي عام (مثلما ورث والدك منزلاً أو خزانة قديمة من جدّك)، وقد كانت الحدائق متنزهاً لهؤلاء الملوك وجزءاً من تاريخهم.

لم أنزعج من كثرة الزوار في حدائق ملوك هانوفر، إذ يبدو أن معظم أهل المدينة لا يفضّلون التبلّل بالأمطار الكثيفة وغمس أحذيتهم بالطّين، أو لعلّهم فضلوا النوم على المجيء. وأما أنا فلم تثني الأمطار عزمي، فقد ترعرتُ في قلب الصحراء ونلتُ كفايتي من أشعة الشمس في أول خمسة عشر سنة من حياتي، بحيثُ أني لن أمانع بمثلها من الأمطار، عدا عن أني قضيتُ ساعة قصيرة ملتجئاً في متحف الحديقة وأجفّف ملابسي وأبدّل جواربي المتخمة بالماء، وهي حيلة ذكية استعددتُ لها بحمل أربعة أزواجٍ من الجوارب.

دار الأوبرا الخيرية

قضيتُ باقي النهار أمشي من الحدائق الملكية (وهي في أقصى شمال هانوفر) إلى وسط المدينة الذي تتكدَّسُ فيه معظم المعالم السياحية ذاتِ الشأن. مررتُ في طريقي بجامعة ليبينز وكنيسة السوق التراثية وقاعة مجلس المدينة المذهلة، والتي لها إطلالة على كلّ المدينة بمصعد عمرهُ مائة عام (بل كان عمره مائة عام، حتى تظاهروا بتجديده قبل بضع سنوات). وكنتُ قلقاً بعض الشيء من أن غروب الشمس يقترب ومن أن معظم المزارات السياحية على وشك أن تغلق أبوابها، ولذا حثثتُ خطاي مسرعاً، ولفتَ نظري حينها بناء مذهل في جماله وأناقته نُحِتَت على واجهته كلمات “Staatsoper Hanover”، أي دار الأوبرا بهانوفر.

كانت تنتابني الرغبة والفضول لرؤية عرض أوبرا بأمّ عيني منذ سنوات، فهي بالنسبة لي ظاهرة خيالية لا وجودَ لها خارج عالم المسلسلات والأفلام، وأما مشاهدتها عينياً فتكادُ تكون مستحيلة. دخلتُ دار الأوبرا بشجاعة وتوجَّهتُ نحو شباك التذاكر لأسأل عن عروض اليوم. قيل لي أن هناك عرضاً واحداً في هذه الليلة (يبدأ بعد نصف ساعة) وأن سعر تذكرته 30 يورو، وعندها أبرزتُ أمامهم بطاقتي الدراسية السحرية، وقد اعتدتُ أن تأتيني بخصوماتٍ مجزية في كلّ مكان تعللاً بكفاحي وجهدي في طلب العلم، ولكن لم يبدُر منهم أي اهتمامٍ سوى أن هزّوا أكتافهم قائلين: “السّعر واحد للجميع”.

وكنتُ على وشك أن أصدّق هذه الكذبة وأن أدير ظهري وأخرجَ حزيناً من دار الأوبرا، وحلمي لا يزالُ خيالاً محضاً، ثمَّ جاء أحد العاملين في المكان ووقف يتحدَّثُ لدقيقة مع المسؤولة عن شباك التذاكر (وأنا ما زلتُ حينئذٍ أتجادلُ معها فيما لديهم من عروض خاصّة)، وأمسكت موظّفة الشباك الورقة وقلبتها من جهة لأخرى، ثم ناولتني إياها. 

كانت تذكرة لعرض الأوبرا، وتفاجأتُ قليلاً لأني لم أطلب شراء تذكرة بعد. “كم سعرها؟”، سألتُها وكأني لم أكرّر السؤال نفسه سبعة عشر مرة قبل قليل. “إنها مجانية”، قالت لي، “جلبتها امرأة مسنّة لأن زوجها أصيب بمرضٍ يمنعه من المجيء، وقد أرادت أن تهدي التذكرة لشخص آخر”. واتّضح أني أنا ذاك الشخص المحظوظ (لو كان لي أن أرفق عروض الأوبرا التي شاهدتُها بهذه التدوينة لفعلت، ولكنّ تصويرها، للأسف، ممنوع حفاظاً على حقوق النشر، ولم أجِد شيئاً يذكرُ منها على الإنترنت).

الخط الأحمر

تجاوزتُ حتى الآن تفصيلاً واحداً من تفاصيل رحلتي المشؤومة، وهو أمرٌ شغلني خلال معظم زيارتي للمدينة. فعندَ وصولي إلى هانوفر لاحظتُ خطوطاً حمراء رُسِمَت على الأرصفة مع أرقام وأسهم تشيرُ باتجاهات مختلفة، وقيل لي في المكتب السياحي أن هذه خطوطٌ إرشادية وُضِعَت للسيّاح لكي يجوبوا أرجاء المدينة بأنفسهم (دون حاجة لخريطة أو دليل)، وذلك بأن يتبعوا “الخط الأحمر” من جهة إلى الأخرى ليشاهدوا وسط المدينة و36 معلماً سياحياً رائعاً. 

وقد أخذتُ على عاتقي منذ لحظة وصولي أن أتبع هذا الخط كي أتأكد من أن لا أضيّع على نفسي أي مشهدٍ هامّ في المدينة، ولكني رحتُ أؤجّل هذه المهمة مرة تلو الأخرى متعللاً بأولويات السفر والوقت، وأتمنّى حقاً لو أني لم أؤجّله لحظة واحدة. إذ كنتُ لا أزال متمسكاً بأملي الطفولي بأن أجوب الخط الأحمر من بدايته إلى نهايته، تبعاً لنزعة غير سويَّة تتملّكني وتحظر عليَّ أن أُفوّت رؤية أي مكان أو معلم في مدينة أزورها.

ولحسن حظي أو سوئه، اتضح أن عرض “الأوبرا” المجاني الذي دخلتهُ يمتدّ لأربع ساعات كاملة، فقد جئتُ إلى دار الأوبرا في الرابعة عصراً (قبل بدء العرض بنصف ساعة)، وانغلقت عليَّ أبوابها حتى التاسعة مساءً. وقد شاهدتُ في هذه الفترة الطويلة ثلاثة عروض مبهرة رأيتُ فيها صوراً من الفن الموسيقي لم أتخيّل أن أراها قطّ، ولكنني خرجتُ منها وأنا لا أزال متيماً برؤية المزيد: إذ كان عليَّ انتظار الحافلة التي ستعيدني إلى منزلي في كولونيا حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ولم أجد بداً من الاستفادة من الساعات الطويلة الباقية لي في المدينة إلا برؤية ما بقيَ منها، حتى ولو كان ذلك في ظلام الليل الدامس. وكان عليَّ أن أفكّر بقراري ملياً أكثر.

خرجتُ من دار الأوبرا وعدتُ إلى العالم الطبيعي الخالي من الموسيقى، والحقّ أني شعرتُ بشيء من الحرية والسعادة، إذ من الصعب الجلوس لأربع ساعات متصلة حتى ولو كان ذلك لمشاهدة عروضٍ راقية غالية الثمن. وقد لمحتُ الخط الأحمر على الأرض فوراً، فاتجهتُ نحوه وبدأت بالسير بالاتجاه الذي دلّتني عليه الأسهم، والذي أعرف -ممَّا قرأتُه- أنه يحتاج ساعتين لإتمامه. وفي تلك اللحظة سقطت على رأسي قطرة مطر.

العاصفة

جاءت بعد القطرة الأولى قطرة ثانية، ثُمَّ قطرة ثالثة. ونظرتُ إلى الأرض تحت قدميّ فوجدتُها جافّة، ورفعتُ نظري إلى السماء فلم أرى فيها إلا بضعة غيوم، فتابعتُ السير دون اكتراث. ثُمّ بدأ رأسي يتبلّل، وصارت الأرض رطبة، وخلال دقيقة واحدة انهمر الماء من السّماء مثل شلاّل، وخلتِ الشوارع حولي (والتي كانت مليئة بالمشاة قبل لحظات) من أيّ إنسان عداي، وظللتُ أسيرُ لوحدي لاحقاً الخطّ الأحمر وسط ستارة من الظلام الدامس والمطر المنهمر.

لم يبعث المشهد الذي أمامي مشاعر الراحة في نفسي، إذ لم أستطِع تمييز الشوارع التي سرتُ فيها قبل ساعات بعد أن صارت سوداء حالكة، وسرعان ما غرق حذائي الرياضي بالماء، فقد صُنِعَ للسير به في طقس بلدي الصحراوي وليس في غُمْرة عاصفة هوجاء. وفكرتُ بالعودة إلى محطة القطار وانتظار حافلتي إلى منتصف الليل، ولكن المحطة لم تعُد قريبة الآن، ولا زال أمامي الكثير لأراه. فقد تذكرتُ أني لم أشاهد بعد كنيسة القديس كليمينت التي رأيتُ صورها في متحف المدينة بالصّباح، والتي قرأتُ كلاماً مثيراً عن أهميتها في تاريخ المدينة (فقد كانت أول كنيسة كاثوليكية سُمِحَ ببنائها بعد أن تبنَّت الدولة المذهب البروتستانتي). ولم تستكن نفسي لمغادرة المدينة قبل أن أرى الكنيسة، فربّما “لا أعود إليها مرة أخرى في حياتي”، ونزعتي لا تسمحُ لي بمغادرتها قبل أن أرى كلّ معلمٍ ذا أهمية.

اشتدّ المطر بحيثُ أن قطراته المنهمرة صارت تحجبُ ضوء أعمدة الإنارة في الشارع، وباتت كلّ خطوة أخطوها تبعثُ رشقاتٍ من الماء في الهواء وكأني أخوضُ بحيرة، وعجزتُ عن رفع رأسي (وقد حاولتُ حمايته بمظلّة وقبعة من الصوف) دون أن تغمر وجهي قطرات المطر، والتي لم تعُد تتساقط فوقي بزاوية عمودية، بل تقفزُ نحوي يميناً وشمالاً، فتبلّلت جواربي وقدامي وارتجفت يداي من البرد، وتوقفتُ أحتمي تحت واجهة متجرٍ مغلقٍ، مثله في ذلك مثل جميع متاجر المدينة التي هجرتها الحياة، وبقيتُ أتأمل المطر بانتظار علامة أو بارقة أمل تدلّ على تباطئه. 

مضت خمس دقائق ثم عشر، ولم يتبدّل الطقس في شيء، وحرتُ في أمري، فعدتُ أفكّر بالكنيسة التي أردتُ رؤيتها وهوسي المعتاد بأن لا تفوتني رؤية شيء لأني “قد لا أعود إلى هذه المدينة قطّ”، وأني “لا آبه للأمطار لأني ربيتُ في قلب الصحراء” (فالمطر يبهجني ويسعدني بعكس هؤلاء الأوروبيين المساكين، أو هذا ما خلتُه). وقادتني هذه الأفكار الساذجة لأن أحمل مظلّتي وأخرج مجدداً إلى العاصفة الضارية. 

مرَّت نص ساعة أو ما يزيد عليها، واقترب ارتفاع المياه في شوارع هانوفر من كعبي المُبلَّلين، وعبرتُ عشرات الشوارع المهجورة والأرصفة المظلمة، بل وصادفتُ سيركاً أغلق أبوابه -على ما يبدو- استسلاماً للفرار الزبائن. وحاولتُ أن أفتح خريطة المدينة على هاتفي لأتأكد من اتجاهي في السير، رغم أنه كان بالكاد يستجيب لحركة أصابعي الرَّطبة، وأدركتُ حينها أني سرتُ في اتجاه خاطئ وأن الكنيسة أصبحت بعيدة عنّي جداً. واختفت كل العزيمة المزيّفة التي جاءت بي إلى هذا المكان التعيس.

العودة

لم تكُن كنيسة القديس كليمينت جديرة ولو بشطرٍ ضئيلٍ من العناء الذي سبَّبتهُ لي، فالحقيقة أني لم أُطِق الوقوف أمامها لأكثر من ثوانٍ معدودة بعدما نالَ مني البلل والإرهاق والندم، ولم آخذ إلا هذه الصورة المعتمة المهتزّة لها (أدناه) إلا لشعور الواجب لا الرغبة. وقد ذهبتُ نحوها مجدداً (بعد أن سرتُ في الطريق الخاطئ) بدافع العناد ولتجنّب أن تنتهي محنتي الطويلة بفشل ذريع، إلا أن طعم “النصر” هذا لم يكُن مبهجاً أبداً، وهي ليست نتيجة مفاجئة فيما أظنّ.

استغرقت العودة إلى محطة القطارات الرئيسية ساعة كاملة تقريباً لأني ضللتُ طريقي نحوها، ولم تتوقّف شلالات المطر في هذه الأثناء ولو لدقيقة. وما إن دخلتُ المحطة حتى توجهتُ إلى فرع ماكدونالدز وطلبتُ فطيرة تفاح ساخنة، متأملاً أن أنعم بالراحة والأمان والمقاعد المتسخة المألوفة أخيراً: ووقتها أدركتُ أن المطعم لم يكُن مدفئاً تقريباً، فخرجتُ منه ومشيت في أروقة المحطة، فلم أجد فيها مكاناً إلا وقد هبَّت عليه نسائم الرياح القارسة من باب مفتوح أو باب إلى منصة القطارات (وهي في الهواء الطلق). تجوَّلتُ عبثاً بين المطاعم المعدودة التي فتحت أبوابها وتبيَّن لي أنها ليست أدفئ من العالم القاسي الذي أحاول أن ألتجئ مه، ثم استسلمتُ لمصيري، فجلستُ بملابسي المبلّلة على أرض المحطّة وأنا أرتجف من البرد. 

كان بحوزتي حلّ سحري أخير، فقد فتحتُ حقيبتي باحثاً عن زوج من الجوارب الاحتياطية، وكنتُ قد حملتُ معي أربعة أزواجٍ منها تحسّباً لمثل هذه الحالات اليائسة. وما إن دسستُ يدي في حقيبتي حتى شعرتُ بالبلل  الكريه. كانت كلّ ملابسي في الداخل قد ابتلَّت حتى صار يعصرُ منها الماء، مثلما تبللت أوراقي وكتبي وحاسوبي أيضاً.

وبعد أربع ساعات من المعاناة وفعل اللاشيء، دفعتُ أبواب المحطة واتجهتُ إلى موقف الحافلات. كانت الأرض جافّة تماماً، ممَّا يعني أن المطر توقّف عن الهطول منذ ساعات. وصلتُ أخيراً إلى مدينة كولونيا في التاسعة صباحاً، وأنَّبتني أستاذة اللغة الألمانية لأني تأخرتُ عن الدرس، ولكني لم أحتجّ أو أعترض، بل توجَّهتُ إلى مقعدي لأنعم بالدفئ والراحة والسعادة. 

اترك تعليقاً