[قراءةٌ في كتاب] نظرية الألعاب


عندما نشرتُ تدوينتي السابقة التي تحدَّثتُ فيها عن حصيلتي من معرض الكتاب الدولي في عمّان (الأردن)، لم أكُن قد زرت المعرض سوى مرّة واحدة، وقد ذهبت بعدها عدّة مرات لأحصلَ لنفسي على كتبٍ أخرى، وأروع ما جئتُ به من تلك الزيارات كان هذا الكتاب عن نظرية الألعاب. كنت أسمع عن هذه النظرية من أخي، الذي درس علم الاقتصاد في ماليزيا، مُنذ سنوات كثيرة، وانتباتني رغبة شديدة بأن أتعرَّفَ عليها أكثر، وكانت هذه أول مرة أُقابل فيها كتاباً مُخصَّصاً للحديث عنها.

ليسَ ذلك فحسب، بل هذا الكتاب هو جزءٌ من سلسلة جامعة أكسفُورد المشهورة المُسمّاة “مُقدّمات قصيرة جداً“، وهي مجموعة من 425 كتاباً صُمّمت لتُقدّم للقراء نبذاتٍ مُختصرة وسهلة عن كلّ المواضيع الأساسية في العالم، وكتبها كُلّها خبراءٌ ذوُو خبرة طويلة جداً في مجالاتهم. ومُؤلّف هذا الكتاب تحديداً اسمُه كين بينمور، وهو أحدُ مُؤسّسي نظرية الألعاب الحديثة، وصاحبُ نظرية اقتصادية مُهمّة تسمى نظريّة المساومة. لمن يُريد، الكتاب متاحٌ مجاناً بترجمته العربيّة الكاملة على موقع مؤسّسة هنداوي.

الألعاب.png

غلاف الكتاب.

ما هي نظريّة الألعاب؟

الفكرةُ من نظرية الألعاب تتلخَّصُ بسهولة جديدة في اسمها، فهدف هذه النظرية هو تفسير آلية عمل الألعاب، في الغالب تكونُ ألعاباً يُشارك بها شخصان فقط (لتبسيط أهداف كلّ لاعب ونتائج أفعاله)، وأحياناً تكون أعقد من ذلك. قد يبدو الأمرُ غريباً، لكن نظرية الألعاب قادرةٌ على تفسير سلوكيّات الناس عندما يلعبون أيّ لعبة جماعية عادية: سواء كانت الشطرنج، أو المونوبولي، أو أيّ واحدةٍ من ألعاب البطاقات، فهذه كُلّها تدخلُ في مجال دراسة نظرية الألعاب.

لكن هذه الألعاب ليست لها وظيفة إلا قضاء وقت الفراغ والاستمتاع، ولذا – بطبيعة الحال – لا يُوجد أشخاصٌ كثيرون مُهتمّون بصرفِ خبرتهم المهنية في دراستها وبحثها. ولذلك، فإنَّ استخدام هذه النظرية لا يكونُ عادةً في “الألعاب” فعلاً، وإنَّما في مسائل بالحياة الواقعية تسيرُ بطريقة مُشابهة لتلكَ الألعاب، ففي الأساس، أيّ مُنافسة يُشارك بها عدة أشخاصٍ يُمكن النظر إليها على أنَّها لُعبة بطريقة أو بأخرى.

جميع التطبيقات المُهمّة لنظرية الألعاب هي في مجال الاقتصاد، والسَّببُ في ذلك هو أن هذه النظرية قادرةٌ على تفسير رُدود أفعال الناس، عندما يتعاملون مع المال، بدقّة تكون مُذهلة أحياناً. فعلى سبيل المثال، عندما تُريد شركة عملاقة إجراء مزادٍ علنيّ على أسهمها، سوف تُوظّف خبيراً في نظريّة الألعاب ليُقدّم لها نصائح واستشاراتٍ عن كيفيّة إدارة ذلك المزاد، وتُساعد نصائح هؤلاء الخبراء أحياناً على جنيِ مليارات الدولارات في الصّفقة الواحدة.

كيف تعملُ النظرية؟

يعتقدُ خبراء الاقتصاد أنَّ مُحاولة تفسير أسباب ردود أفعال الناس في المواقف التي تدرسُها نظرية الألعاب قد يكونُ أمراً مُعقَّداً وشائكاً جداً، ولذا، فإن هذه النظرية لا تُقحم نفسها في الأسباب القائمة وراء كلّ قرارٍ يتَّخذه الناس في مثل هذه المواقف، بل هي تعملُ على وصف تلك القرارات وتحديد أرجحيَّتها فحسبْ، بناءً على التجارب والإحصاءات العمليّة.

chess

تستطيع نظرية الألعاب تفسير حركات لاعبي الشطرنج.. لكن يندر استعمالها بهذا المجال، لتعقيده الشديد وأهميته القليلة.

ومع أنَّك قد تعتقدُ أن اختيارات الناس يجبُ أن تكون قائمةً على تفضيلاتهم وطريقة تفكيرهم الشخصيّة، إلا أنَّ رُدود أفعال الناس – في عددٍ كبير جداً من الألعاب – تكونُ مُتوقَّعة جداً ومُتفقاً عليها بين جميع الناس. ففي مُعظم الألعاب التي تدرسُها هذه النظرية تكونُ هناك منافسة بين مجموعة من الأشخاص، ويُحاول كلّ شخصٍ فيها زيادة مكاسبه على حساب خُصومه، وعندَ تكرار اللعبة عدداً مُعيَّناً من المرات، وعلى افتراض أن جميع اللاعبين عاقلِون، فإنَّهم عادةً ما يتوصَّلُون إلى نفس النوع من القرارات بالضَّبْط.

تعتمدُ معظم الفرضيّات الموضوعة في نظرية الألعاب على مُفارقاتٍ تخيّلية، يلعبُ فيها شخصان اسمُهما “أليس” و”بوب” الكثير من الألعاب البسيطة التي تُحاول وصفَ المواقف الواقعية التي تحدثُ في عالم الاقتصاد. فمثلاً، في واحدةٍ تُسمّى “مُفارقة السجنين” تُلقي الشرطة القبضَ على أليس وبوب لارتكابهما جريمة، والشرطة مُتأكّدة من أنهما الفاعلان، لكن لا يُوجد دليل، لذا تُطالب كلُّ واحد منهُما – على حدة – بالاعتراف بالجريمة وإدانة صديقه. لو خانت أليس بوب فسوفَ يُطلَق سراحها على الفور بينما يتلقّى هو كامل عُقوبته، لكن لو خانها هو أيضاً (في الوقتِ ذاته)، فسوفَ يتلقّى الاثنان عُقوبة كاملة، وأما لو التزم الاثنان الصَّمت، فسوف يتلقَّى الاثنان رُبْع فترة العقوبة فقط. فماذا سيختارُ أليس وبوب؟

الأفكارُ الأساسيّة

أحدُ أكبر المُساهمين الحديثين في نظريّة الألعاب الأمريكي جون ناش، وهو نفسُه عالم الرياضيات الشهير الذي صُوِّرت قصة حياته الحزينة في فلم Beautiful Mind الصّادر عام 2001. لاحظَ ناش أنَّه عندما يلتزمُ اللاعبون في ألعابٍ مُعيّنة باتخاذ نفسِ القرارات مراراً وتكراراً، فإنَّ خُصومهم سوف يلتزمُون أيضاً بإجاباتٍ ثابتة عليها، لأنَّها تكونُ أفضل خيارٍ مُمكنٍ لهُم رداً على خيار غريمهم. تُسمّى هذه الحالة توازن ناش، وهي حالةٌ سوفَ يصلُ إليها جميع اللاعبين، عاجلاً أو آجلاً، عندما يكتسبُون بعض الخبرة في أيّ لعبة.

فعلى سبيل المثال، في الحالة المذكُورة أعلاه، تعلم أليس أنَّ أفضل خيارٍ لها في حالة  ما خانها بوب هو أن تخونُه بالمِثْل، فبتلك الطريقة سوفَ تنتقمُ منه لجعلها تتلقّى العُقوبة، ولكن إذ علمت أن بوب لم يخُنها، فإنَّ أفضلَ خيار لها هو أيضاً أن تخونُه، فذلك سوفَ يسمحُ بإطلاق سراحها على الفَوْر. هذا يعني أنَّ أفضل ردّ لأليس على جميع خيارات بوب هو الخيانة، وأفضلُ ردّ لبُوب على جميع خيارات أليس هو أيضاً الخيانة، وبالتالي فإنَّ حالة توازن ناش لـ”مُعضلة السجينين” هي الخيانة المُتبادَلة.

warsha4-1

يتم شرح كل معضلات نظرية الألعاب بجداول مثل هذا. كل خانة توضح عوائد الطرفين من أحد القرارات، وفي هذه الحالة يقع توازن ناش لمعضلة السجنين في الزاوية العليا اليسرى، حيث يحكم على كلّ من السجنين بثلاث سنوات. ومع أنه توجد حلول أنسبُ بالنسبة إليهما (مثل أن يحكم كلّ منهما بسنتين اثنتين)، إلا أنه من شبه المستحيل على لاعبين عاقلين الاتفاق على حلّ آخر.

ليسَ بالضّرورة أن يكون هناك توازن ناش واحدٌ لكلّ لعبة في العالم، فبعضُ الألعاب تكون مُعقَّدة بحيث تتفاوتُ فيها اختيارات اللاعبين، لكن مُعضلة السّجينين هي واحدةٌ من الحالات الواضحة.

تُثبت تجارب المحاكاة هذه النَّتيجة، فقد حاولت بعضُ التجارب العلميّة وضعَ أشخاصٍ في مُعضلة السَّجينين وتسجيلَ استجاباتهم لعَرْض خيانة أصدقائهم. في البداية، كان الأشخاصُ الخاضعون للتجارب يختارُون التزام الصَّمت لـ50% من المرّات تقريباً، لكن، عندما تمَّ تكرارُ التجربة عليهم عِدّة مرات بحيثُ يكتسبون خبرة في التعامُل معها، أصبحُوا يختارون الخيانة في أكثر من 90% من التجارب.

الاختيار العشوائيّ

في نظريَّة الألعاب يُحاول اللاعبون العقلانيون دائماً الوُصول إلى الاختيارات التي تزيدُ مكاسبهم لأقصى حدّ مُمكن، لكن في بعضِ الحالات، يبدُو أنَّ الطريقة الوحيدة للحُصول على أكبر مكسبٍ مُمكن هي الاختيار بعشوائيَّة تامة، لأنَّ للعبة قواعدَ عشوائية، أو لأنَّ اللاعبَ يحتاجُ لتضليل خُصومه بحيث يُوهمهم بأنَّه يختارُ على أساس عشوائي.

إحدى النماذج النظريّة لهذه الألعاب لُعبة “مُطابقة العملات”، ففي هذه اللعبة لدى أليس وبوب عملتان معدنيَّتان، ويختارُ كلّ منهما أحد الجانبين: إما صُورة أو كتابة. لو كانت العُملتان مُتطابقتان، تفوز أليس. لو كانت العُملتان مُتغايرتين (واحدة كتابة، والأخرى صُورة) فسوفَ يفُوز بوب. فما الذي على أليس أن تختارهُ للفوز؟

قد تعتقدُ أن الإجابة هي أنَّ عليها الاختيارَ بطريقةٍ عشوائيّة، لكنَّ تلك ليست الإجابة الصحيحة تماماً. حسبَ نظريّة الألعاب، فالطريقةُ المثلى التي على أليس اللَّعبُ بها هي أن تستعملَ جميع خياراتها المُمكنة بنفس المقدار، وبالتالي، يجبُ أن تختار “صُورة” لـ50% من المرّات، و”كتابة” في الـ50% الأخرى، وبالتالي سوفَ تكسبُ نصف الجولات بالضَّبْط، وتخسرُ نصفها بالضَّبْط، وهذا هو أفضلُ مكسبٍ يُمكنها الوصول إليه ضمن الظروف المُتوافرة لها. وتُسمّى هذه الطريقة في اتّخاذ القرار الاستراتيجية المُختلطة (Mixed Strategy).

السَّعيُ للتوازُن

لكن، ماذا لو كان أليس وبوب يلعان لُعبةً أكثر تعقيداً، مثل “حجرة ورقة مقص”؟

وصفَ مُؤسّس علم نظرية الألعاب والعالم الحاصلُ على جائزة نوبل في الاقتصاد “جون فون نيومان” الطريقة التي تتغيَّرُ بها استراتيجيات بوب وأليس استجابةً لبعضِهما، وذلك في نظريّته المُسمّاة نظرية أدنى الأقصى (Minimax Theory). وبحسب هذه النظرية، يسعَى جميعُ اللاعبين المُتنافسين إلى تقليل خسائرهم باستمرارٍ بتغيير استراتيجيتهم، وفقاً لما يختارُهُ خُصومهم.

1111-49

هذه المقالة الجيدة من موقع “أنا أصدق بالعلم” تتحدث عن توازن ناش في لعبة حجرة ورقة مقص.

فلو كان بوب يختارُ مقص في 70% من جولاته، فمن المنطقيّ أن أليس سترغبُ أيضاً باختيار الحجر في نفس العدد من المرّات، وعندما تفعلُ ذلك، سيُلاحظ بوب أنه أصبح يخسرُ أكثر، ولذلك سيُغيّر استراتيجيته بحيثُ يختار الورقة أكثر، لأنه تغلبُ الحجر. تتنبَّاُ نظرية الألعاب بأن أليس وبوب، طالما أنَّهما لاعبان عاقلان، سوف يستمرَّان بتغيير خياراتهما حتى يصلا إلى نُقطة تجاذب، وهي مرحلة من التوازن، يتفقُ فيها اللاعبان على تثبيت استراتيجياتهما لأنَّهما وصلا إلى النّقطة التي يحصدان عندها أعلى مكسب وأقل خسارة مُمكنة بحُكم الظروف، وبالتالي لم تعُد هناك حاجة لاختلاق استراتيجية جديدة.

ولكلّ لُعبة “حوض تجاذب” خاصّ بها تستقرُّ فيه عند استراتيجيات مُحدّدة، ويُفترض في لعبة “حجرة ورقة مقص” أن يكون حوض التجاذب عند النقطة التي يختارُ فيها بوب وأليس الحجر لثُلْث الوقت، والمقص للثلث، والورقة للثلث.

الخداع والتَّضليل

لكنَّ الحالات التي سبقَ ذكرها هي حالات بسيطة، ليست لدى اللاعبين فيها أيُّ معلومات عن خُضومهم. وفي بعضِ الألعاب يُمكن أن يتَّبع اللاعبون الاستراتيجية المُختلطة (أي العشوائية) عن عمد، ويكونُ هدفهم من ذلك هو تضليل مُنافسيهم بحيث لا يُدركون السَّبب في اتخاذهم هذا القرار أو ذاك. وأوضحُ الأمثلة على هذا التضليل هي ألعاب المُراهنة، مثل البُوكر.

في لُعبة البوكر يحملُ كلّ لاعبٍ في يده مجموعةً من البطاقات،ولا يستطيعُ رؤية بطاقات اللاعبين الآخرين. على مدارِ اللعبة يستطيعُ اللاعبون المُراهنة بمبالغ مُعاينة، وعندما يضعُ أحد مبلغاً مُعيّناً للرهان، فإن جميع خصومه مجبَرُون على اتخاذ واحدٍ من خيارَيْن: إما أن يراهنوا بنفس المبلغ، أو ينسحبونَ من اللغبة. لا يستطيع اللاعب المُنسحب كسب أيّ نقود بعد خُروجه من اللعبة، مهما كانت بطاقاته جيّدة في الحقيقة. ولو بقيَ لاعبٌ واحد فقط لم يُعلن انسحابه، فإنه يحصلُ على النقود التي راهن بها جميعُ خصومه، حتى ولو كانت بطاقاته سيّئة جداً. أما لو أصرَّ أكثرُ من شخصٍ على البقاء إلى نهاية اللعبة فيتمُّ كشف البطاقات، ويفوزُ صاحب المجموعة الأفضل.

الآن، عندما تكونُ لديك مجموعة جيّدة من البطاقات فإنَّك تُريد لخصومك أن يُراهنوا بنقودٍ أكثر، لأنك تعلمُ أنك سوف تكسبُها كلها عندما تفُوز. لكن بعد خبرةٍ قصيرة في لغب البوكر، سوفَ يعلمُ الجميع – عندما تُراهن بمبلغٍ كبير – أنَّ لديك بطاقاتٍ جيّدة جداً، وبالتالي سيُعلنون انسحابهم على الفَوْر، قبل أن يُراهنوا بنُقودهم.

World Series of Poker Main Event

لعبة البوكر مفيدة جداً لاختبار جوانب معينة من نظرية الألعاب.

لهذا السَّببِ يعمدُ لاعبو البوكر الخُبراء إلى تضليل خصومهم بطُرُقٍ مُعقّدة.

لكي ينجحَ هذا التضليل، لا يُريد اللاعب الخبير خداع خُصومه ودفعهم للانسحاب عندما تكون أوراقه سيّئة، فذلك رهانٌ ضعيف، بل هو يُريد إغرائهم بالرهان بمبالغ كبيرة عندما تكونُ أوراقه جيّدة. وبالضّرورة، يعني ذلك أنَّه سوف يضطر للاستمرار بالرهان في بعض الأوقات، حتى لو كانت أوراقه سيئة، بل رُبّما تكونُ عليه المزايدة أيضاً، وبهذه الطريقة، سيُصبح من الصّعب على الآخرين تمييزُ متى يُراهن هذا اللاعب بسبب أوراقٍ قوية، ومتى يسعى لتضليلهم فحسب.

الأعرافُ الجماعية

تخلصُ نظرية الألعاب إلى أن البشر العقلانيين يميلُون دائماً للقرارات التي تصبُّ بمصلحتهم الخاصة آنياً، حتى ولو كانت، على الأمد الطويل، سوفَ تُضرّ بهم وبباقي مُجتمعهم، ومن مثل ذلك مُفارقة ملعب كرة القدم.

فعندما يُشاهد جمهورٌ من الناس مُباراة كرة قدمٍ من على مُدرّج، سوف تكون الرؤية صعبة عليهم قليلاً، وقد يُفكّر أحدهم بأن يقف، لأنَّ الوُقوف يعني أنه سوف يرى ما يحدثُ بوضوحٍ أكبر. ولكن، عندما يفعل ذلك سوف يضطر من حوله للوقوف أيضاً، لأنه يحجبُ عليهم المشهد، وبعد فترة، يُمكن أن ينتيه الأمرُ بجميع من في الملعب بالمٌشاهدة واقفين. وعندها سوف يكون الجميع قد تكبَّد خسارة، لأنهم فقدوا راحة الجُلوس، دون الحصول على أيّ مكسب.

واعتقدَ بعضُ الفلاسفة أن من العقلاني في هذه الحالة أن يتصرَّف الناس وفقاً لمصلحة المُجتمع، لكن على أرض الواقع، تُظهر التجارب أن الإنسان يميلُ للسلوك الأناني، وبالتالي يكونُ دائماً من الصَّعب الحفاظُ على الأعراف العامة التي تُساعد المجتمع. وبالطبع فإنَّ هذا ليس حُكماً مطلقاً، لكنه النتيجة الراجحة لمُعظم الحالات.

26985365016_bf671ba105_b

لو وقف صف واحد من هؤلاء المتفرجين سيضطر كل من ورائهم لمشاهدة المباراة واقفين. ستتألم أرجل الجميع من الوقوف، بينما لن يجني أحد أي مكسب.

الإنصاف

نظرية الألعاب تُقدّم الإنسان على أنه مخلوقٌ أناني جداً، فنظرياً، قد نفترضُ أن جميع اللاعبين في هذه النظرية يميلُون للاختيارات التي تُعطيهم أعلى المكاسب، ولا يُظهرون أيّ رغبة ببذل الخير، وبالتالي فإنَّ التعاونَ يُصبح نتيجة غير مُمكنة في تفاعلات الناس مع بعضهم، وذلك بالتأكيد غيرُ صحيح.

وقد تعتقدُ أننا بصدد الحديث عن المشاعر والرّغبة بالإيثار والعطاء التي تُغيّر سلوك الناس في المُفارقات التي سبق وأن ذكرناها، لكنَّ ذلك ليس تماماً مَوضوعاً لنظريّة الألعاب. تُوجد عوامل إضافية في عالم الواقع تجعُلُه مختلفاً – من ناحية فعليّة – عن نماذج الألعاب النظرية أعلاه، ومن أهمِّ هذه العوامل التكراريّة.

عندما يخوضُ الناس نماذج من نظرية الألعاب في الحياة، مثل تعامُلهم مع أحد البائعين أو إجرائهم لصفقةٍ تجارية، فهُم مضطرُّون لأن يأخذوا بالحُسبان أن هذه اللعبة لن تحدث مرّة واحدة فحسب، بل ستتكرّر عدداً كبيراً جداً من المرات. فالتاجران اللّذان يُبرمَان صفقة لا يخدعان بعضهُما في العادة، وليس ذلك بالضرورة لأن لديهما أخلاقاً حسنة جداً، لكن لأنَّهما يحتاجان لبناء علاقة ثقةٍ طويلة الأمد بينهُما. فالتاجر الذي يغشّ يكتسب سُمعة سيئة، والسمعة السيئة تعني أن التجار الآخرين لن يرغبوا بالتعامل معه، وبعد بضع تكراراتٍ لن يجدَ شخصاً في المدينة يبيعُه بضاعته. وبما أنَّ مُعظم العلاقات في الواقع تكونُ ذات نهاية مفتوحة، أي لا يُوجد حدٌّ مُعيّن لانتهائها، فإنَّ البشرَ يميلُون للالتزام بالقواعد التي تمنحُهم سمعة جيّدة.

ومن العوامل الأساسية التي تترتَّبُ على التكرار مبدأ المُعاملة بالمثل، ومن ذلك الرّغبة بالانتقام والعقاب، وهي من العواقب تجعل الناس يميلُون – في الكثير من الأحيان – للتعامُل بإنصاف، حتى لو لم يرغبوا تماماً بذلك. ويُمكن تلخيصُ المعاملة بالمثل بأنَّ “العين بالعين، والسن بالسن”، فكلُّ مرة يتخذه فيها لاعبٌ قراراً أنانياً، سوفَ يُعاقَب بالمثل. وتُثبت التجارب أنَّ الأشخاص يُغيّرون اختياراتهم دائماً استجابة لما يفعله خصومهم، لكنَّهم يُعطونهم مجالاً للتراجع، فلو تخلّى أحدُ اللاعبين عن أنانيته، سُرعَان ما سوف يتخلّى عنها الآخرُ أيضاً.

والأشخاصُ في الحياة الواقعية لا يميلون لقبول الصفقات التي تُعطيهم مكاسب غير عادلة، حتى لو كانوا سوف يتكبَّدُون خسارةً أكبر بسبب رفضها، فالكبرياء هي واحدةٌ من العوامل الأساسية التي تُؤثر في سلوك البشر، وتختبرُ ذلك عِدّة تجارب اختبرت إحدى تجارب نظريّة الألعاب ظاهرة الكبرياء في ما يُسمّى “لعبة الإنذار النهائي“.

في هذه اللعبة يحصلُ أليس وبوب على مبلغٍ من المال، لكن يُوجد شرط: يجب على أليس أن تختار كيفيّة تقسيم المال، بأيّ طريقة تشاؤها، ولدى بوب خياران، إما رفضُ عرضها (وعندها لن يحصل هو ولا أليس على أيّ قرش)، أو يقبله من دون نقاش. وفي حال عدم وُجود الكبرياء فسيكونُ من العقلاني لبوب أن يقبل أي عرضٍ يحصلُ عليه، لأن مكسبه سوف يكون أكبرُ دائماً، فالرَّفضُ يعني عدم حصوله على أي شيء. وأما القبول فسيكون مكسباً، حتى ولو بمقدار قرشٍ واحد.

لكن التجارب المعمليَّة أظهرت أن الناس لا يقبلُون التقسيمات غير العادلة في الغالب، حتى ولو كانت بفارقٍ بسيط، مثل 30 لـ70% أو من قبيل ذلك. وفي الحقيقة، فإنَّ مُعظم الناس الخاضعين للتجربة كانوا يُقسّمون المال بالتساوي تماماً، رغم أنهم يستطيعون – نظرياً – إبرام اتفاق غير عادل.

sothebys

الإعداد للمزادات العلنية قد يكون عملية دقيقة ومهمة جداً. يظهر بالصورة عددٌ من الموظفين الذين يتصلون بعملاء مُهمين على الهاتف، لتسجيل إسهاماتهم بالمزاد على لوحة “الصرخة” المشهورة.

المزادات:

إحدى أكبر التطبيقات التجاريّة لنظرية الألعاب هي المزادات، وليس المقصودُ هنا المزايدة في سوقٍ تجاري على تحفة سعرُها مائة دولار، بل المزادات العملاقة التي تتنافسُ فيها الشركات على خدماتٍ تصلُ قيمتها إلى مئات ملايين الدولارات، ففي مثل هذه الحالة، قد يكونُ من المجدي جداً توظيفُ خبير في نظرية الألعاب للإشراف على سير الأمور.

توجد عدة أنواع مشهورة عالمياً من المزادات، من أهمّها المزادات الإنكليزية، التي تظهر في الصورة أعلاه بحدث تستضيفه مؤسسة سوثبيز البريطانية الشهيرة جداً. تبدأ هذه المزادات من سعرٍ قليل، ويستمر الحاضرون برفع مزايداتهم حتى لا يرغب أي شخصٍ برفع السعر أكثر، وعندها يعلن عن إقفال المزاد وفوز صاحب آخر سعر، ويُخصَّص هذا النوع لبيع التحف الفنية والمقتنيات الثمينة. وأما المزادات الهولندية فهي تسير بطريقة مُعاكسة: إذ تبدأ المزايدة من أكبر سعر ومن ثم يتم تخفيضه تدريجياً، ويفُوز أول من يعرض رغبته بالشراء عند آخر سعر تمَّ التوقف فيه. وتتسم هذه المزادات بالمُخاطرة في التأخر بالشراء، وتستخدم لبيع سلعٍ تافهة مثل الحيوانات الأليفة والأزهار.

وأما النوع الذي تميلُ الحكومات لاستخدامه في بيع سلع مهمة للشركات العملاقة، فهو مزاد المظاريف أو مزاد فيكري (نسبة إلى مُخترعه). في هذا المزاد تعرض كلّ شركة – بسريّة تامة – عن السعر الذي ترغبُ بتقديمه للحكومة السلعة المعروضة، التي قد تكون أرضاً مهمة أو خطّ اتصالات أو شيئاً مث لذلك، وتفوزُ الشركة التي عرضت أعلى مبلغ. لكن، الأمر الاستثنائي في هذا النوع من المزادات أن الشركة الفائزة لن تدفع لقاء الخدمة السعر الذي عرضته، بل ثاني أعلى سعرٍ عرضته إحدى الشركات الأخرى. قد تبدو هذه القاعدة غريبة جداً وغير منطقية، لكن، على أرض الواقع، هي تساعد على زيادة أرباح المزاد بتشجيع الشركات على عرض أسعار أكبر، متأمّلة أنها لن تضطرَّ لدفع كامل المبلغ الذي عرضته.

p_df_1

المؤتمر العالمي السابع والعشرين لنظرية الألعاب (سنة 2016)، يُقام في مدينة نيويورك كلّ عام.

هل أنصحك بقراءة هذا الكتاب؟

كان هذا الكتاب مليئاً بالأفكار المُمتعة والنظريات المُشوقة، لكنه – أيضاً – كان واحداً من أصعب الكتب التي قرأتها في حياتي. يفترض أن الترجمة جيّدة، لكنها حرفية كثيراً، وصياغة وتراكيب الجمل في الكتاب معقدة جداً، بحيث أن محاولة فهمه تصبح مرهقة جدياً في بعض الأحيان. عملياً، يمكنني القول أني أعدت قراءة كل صفحة من الكتاب مرَّتين أو ثلاثة قبل أن أنهيه، لأن فهمه كان عسيراً جداً. لهذا السبب، لن أنصحك بقراءة الكتاب إلا لو كنت مهتماً فعلاً بالخوض في تفاصيل الموضوع، وعدا عن ذلك، فأعتقدُ أن من الأفضل لك الاكتفاء بقراءة مُلخّصات ومقالات مختصرة عنه، مثل هذه التدوينة!

حصيلتي من معرض الكتاب في عمَّان


زرتُ البارحة أوّل معرض كتابٍ لي مُنذ سنتين تقريباً، وهي مُدّة طويلة قليلاً بالنسبة لي لأني عادةً ما أذهب لمعارض الكتب بكثرة.. فقد ذهبتُ إليها في ثلاث عواصم عربية حتى الآن.

كانت التّجربة مُشرقة من بعض النواحي ومُحبطة من أخرى. كالعادة كانت “الدار العربية للعلوم” أفضلَ مكانٍ في المعرض، ليس لسببٍ إلا لأنّي قارئ رواياتٍ بالدرجة الأولى، وهُم دائماً يُوفّرون الكثيرَ منها بطبعاتٍ وترجماتٍ ممتازة جداً، آه… والسعر لديهم يتناسبُ مع الجودة أيضاً، من حيثُ الارتفاع بالطّبع.

من جهةٍ أخرى، حصلت على الفُرصة لأكتشف دار نشرٍ مصرية لم أسمَع بها من قبل، وهي “كلمات هنداوي” (يبدو أنّها مشهورة، لا أعرفُ لماذا لم أصادفها سابقاً)، وهي على الأرجح الدار الوحيدةُ في المعرض كلّه التي تتخصَّصُ بترجمة الكتب العلمية. وهنا لا أعني الكتب المُبسّطة من نوع “لماذا يُسخّن المايكرويف أسرع من الفرن؟”، بل الكتب التي يكتبُها علماء مُتخصّصون، من أمثال ستيفن هوكنغ ونيل تايسون ومن سواهُم. الأسعار لديهم تناسبُ الجودة أيضاً.. لكني لم أفوّت على نفسي فُرصة الحصول على بضعة أشياءٍ من عندهم.

photo_2016-10-03_17-46-43

أخيراً كان جناحُ المكتبة الأهلية ممتازاً جداً هذا العام. منشوراتهم بحدّ ذاتها ليست كثيرة، لكنَّهم مُشتركون في الجناح مع عدد كبيرٍ من دور النشر اللبنانية التي لها الكثيرُ من الكتب الرائعة، فقد وجدتُ لديهم الكثير من الروايات الروسية والشرقية بطبعاتٍ جيّدة جداً، وأيضاً بعض الكُتب الفلسفية والعلمية النادرة، مثل كتاب “النظرية النسبية” من تأليف آلبرت آينشتاين نفسِه، وقد عرفتُ لاحقاً أنَ لديهم كتباً مُترجمة لستيفن هوكنغ، لكن أحبطني جداً أني لم أرَها عندما كنتُ هناك.

14520528_1282530501810166_2645265789159081037_n

 

عدا عن ذلك، كان المعرضُ، مثله مثل غيره، مليئاً بالمنشورات الرّديئة والطبعات الكارثية التي لا داعي للحديثِ عنها. كانت هُناك كثرةٌ ملفتة بالأجنحة المُوجّهة للأطفال، كما صادفتُ عدداً لا بأسَ به من المكتبات المُتخصّصة باللغة الإنكليزية، وبعضُ هذه كانت لديها كتبٌ ممتازة جداً وددتُ اقتنائها، مثلَ “Guns, Germs, and Steel” لجارد دياموند والذي ساورتني رغبة جامحة بشرائه، لكنَّه طويلٌ جداً كي أقرئه بلغُةٍ غير لغتي الأم.

على العُموم، فيما يلي قائمة مُشترياتي:

photo_2016-10-03_16-52-33

كتبٌ علميّة مُبسَّطة، لكن ليست للأطفال أو الناشئين بل للبالغين. الطّباعة فاخرةٌ للغاية، والمواضيعُ شيّقة، والإخراج رائع. يبدو أنَّها بالأصلِ موسوعة فرنسيّة: http://www.editions-larousse.fr/collections-term/1342/4

photo_2016-10-03_16-52-30

 

من أشهرِ كتب الحرب في تاريخ البشرية، ألَّفه جنرالٌ صيني قبل ألفي عام. وددتُ اقتنائه مُنذ فترة لكن معظم الطبعات التي صادفتُها كانت كارثية.

photo_2016-10-03_16-52-26

لفتَت هذه الروايات نظري كثيراً، بعد تصفّحها بسُرعة شعرت أن قرائتها ستكونُ تجربة فريدةً وممتعةً جداً، فهي غير اعتيادية بالمرّة. هاتان الروايتان ليستا سوى أوّل جُزئين من حوالي 40 جزءٍ آخر يروون قصّة مجموعة من عشائر القطط التي تخوضُ حروباً وصراعات شرسة بين بعضها البَعْض. للاطّلاع: https://en.wikipedia.org/wiki/Warriors_(novel_series)

photo_2016-10-03_16-52-17

لا أعرفُ الكثير عن هاتين القصّتين، لكن سبب شرائي لهُما أن كليهما من مُؤلّفَيْن حاصلين على جوائز نوبل في الأدب، وإحدى أهدافي في الحياة أن أقرأ لأكبرِ عددٍ ممكنٍ من مثل هؤلاء الأشخاص. الأرضُ الطيبة (The Good Earth) تعودُ لكاتبة أمريكية قضت مُعظم حياتها في الصّين، وأما العاصمة القديمة (The Old Capital) فهي قصّة اجتماعية تدورُ أحداثها في اليابان.

photo_2016-10-03_16-52-12

من أمَّهات الكتب التي وضعها الفلاسفة القدماء، جلبتُه من باب الاطلاع بالدّرجة الأولى.

photo_2016-10-03_16-52-08

كتابٌ حديث عن نظريّة التطور، يبدو جيّداً للغاية، أرجو أن يوسّع اطلاعي ومعلوماتي عن النظرية، خُصوصاً أنَّ الكثيرين يَميلون لمناقشتي فيها.

photo_2016-10-03_16-51-59

الخاتمة للأفضل… لم أسمَع بوجود هذا الكتاب سوى حديثاً، وكانت سعادتي غامرةً بأن وجدتُّه مترجماً. إنَّ مُبتكر النظرية النسبية، ألبرت آينشتاين، هوَ نفسُه صاحب هذا الكتاب، وقد ألَّفهُ خصيصاً كمُقدّمة مُبسّطة تساعد الأشخاص غير المُتخصّصين والمساكين – من أمثالي – على استيعاب نظريّته المبهرة. للاطلاع:https://en.wikipedia.org/wiki/Relativity:_The_Special_and_the_General_Theory

“قصصٌ ممتعةٌ من كتاب “أفكار العِلْم العَظيمة


photo_2016-09-20_18-56-51

قرأتُ اليوم كتاب “أفكار العلم العظيمة” لإسحق عظيموف، وقد كان حقيقةً مُفيداً ومُلهماً جداً، فمعَ أنَّني كانت لديَّ فكرة عامَّة مُسبقة عن أغلب ما فيه، إلا أنَّه أعطاني تفاصيلاً جوهريَّة عن بعض الأشياء ومنظوراً جديداً تماماً عن العديد من العُلماء المشهُورين وأهميَّة اكتشافاتهم في تغيير مسيرة العِلْم، ولذا سأشاركُ معكم بعضَها هُنا.

هذا الكتابُ صغير (حوالي 150 صفحة) لكنَّه عظيمٌ جداً، فهو يُقدِّم شُروحاتٍ مُختصرة لأهم الاكتشافات التي حقَّقها العلماء عبر التاريخ، بدءاً من الإغريق القُدماء، مُنذ حوالي ثلاثة آلاف سنة، وحتى العلماء الأوروبيون الجُدد خلال القُرون الخمسة الأخيرة. يُحاول الكتاب التركيز على أهمِّ النظريّات التي أدَّت إلى قفزاتٍ نوعيَّة في العِلْم في زمنها. التَّرجمة أيضاً ممتازةٌ جداً، فقد جاءت ضمنَ جزءٍ من مشروع الألف كتاب الثاني المصريّ الذي نُشر في سنة 1997، وهو في الحقيقة واحدٌ من أفضل مشاريع الترجمة العربيَّة على الإطلاق، والتي أتمنَّى لو يتمُّ تكرارُها مرَّة أخرى الآن.

كيف ولد العِلْم؟

قد تأخذُ هذا الأمر على محملٍ بديهيّ، “لطالما كان العِلم موجوداً”، إلا أنَّ ذلك ليسَ صحيحاً تماماً. لقد درس الإنسانُ العلم بطُرُقٍ بسيطة مُنذ عصورٍ غابرة، وقد وضعَ العُلماء الإغريق والهنود والصينيون والعرب مئات النظريّات العظيمة في الرياضيات والفيزياء والفلك على مرّ آلاف السّنين، لكن، ألم تتساءَل مرَّة لماذا لم تُؤدِّ كل إنجازاتِهم العلميَّة إلا لجُزءٍ بسيطٍ من النَّهضة التي حدثت في أوروبا بدءاً من القرن السّادس عشر؟ لا بُدَّ أن ثمَّة فرقاً ما وقعَ قبل خمسمائة سنة، أدَّى إلى تلك الثورة العلميَّة والفكريَّة الكُبرى.

كان هذا الفرق هو التحوُّل من “النظرية” إلى “التطبيق”. لقد وضعَ الإغريق – مثلاً – الكثير من النظريَّات العلمية، التي أصابَ بعضُها بدقَّة، مثل قوانينهم في الرياضيات، بينما كانت بعضُها أبعد ما تكونُ عن الحقيقة، مثل فكرتهم بأنَّ كلَّ مادَّة في العالم مُكوَّنة من خليطٍ من خمسة عناصر غريبة (النار والماء والتراب والهواء والمعدن).

pftim19_01

قد يكونُ أكبر إنجازٍ حقَّقه العُلماء الأوروبيُّون، على الجانب الآخر، هو عدمُ إصدارهم لأيِّ نظريَّة قبل دعمها بالأدلة التجريبيَّة. والفضلُ الأكبرُ في هذا الإنجاز يعودُ لشخصٍ واحد، يُمكن اعتباره حجر الأساسِ الذي بدأ عصر النّهضة والثورة العلمية التي رافقَته، وهو غاليليو غاليلي.

قام غاليليو بأبحاثٍ عظيمةٍ في عشرات المجالات العلميَّة، وكان أحدُ أفضلِ أعماله دراسة سُقوط الأجسام وتفنيد الأخطاء السّابقة فيه. فقبل حوالي ألفي سنةٍ من مولدِ هذا العالم، كان الفيلسوفُ اليوناني “أرسطو” قد افترض، من مُراقبة الأشياء من حولِه، أنَّ سُرعة سقوط الأجسام من مكانٍ مُرتفعٍ تعودُ إلى وزنها، فورقة الشجر تسقطُ على الأرض أبطأ بكثيرٍ من كُرة معدنيَّة ثقيلة. بدا الأمرُ منطقياً، وتبعهُ الكثير من العلماء القدماء في اعتقاده.

justus_sustermans_-_portrait_of_galileo_galilei_16361

اهتمَّ غاليليو بهذا الافتراضِ اهتماماً شديداً، فصمَّم تجربةً دقيقةً لاختباره: ثبَّتَ أولاً لوحاً خشبياً يميلُ بزاويةٍ بسيطة، ثُمَّ دحرجَ عليه كراتٍ لها أوزانٍ مُختلفة، وقاسَ سُرعة سُقوط كل واحدة منها بتركيز شديد. توصَّل غاليليو إلى نتيجةٍ مُذهلة، فجميع الأجسام كانتْ تأخذُ الوقت نفسهُ تماماً حتى تتدحرجَ إلى الأسفل، بغضِّ النظر عن تفاوت وزنها، ما عدا تلك خفيفة الوزنِ جداً، فقد كانت سُرعتها أبطأ بقليل. تمكَّن غاليليو، على نحوٍ دقيق، من أن يفهمَ أنَّ سببَ بُطء الأجسام خفيفة الوزن هو تأثُّرها بمُقاومة الهواء، ممَّا كان يُبطء حركتها، على عكسِ الأجسام الثقيلة التي لا تعيرُ للهواء بالاً يُذكر. وهذا هو السَّببُ الوحيد في اختلاف سُرعة سُقوط ورقة الشجر عن ثقلٍ فولاذي. وأما لو كانت هذه الأجسام تسقطُ في فراغٍ تام خالٍ من الهواء، فإنَّ سُرعتها لن تختلفَ في شيء.

أحدثتْ أعمالُ غاليليو غاليلي ثورةً علميَّة، فقد انتشرتْ من بعدِه ثقافة التجريب العلمي وتدعيمِ النظريات بالأدلة التجريبيَّة التي تُثبتُ افتراضاتها، ومن هُنا لم يعُد ثمّة مجالٌ لوضع النظريات الزّائفة والمُضلِّة مثل تلك التي كَثُرَت لدى الشّعوب القديمة، وبدأ عصرٌ جديدٌ للعلم بدءاً من عام 1589، وهو تاريخُ بدء تجاربِ غاليليو. مُنذ ذلك الوقت، تسارَعت عجلة المعرفة البشريَّة على نحوٍ هائلٍ بفعل الدراسات والاختبارات العلميَّة، لتصلَ بنا إلى عصرنا هذا.

من اخترعَ الأعداد؟

لطالما كانت الأعداد موجودة مُنذ عصورٍ قديمة. فعندما يقتربُ موسم الشّتاء، على المُزارع أن يحسبَ ما لديه من مؤونة للفصلِ القاحل. وعندَ إجراء صفقة، لا بُدَّ من إحصاء كميَّة البضائع التي يُريد كلّ تاجر مُبادلتها. وبالواقع تستطيعُ حتى بعضُ الحيوانات أن تقومَ بعمليّات جمعٍ وطرحٍ عددية على مُستوى بسيط. لكن، متى فكَّر العُلمَاء لأوَّل مرة بدراسة الأعداد على أساسٍ علميّ؟

pythagoras_theorem

مثلآً، في الأصلِ لم تكُن الأعداد تُعبّر إلا عن أشياء واقعية، فالعددُ اثنين يُمثّل شخصين أو تفّاحتين أو حصانَيْن، لكنَّه لا يرمزُ لشيءٍ بحدِّ ذاته. ولكن عند التفكير به كعدد، كرقم 2، تُصبح له خواصٌّ فريدة، فالعددان الفرديَّان مجموعهما دائماً عددٌ زوجي، وهذا مثالٌ على خاصية عدديَّة. خصائصُ الضرب والقِسمة والهندسة المُستوية والفراغيَّة كُلَّها تقومُ على عِلْم الأعداد في الرياضيات، وهو شيءٌ لم يُفكّر به الإنسان كثيراً في العُصور القديمة.

كان أحدُ أوَّل العُلماء الذين درسوا الأعدادَ لذاتها هو فيثاغوروس. التفتَ نظرُ هذا العالم اليوناني للأعداد أوَّل مرَّة عندما لاحظَ أن أوتار الآلات الموسيقيَّة تصدر أصواتاً على درجاتٍ مُختلفة من السلَّم الموسيقي عند تغييرِ أطوالها بنسبٍ ثابتة. فنعدَ زيادة طول وترٍ بنسبة 1:2، فهو سيُعطي نفسَ النغمة المُوسيقيَّة تماماً لكن بدرجةٍ حادَّة أكثر، ويتكرَّرُ ذلك مرَّة أخرى لو زيدَ طوله مُجدَّداً بنسبة 3:2، ومرَّة أخرى بنسبة 4:3. أثارَ هذا التّناسبُ دهشة فيثاغوروس، لأنَّه لم يُفكِّر من قبلُ بأنَّ الأرقام قد تكونُ شيئاً ذا مغزى على نحوٍ تجريديّ، دُون ربطها بقيمٍ واقعية.

بدأ الرياضي اليوناني بدراسة خواصِّ الأرقام بطُرُقٍ كثيرة، فوجدَ أنَّه عندَ تمثيل أعدادٍ مُعيَّنة على صُورة نقاط، فيُمكن استعمالها لرسم أشكالٍ هندسيَّة وإيجاد علاقاتٍ فريدة بينها. فكَّر فيثاغوروس كذلك بقياس أطوال أضلاع الأشكال الهندسية، وإيجاد علاقاتٍ بينها، فبدأ برسم مُثلثَّات والتحقُّق من النسب بين أضلاعِها المُختلفة.

أثناء مُحاولاته هذه، لاحظَ أنَّه من الصَّعبِ تكوين مُثلَّث قائم الزاوية إلا عند استخدام أضلاعٍ بأطوالٍ خاصَّة جداً، فمثلاً، النسبة 3:4:5 كانت تنجحُ بتكون هذا النَّوع من المثلثات، بينما تفشلُ نسبة 2:3:4 و1:2:3 وما سواهما. وعندَ نُقطةٍ ما، فطنَ فيثاغوروس إلى شيءٍ طريف، وهو أنَّ مُربَّع العدد 5 (والتّربيع واحدةٌ من خواص الأعداد التي كان قد درسها خلال أبحاثه) والذي يُساوي 25، كان مُساوياً لمجموع العَدَيْن 16 و9، وهُما مُربَّعا الرَّقْمَين اللّذين يُمثّلان طوليْ الضلعين الآخرَيْن في مُثلَّثه. ومن هُنا وُلد قانون فيثاغوروس الذي سمعناهُ جميعاً مرَّاتٍ أكثر من أن تُعَد أو تُحصَى على مقاعدِ الدّراسة.

ومع أنَّ شُهرة فيثاغوروس الكُبرى تعودُ إلى قانون المُثلثات قائمة الزاوية، إلا أنَّ هذا القانون البسيطَ لم يَكُن أبرز ما قدَّمه للعلم، بل إنَّ إسهامه الأعظمَ هُو تمهيدهُ لدراسة الأعداد على أساسٍ رياضيّ علمي، يهدفُ لفهم خواصِّها وطريقة تفاعلُها المُعقَّدة جداً مع بعضها وليس استخدامها في الجمع والطرح فقط، وهو ما أدَّى إلى ثورةٍ في العُلوم بعصورٍ لاحقة.

ما هي القوّة؟

mechanical wheels

احتاجَ العُلماء لدراسة القوى مُنذ بداية عصر النَّهضة، ولمُدّة 400 عامٍ تقريباً، حتى توصَّلوا إلى فهمِهم الحاليّ لها. لعلَّك تعرفُ الآن أنَّ كلَّ شيءٍ في العالم مُكوَّن من ذرّات، وأن هذه الذرات ترتبطُ على هيئة جزيئات، لكن هل فكرت يوماً بكيفيَّة تفاعل هذه الذرات مع بعضها في حياتك اليومية؟ مثلاً، عندما تدفع كأس الماء الموضُوع أمامَك على المكتب، فماذا يحدثُ داخله، هل تتلامسُ ذرّات جسدك مع ذرّات الزّجاج لتدفعها للأمام؟

لا. ليس ذلك ما يحدُث. فالذرات لا تتلامسُ أبداً.

وضعَ نُيوتن ثلاثة قوانين تُفسِّر حركة كلِّ جسمٍ في الكون في سنة 1687، أهمُّ هذه القوانين هي أنَّ “التغيُّر في حركة الجسم يتماثلُ مع مقدار واتّجاه القوة الواقعة عليه” وأنَّ “لكُلِّ فعلٍ ردُّ فعلٍ مُساوٍ لهُ في المقدار ومُعاكسٌ له في الاتجاه”. يُمكن إسقاطُ القانون الأوَّل على قوَّتي الدفع والشد، فعندما تدفع شيئاً أو تسحبُهُ فأنتَ تجعلهُ يُغيّر اتجاهه ويزيدُ سرعته بمقدارٍ يتناسب مع قوتك. وأما القانون الآخرُ فهو مُماثلٌ لما يحدث عندما تضعُ كأساً على الطّاولة، فذلك الكأس يتعرَّض لقُوَّة تسحبُه إلى الأسفل بفعلِ وزنه، لكنَّ الطاولة تُؤثر عليه بقُوَّة مُساوية نحو الأعلى، فيبقى مُستقراً بمكانه ببساطة. استُخدم هذان القانونان بالإضافة إلى واحدٍ ثالث، لتفسير جميع حركات الآلات والأجسام الميكانيكية في العالم، وكان لها دورٌ جوهريٌّ في اختراعات الثورة الصناعية وغيرها.

اصطلحَ على تسمية هذه القوى في عصر النَّهضة بـ”القوى الميكانيكيَّة”، ولا زالَ هذا الاصطلاح يُستَعمل حتى الآن، لكنَّنا نعرفُ في الوقت الحاضر أنَّه غيرُ دقيقٍ تماماً.

unnamed

حسب العلم الحديث، تُوجد أربعة قوى معروفةٌ لنا في الكون فحسَبْ، وهي جميعاً تُؤثّر على الأجسام “عن بُعد”، أي أنَّها تعملُ عبرَ مجالات طاقةٍ غير مرئيّة. هل تذكرُ الخُطوط المُقوَّسة التي كنت تراها مرسومةً حول المغناطيس في الكُتب المدرسية؟ هذا مثالٌ على مجالٍ للطاقة، فأيُّ شيءٍ يقتربُ من هذه الخطوط سوف يخضعُ لتأثير قوّضة المغناطيس، سواءً بالدفع أو السَّحْب. القوى الأربعةُ التي تصنع المجالات في كوننا هي: الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوى النووية الشديدة والضعيفة.

إذاً، ماذا يحدثُ عندما تُمسك بفُنجاج شاي أو كتابٍ بقُربك؟ قد تعتقدُ أنَّ يدك مُتلاصقة مع هذه الأشياء، لكنْ على المُستوى الذريّ، سوفَ تبقى دائماً مسافةٌ ضخمة تفصلُ بين ذرّات يدك وذرّات هذه الأجسام. فما يحدثُ في الحقيقة هو أنَّ المجالات الكهرومغناطيسية أو النووية حول ذرَّاتكُما تتنافرُ أو تتجاذبُ فتجعلها تبتعدُ عن بعضها أو تتقاربُ دُون أن يحدث بينها تلامسٌ فعليّ.

هذه المجالات غير المرئيَّة من الطاقة تُحرِّك كلَّ شيءٍ في الكون. فهي المسؤولةُ عن جميع قوى السَّحب والدَّفع، والآلات الميكانيكية، ومُولِّدات الطاقة، وكذلك دوران الأرض حول الشّمس، وهي أصلُ كل حركةٍ تحدث في أيّ مكانٍ بالعالم.

لماذا تتغيّر حركةُ الأشياء؟

عندما نشرَ نُيوتن قوانينه الثلاثة في الحركة سنة 1687، كان أوَّلُها ينصُّ على أنَّ “الجسمَ يحتفظُ بحالته، سواء كانت السكون أو الحركة بسُرعة ثابتة، ما لم يُؤثّر عليه عاملٌ خارجي”، يُسمّى هذا القانون أيضاً القصور الذاتي، وهو واحدٌ من أهمِّ القوانين الفيزيائية.

عندما يُطلق رامٍ سهماً في الهواء، ومهما كانت ذراعُه قويَّة وعضلاتُه مفتولة، فإنَّ السهم سيسقطُ إلى الأرض، عاجلاً أو آجلاً، بعد أن يقطعَ بضع عشراتٍ أو مئاتٍ من الأمتار.لكن الرَّامي كان قد وضعَ داخل سهمِه طاقة حركيَّة كبيرة، وإذا ما سقطَ السهم إلى الأرض، فذلك يعني أن كلَّ طاقته قد اختفت، فلماذا يحدثُ ذلك؟

السَّببُ هو دائماً وُجود عاملٍ يُؤثّر بقُوّة مُعاكسة أو باتجاه مُختلف يجعلُ الأشياء تتوقَّف عن الحركة. في حالة السهم، فإنَّ هذا العامل هو مُقاومة الهواء، فكُلَّما أرادت جُزيئات السَّهم قطع مسافةٍ أكبر من الجوّ سيكونُ عليها الاحتكُاك بذرّات الهواء ودفعُها جانباً، ولكي تفعلَ ذلك فإنَّ عليها نقلَ جزءٍ من طاقتها الحركية إلى ذرات الهواء لتستطيع تلكَ الابتعادَ عن طريقها، وسُيؤدّي ذلك إلى انخفاض سرعة السَّهم لأنَّه تبرَّع للهواءِ بجُزءٍ من طاقته. بعد فترةٍ من الوقت، سيكون السهم قد خسرَ مُعظم سرعته، وسيبدأ بالهُبوط نحو الأرض أو يرتطمُ بشيءٍ ما.

لكن، إن كانت هذه التجربة قد أُجرِيَتْ في الفراغ، فإنَّ نتائجها ستختلفُ كُلياً.

لو كان كونُنا فضاءً خاوياً لا يحتوي على أي نوعٍ من المادة، وحاولتَ أن ترمي فيه سهماً، ومهما كانت عضلاتُك ضعيفة ورميتك سيّئة، فإنَّ السهم الذي تُلقيه سيستمرُّ بالتحليق في الفضاء إلى الأبد، فليسَ هناك سببٌ يمنعُه من ذلك. طالما لا تُوجد مُقاومة أو قوى تؤثر بالسَّهم باتجاهٍ جديد، فلا يُوجد شيءٌ سيجعله يفقدُ طاقته الحركية.

space-baseball-terry-virts

لكن في عالمنا تُوجد في العادة الكثيرُ من العوامل التي تُؤثّر على الأجسام المُتحرّكة، مثل الاحتكاك بالهواء أو الماء أو الاصطدام بالموادِّ الصُّلبة، ولذلك يصعبُ على أي شيءٍ أن يظلَّ مُتحرّكاً لفترة طويلة. وهذه هي الفكرة التي يُحاول قانون القصور الذاتي شرحَها، بالإضافة إلى نتائجها. حسبَ هذا القانون، لدى كلِّ جسمٍ وضعٌ ثابت يميلُ إلى البقاء فيه، ولن يُغيِّره إلا لو خضعَ لتأثيرٍ قويّ بما يكفي من قُوّة أخرى.

على كوكبِ الأرض، تميلُ معظم الأشياء غير الحيَّة إلى البقاء في حالةٍ من السّكون. الصّخور والحجارة والجبال والأبنية تبقى في مكانِها مُعظم الوقت، إلا لو بذلَ شيءٌ الجُهْد لتحريكها. ويُمكنك بسهُولة أن تدفع حجراً بقدمك أو ذراعك لتجعلهُ يدخل في حالة حركةٍ لوقتٍ قصير، لكن عليك بذل جُهدٍ شديد لدفع صخرة كبيرة، وسيستحيلُ عليك تماماً إحداث أيّ تأثيرٍ على مبنى سكنيّ. هذا الاختلافُ بين الحجرة والصخرة والبناية هو ما يُسمّى في الفيزياء “القصورَ الذاتي”، ويُمكنك تخيُّلهُ على أنَّه مقدار مُمانعة جسمٍ لمُحاولة تحريكه.

وبالمِثْل، فإنَّ الأجسام التي لها قصورٌ ذاتيٌّ كبير يعصبُ إيقاف حركتها بنفس مقدار صُعوبة تحريكها. فمن السَّهل عليكَ أن تُدحرج حصاةً صغيرة ثُمَّ تضع يدك أمامها لتُوقفها، لكن لو سقطتْ صخرة كبيرة بقُربك فإنَّ مُحاولة إيقافها عن التَّدحرجُ ستتطلَّب المُخاطرة بحياتك. يرتبطُ القصور الذاتي للأجسام مُباشرة بكتلتها، وقد يبدو مفهوماً شبيهاً بالوزنِ إلى حدٍّ ما، إلا أنَّ له تأثيراتٍ أكثر تعقيداً.

ظُهور فكرة التطوّر:

كنتُ قد كتبت من قبل على هذه المدوّنة مقالةً مُفصَّلة عن نظرية التطور، ومع أنَّ البعضَ قد يعتقدُ أن هذا الموضوع جدليٌّ أو لا يستحسنُ الخوض فيه، إلا أنِّي لا أظن أنَّه يقبل الجدل على الإطلاق، ففي الواقع، هو الآن جزءٌ جوهري من العِلْم الحديث، وكتاب “أفكار العِلم العظيمة” يُساعد على إيضاح السَّبب.

في الماضي البعيد، لم يكُن لدى العُلماء سببٌ للتفكير بالتطوّر أصلاً، لأنَّهم لم يهتمُّوا بوُجود تفسير علمي لأي شيء يتعلَّقُ بالحياة، وفي الحقيقة فإنَّ ذلك كان ينطبقُ على أشياء كثيرة أخرى، فالعلماءُ القدامى لم يُفكّروا أيضاً بوُجود تفسير لتكوّن الشمس، أو الأرض، أو القمر، أو تغيُّر القارات (التي لم يعرفوا أصلاً أنها تتغيَّر)، بل ولم يُدركوا أصلاً أن السَّماء كانت جُزءاً من نفس الكون الذي تُوجد فيه الأرض.

ببساطة، ظنَّ العُلماء أنَّ مُعظم الظواهر الأساسية في الطبيعة هي أشياءٌ كانت موجودةً دائماً ولا مجالَ للتفكير بها أو مُناقشتها. فقد تُدهَش لو عرفتَ أن الجيولوجيِّين في القرن السّابع عشر اعتقدوا أنَّ عُمر كوكب الأرض يربو من ستة آلاف سنة.

لكنَّهم كانوا مُخطئين جداً.

بدءاً من سنة 1760، بدأ عُلماء الجيولوجيا، وأوَّلهم جورج دي بيوفون، بالقول أنَّ الأرض قد تكونُ قديمة جداً. أثبتت الدراساتُ خلال السنوات اللاحقة أنَّ عُمر الأرض كان أطول بكثيرٍ ممَّا تجرَّأ أيُّ أحدٍ على التفكير به من قبل، ونحنُ نعرف الآن أنَّه يزيدُ عن أربعة مليارات عام.

غيَّرَتْ هذه الحقيقةُ أموراً كثيرة، فلوْ كانت الأرض كوكباً قديماً، فإنَّ الحياة رُبّما لم تكُن موجودة عليها دائماً، ولعلَّ الزمن سببَّ لها تغيُّراً مثل غيَّر كلَّ شيءٍ آخر في طبيعة كوكبنا من جبالٍ ومُحيطات وتضاريس أخرى.

كان أوَّل من طرح تفسيراً علمياً يشرحُ تغيَّر الحياة هو العالم الفرنسي جين بابتست دي لامارك، فقد نشرَ في عام 1809 بحثاً اقترح أنَّ الكائنات الحية رُبَّما كانت تتغير بسببِ مُيول مُعيَّنة ليس عندها إدراكٌ لها. فمثلاً، قال لامارك بأنَّ بعض الظّباء رُبّما كانت تُفضّل الاقتيات على أوراق نباتٍ لا تنمو سوى على أشجارٍ مُرتفعة، وبالتالي احتاجتْ باستمرارٍ إلى مدِّ رُؤوسها ورقابها للوُصول إلى الأغصان العالية، فاكتسبت تدريجياً مِيزة الطول، حتى تحوَّلت إلى نوعٍ جديد هو الزّرافة.

وافترضَ لامارك في نظريَّته أنَّ الكائنات الحيَّة قادرةٌ على أن تُورّث لأبنائها الصّفات التي تكتسبُها خلال حياتها، وذلك يُشبه القول بأنَّ مخلوقاً فقد ذراعهُ أثناء حياته، قد يُنجب ابناً دُون ذراع. وقد أثبتت أبحاثُ الوراثة سريعاً أنَّ هذه الفكرة مُستحيلة، وسُرعان ما اندثرت نظرية لامارك.

1a2a6a2af5c78371a083574a4dcfdc48

لكن بعد خمسٍ وعشرين سنة، جاءَ تحوُّل كبيرٌ في تلك الفكرة البدائية. ففي ذلك العام ركب عالم أحياءٍ إنكليزي شاب، يُدعى تشارلز دارون، على متنِ سفينة كانت مُتّجهة في رحلة استكشافية إلى مجموعةٍ من الجُزر تُسمّى جزر الغالاباغوس، تقعُ قبالة سواحل أمريكا الجنوبية.

كان عملُ دارون هو دراسة وتصنيف الأنواع الحيَّة، وقد جمعَ عيّناتٍ من 14 نوعاً من العصافير المُغرّدة التي تعيشُ في الغالاباغوس وسجَّلَ أوصافها في سجلاّته بعناية، وما كان يقومُ به هو مهمَّة علميَّة بحتة.

لكنه لاحظَ شيئاً مُلفتاً أثناء تسجيله لأوصاف العصافير. فقد كانت جميعُ العصافير التي عاشتْ على تلك الجُزر متشابهةً جداً. في الحقيقة، كانت كُلَّها مُماثلةً تقريباً لأنواعٍ أخرى من العصافير تعيشُ في قارّة أمريكا الجنوبية، على مسافة 1,000 كيلومترٍ تقريباً، إلا أنَّ بينها جميعاً اختلافاتٍ بسيطةٍ جداً في أشكال مناقيرها. والأمرُ المُدهش هو أنَّ هذه الاختلافات ترافقتْ مع حقيقة أنَّ لكلِّ واحدٍ من هذه العصافير، نوعٌ مختلفٌ من الغذاء.

وعندها فكَّر دارون بشيء. فماذا لو كانتْ جميع هذه العصافير بالأصل نوعاً واحداً، وانقسمَت منهُ إلى مجموعاتٍ بسبب اختلاف أنواع غذائها؟ لم يزعم دارون أنَّ الكائنات تتغيَّر حسبَ رغبتها أو مزاجيّاتها، بل قال ببساطةٍ، أنَّها تستجيبُ لما توفّره لها الطبيعة. فعندما يكونُ لعصفورٍ ما منقارٌ مُناسبٌ أكثر بقليلٍ من بني جنسه لصطياد الحشرات، فمن الطبيعيِّ أن يميلَ للتغذّي على الحشرات أكثرَ من غيرها، لأنَّ لهُ أفضليَّة على غيره في الحُصول على هذا الغذاء، وبالتالي لن يتعرَّض للمُنافسة أو نقصٍ في الطّعام.
كانت هذه الفكرة بداية تحوُّلٍ هائلٍ في علم الأحياء، وهي الأساسُ الذي يقومُ عليها فهمُنا الآن لطبائع الكائنات الحيّة وطريقة تغيّرها في عالمنا.

لماذا كانت طُفولتنا خالية من اليراعات المُضيئة؟


لو كنتَ لطَّختَ طفولتك الحزينة مثلي بمُشاهدة فلم “قبر اليراعات” (Hotaru no haka) من إنتاج ستوديو غيبلي والذي يتحدَّثُ عن آثار الحرب العالمية الثانية في اليابان، فلعلَّك تساءلتَ  لماذا لم تُقابل في طفولتك أياً من الذبابات المُضيئة، أو اليراعات كما تُسمّى علمياً، التي كان يجمعُها زيتا لأختُه الصَّغيرة. وفي الحقيقة، لو كنتَ تسكنُ في أيِّ مدينة ذات مُناخٍ متوسطي معتدل، مثل معظم مدن بلاد الشام ودُول المغرب، فعلى الأرجح أنَّ الشارع الذي تُقيم فيه الآن كان مليئاً – قبل ثلاثين أو أربعينَ عاماً – بهذه الكائنات. رُغم ذلك، من المُحتمل أنَّك لم تُقابل أياً منها حياتك، أو لو كنت من جيلٍ قديم، فرُبَّما صادفتها آخر مرَّة وأنت في سنين مُراهقتك. السَّببُ في ذلك هو أنَّ اليراعات آخذةٌ بالاختفاء من جميعِ أنحاء العالم بسُرعةٍ مُضطَّردة، والتفسير العلمي مدهشٌ جداً.

اليراعات هي حشراتٌ صغيرةٌ من فصيلة الخنافس، تعيش في المناطق المُعتدلة والمدارية بمُعظم أنحاء العالم، إذ يُوجد منها في آسيا وأوروبا والأمريكيَّتين أكثر من 2,000 نوع. السِّمة الأكثر فرادةً في هذه الكائنات هي قُدرتها على إنتاج الضوء من أجسامها، فلدى اليراعة في الجانب السفليّ من بطنها عضوٌ خاصٌّ يستطيعُ إصدار أشعة الضوء بإجراء تفاعلٍ كيميائي بين الأكسجين ومادَّة تُسمّى اللوسفيرين، وهذا هو نفسُ التفاعل الذي تعتمد عليه العديد من الكائنات الحيَّة الأخرى لإنتاج الضوء، مثل بعضِ أنواع الحلازين والبكتيريا وأسماك أعماق المُحيط.

image4

تدفنُ إناث اليراعات بيُوضها تحت التراب في بداية فصل الرَّبيع، وتخرج يرقاتُها الصَّغيرة بعد شهرٍ تقريباً لتتجوَّل وتبحثَ عن غذائها، واليرقات أيضاً مُضيئة مثل الحشرات البالغة. تتغذى هذه اليرقات على أيّ كائنٍ تجدُه، وغالباً ما يتكون طعامُها من الحلازين والبزاقات، التي تستطيعُ التهامها بإفراز سوائل هاضمةٍ فوقها. تأخذُ اليرقات سنة أو اثنين حتى تصلَ مرحلة البُلوغ، وعادةً ما تعيشُ لشهرين تقريباً بعد ذلك. ومع أنَّ خاصية الضوء موجودةٌ لدى اليرقات والحشرات البالغة، إلا أنَّ الهدفَ منها أخافة الكائنات المُفترسة وإبعادها فحسب، وأما لدى اليراعات مُكتملة النموّ فيبدو أنَّ وظيفتها أكثرُ أهميَّة.

خلال السَّنوات الأخيرة، بدأ العُلماء يُلاحظون انخفاضاً في أعداد اليراعات في العديد من الأماكن. اكتُشفت هذه الظاهرة في البداية في الحدائق والمُنتجعات التي تُنظِّم جولاتٍ سياحيَّة دوريَّة لمُراقبة اليراعات في اللَّيل، فكُلَّما زادت حركة السُيَّاح الذين يأتون لمُشاهدة الحشرات وهي تُضيء في الليل، كانت أعدادُها تتناقصُ بسرعةٍ حتى تختفي. وُضِعَت العديدُ من المُبرِّرات في البداية لتفسير اختفاء اليراعات، فمثل العديد من الحيوانات الأخرى، لا بُدَّ أن هذه الكائنات تتأثر بالنشاط البشري الذي يتسبَّب بتدمير بيئتها الطبيعية من غاباتٍ وأحراش، وتجفيف المُستنقعات والأجسام المائية التي تُفضِّل العيش حولها، فضلاً عن أنَّ المُبيدات الحشريَّة لها أثرها السيّء عليها في الغالب. لكن، على ما يبدو أنَّ أياً من هذه العوامل، رُغم دورها، ليست السبب الجوهري في انقراض اليراعات.

تُوحي العديد من الأبحاث والدراسات الحديثة بأنَّ العامل الأكثر أهميَّة في تناقصِ اليراعات هو أضواء الشوارع. لعلَّ الجانبَ الأكثر إثارةً من هذه الحشرات بالنسبة للأطفال هو ضوئها الأخضر الغريب، إلا أنَّها لا تصدر الضوء من حولها عبثاً، بل لهذا الوهج الجميل أهميَّة شديدة في دورة حياتها الطبيعية. عندما تطيرُ اليراعات بجانب بعضها وتُصدر ومضاتٍ مُتتابعة من الضوء، فهي تحرص على مُزامنتها مع بعضها بوتيرةٍ دقيقة ثابتة، هذه المزامنة تساعد اليراعات على التواصل مع بعضها واختيار شريك لها للتزاوج.

Adult Firefly - Photuris lucicrescens

تظهر التجارب أنَّه عندما تتعرض مجموعة من اليراعات لضوءٍ ساطع، مثلما يحصلُ من أنوار سيَّارة عابرة أو ضوء منزلٍ مجاور، فهي تتشتَّت وتفقدُ مزامنتها لومضاتها الضوئية، وتحتاج إلى عِدَّة دقائق لإعادة ترتيبِ نفسها ومزاولة التواصل مع بعضها. يُؤثر مثل هذا التشتيت بطريقةٍ مُباشرة على عملية التزاوج، وبالتالي على وضع البُيوض والحفاظ على بقاء النوع. عندما يزيد مُستوى الإضاءة حولَ اليراعات عن درجة مُعيَّنة، فمن المُمكن أن تصبح عاجزةً تماماً عن التزاوج مع بعضها. في المدن الحديثة، تُوجد آلاف مصادر الضوء السَّاطع في الليل التي تُشتِّت مجموعات اليراعات في كلِّ مكان، فثمَّة أنوار السيارات، ومصابيح الشوارع، والمنازل، والحدائق، والمحال التجارية. بدُون أن يتم التزاوج يتوقَّف إنتاج الأجيال الجديدة، وتنقرضُ هذه الحشرات بسُهولةٍ بالغة.

لا زال العُلماء يجرون الكثير من الدراسات، في السنوات الأخيرة خُصوصاً، لفهم سلوك هذه الحشرات وكيف يؤثر تطور المُدن على حياتها، إلا أنَّ المرجح، في حال استمرار هذه الظروف، أن اليراعات ستسمرُّ بالتناقص حتى تختفي من أغلب أنحاء كوكبنا.

العادة الغريبة لطُيور الواقواق


كنتُ أعمل خلال الفترة الماضية مع صديقي باسم فليفل على تطوير مقالة الطيور في ويكيبيديا العربيَّة لتُصبح مقالة مختارة (درجةٌ خاصة من المقالات التي تعرَضُ دورياً على الصَّفحة الرئيسية لويكيبيديا)، عندما صادفتُ هذا المشهد المُدهش، الذي أجده مثيراً للاهتمام كثيراً بحيثُ رغبت بمشاركته هُنا.

يظهرُ في هذه الصورة المُخيفة عصفورٌ بالغ وهو يُطعم فرخاً ضعيفاً عاجزاً عن الطيران أو الحركة، إلا أنَّ هذا الفرخ المسكين يزيد في حجمه ووزنه عن “والدته” بأضعافٍ عديدة. في الحقيقة، هذا الفرخ هو من طُيور الواقواق، وأما والدته فهي عصفورة حبَّاكة، وهُما نوعان ينتميان إلى فصيلتين مُختلفتين كلياً من الطُّيور، إلا أنَّ سبب وُصولهما إلى هذه العلاقة الأبوية الجميلة لم يكن محض صدفةٍ سعيدة، وبالتأكيد لم يكُن بسبب صداقة حيوانية فريدة من نوعٍ ما.

السَّببُ الفعلي هو أنَّ طيور الواقواق تنتمي إلى مجموعة من الحيوانات يُطلَق عليها اسم “مُتطفِّلات الأعشاش”، وهي كائناتٌ ليست لها القُدرة أو الجاهزية للاعتناء بصغارها بنفسها، ولذلك، فعوضاً عن تحمُّل مسؤولية العناية بهم، تبحثُ هذه الكائنات عن أعشاش غيرها لتتركَ فيها بيضها سرًّا. ففي أحد الأيَّام بينما كانت هذه العُصفورة بعيدةً عن عُشِّها، جاء طائر واقواق وزجَّ ببيضته في العُشّ. وعندما فقس صغير الواقواق من بيضته، وبسبب ضخامة حجمه وقوَّته مقارنةً ببيُوض العصفور الحبَّاك الصغيرة، فقد استطاعَ دفعها بصورة غريزيَّة من فوق العُشّ لتسقطَ على الأرض وتموت الأجنَّة التي داخلها. بهذه الطريقة، ضمنَ فرخ الواقواق لنفسه الحُصول على كُلِّ الغذاء الذي تجلبه إليه أنثى العُصفور الحباك، وأما الأم المسكينة فهي لم تُدرك شيئاً ممَّا حدث، وسوف تستمرُّ بالعناية بالفرخ كأنَّه ابنُها حتى يكبرَ ويُصبح قادراً على الاهتمام بنفسه، وعندها سوف يضعُ هو نفسه بيوضه في أعشاش طُيورٍ أخرى لتعتني بها على حساب صغارها هيَ.

Reed_warbler_cuckoo

هل يكتسب البشر المهارات بالتعلم أم بالموهبة الفطرية؟


بريان بيرغ يبني نموذجاً من أوراق اللعب.

بريان برغ، صاحب الرَّقم القياسي في العالم لأكبر بناءٍ من أوراق اللعب، وهو يبني مُجسَّماً لمعالم في مدينة واشنطن الأمريكية. استُخدمت في بناء هذا النموذج، الذي لا يظهر في الصورة سوى جانبٌ صغير منه، حوالي 75,000 بطاقة.

لعلَّك جربت بضعة مرَّات، على الأقل، خلال حياتك أن تشعر بصُعوبة مُعيَّنة تواجهك وأنت تحاول تعلُّم شيء جديد. ربَّما أحسستَ أنك بطيء جداً في حل مسائل الرياضيات، أو أنَّ قدرتك على استيعاب طريقة عمل آلة ما ليست جيِّدة كثيراً، أو حتى أنَّك ببساطة تفشل بالفوز في لُعبة حاسوب. لو حاولتَ مُمارسة أيَّة واحدة من هذه المهام وتكرارها عدداً من المرَّات، فلا بُدَّ وأن أدائك فيها سيتحسَّن، فستتمكَّن من الوصول في لعبتك إلى مراحل متقدِّمة أكثر، وستصبح قادراً على حل المسائل الرياضية بسُرعة أكبر، لكن هل هذا كافٍ؟ إلى أيِّ درجة يمكنك إتقان مهارة في الحياة بمُجرَّد تكرارها عدداً كبيراً من المرَّات؟ يقول مثل إنكليزي مشهور: «Practice makes perfect»، وهي عبارة تعني التدرب المُستمرّ على عملٍ ما لمُدَّة زمنية طويلة كفيلٌ بأن يجعلك مُتمكِّناً منه تماماً، لكن ذلك قد لا يكون صحيحاً بالضرورة، فالمسألة، في الواقع، أعقدُ بقليل من ذلك.

صادفتُ منذ مدَّة مقالة تتحدث عن تخلُّف نظام التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية، وتدعو إلى إعادة هيكلته ليفتح مجالاً أكبر لإبراز مواهب الطلاب صغار السِّن، والتي – كما يرى كاتب المقال – تضيع الكثير منها في مرحلة مُبكِّرة دون أن تحصل على الفرصة لتنميتها وتطويرها. كانت التعليقات التي كتبها قُرَّاء المقالة مثيرة للاهتمام، وقد جذب أحدها انتباهي على وجهٍ خاص. كان صاحب التعليق يروي قصَّة عن نفسه: «مرَّة عندما كنتُ في الصف الرابع الابتدائي، طلب منا أستاذ اللغة الإنكليزية كتابة قطعة نثريَّة صغيرة ضمن فروضنا المنزليَّة. عندما أنهيت كتابة قطعتي وسلَّمتها لأستاذ المادَّة للتصحيح، انبهر بمستوى كتابتي، فأرسلني على الفور إلى مدير المدرسة، والذي أعجب بما كتبتُه إلى حدِّ شديد، لدرجة أنه كرَّمني ومنحني شهادة تقديريَّة، قائلاً لي أنَّي كنتُ أجيد الكتابة باللغة الإنكليزية بـ”مستوى طلبة الجامعات”». لكنَّ صاحب التعليق، يُتابع القصة: «ثم مرَّت السنوات، وأصبحتُ طالباً في الجامعة. ففوجئتُ بأنَّ الجميع أصبحوا الآن قادرين على الكتابة باللغة الإنكليزية بمستوى طلبة الجامعات».

قد تكون القصة فكاهيَّة قليلاً، لكنها أيضاً تُعبِّر عن واقعٍ جوهري، فلو كانت الموهبة الفطريَّة سبباً كافياً لتحقيق النجاح، لما اضطرَّ ذلك الفتى إلى ممارسة الكتابة على الإطلاق منذ تخرُّّجه من المدرسة الابتدائية، وكان سيُصبح – بالرُّغم من ذلك – كاتباً مهماً. لكن من الواضح أنَّ نقص الممارسة المُنظمة بإمكانه القضاء على الكثير من المواهب الطبيعيَّة قبل أن تحصل على فرصتها لتبرز. على سبيل المثال، من الواضح أن ألبرت آينشتاين لم يولد وهو قادر على كتابة معادلات الطاقة النووية، ومن المؤكَّد أنَّ ثوماس أديسون لم يكن يعرف كيفيَّة صُنع آلاتٍ كهربائية مُعقَّدة وهو طفلٌ في السَّابعة. مهما كانت الموهبة الطبيعيَّة قوية، فهي ليست قادرةً وحدها على جعل أي شخصٍ في العالم عبقرياً. الممارسة والخبرة والتدرب والعمل الشاق عوامل جوهريَّة في الحصول على النجاح بالنِّسبة لجميع الناس، مهما كانت قدراتهم الطبيعية تبدو متفوِّقة على الآخرين.

لكن، ما هو مقدار أهميَّة الدور الذي تؤديه الموهبة في مُساعدة لأشخاص الناجحين، في مُختلف المجالات، على تحقيق إنجازاتهم الكبيرة؟ الإجابة على هذا السؤال، في الحقيقة، ليست سهلةً على الإطلاق. فمُعظم الأشخاص الناجحين قضوا سنوات كثيرة وساعات طويلة من حياتهم في التدرُّب على مواهبهم قبل أن يحصلوا على الفرصة للنجاح فيها، فقد كان الروائي الأمريكي هرمان ملفل، مثلاً، يُكافح طوال عشرات السنين ليبيع كتبه في زمانه، إلا أنَّ اسمه انتشر بعد سنين طويلة من وفاته، عندما أثارت روايته «موبي دك» اهتمام العديد من النقاد الأدبيِّين في أمريكا واكتسبت شهرة هائلة لتبيع ملايين النُّسخ، ومع أنَّك قد تعتبر آينشتاين واحداً من أكبر عباقرة الفيزياء في التاريخ، إلا أنَّ درجاته بمادة الرياضيات في المدرسة كانت عاديَّة جداً، ولو اضطرَّ للعمل في مجال بعيد عن الفيزياء، فكان من المُمكن بسهولة أن لا يعرف أحدٌ بموهبته قط. من جهةٍ أخرى، توجد قصصٌ كثيرة عن علماء أبدوا نبوغاً وعبقريَّة منذ مراحل مبكرة في طفولتهم.

قاعدة الـ10,000 ساعة:

مالكوم غلادول مؤلف كتاب Outliers

مالكوم غلادول، مؤلِّف كتاب Outliers، يتحدث في مؤتمر Popteach! للأفكار الرَّائدة سنة 2008.

بدأت دراسة المنافسة بين الموهبة والممارسة الطويلة منذ وقت بعيد، فقد وضع الفيلسوف الإنكليزي جون لوك فرضيَّة «الحالة الافتراضية» منذ سنة 1690، والتي تزعم أن جميع الناس يُولدون بنفس المستوى من الإدراك والقدرات، ولا يتغيرون بعد ذلك إلا وفقاً للظروف والبيئة المحيطة بهم. نوقشت هذه الفكرة مراراً، من منطلقات فلسفية في جوهر الأمر، على مر القرون التالية، وبدأت تخضع للبحث العلمي منذ منتصف القرن الماضي. في سنة 1973، نشر عالم النفس وصاحب جائزة نوبل في الأدب هربرت سايمون نتائج بحث عن لاعبي الشطرنج، أظهر أنَّ فئة النخبة من لاعبي الشطرنج يحتاجون إلى استخدام 50,000 وحدة ذاكرة ليستطيعوا اللعب بمستوى احترافي، وهي مقدرة لا يستطيع الدماغ البشري اكتسابها إلا بمُمارسة مُكثَّفة طويلة الأمد. أظهرت بحوث أخرى أن قدرات الدماغ والذاكرة طويلة الأمد على استرجاع المعلومات بسُرعة وكفاءة، تؤدي دوراً جوهرياً في أداء المحترفين بالعديد من المجالات، وأنَّ ساعات التدريب الطويلة تلعب دوراً أساسياً في بُلوغ الأداء الاحترافي.

في سنة 2008 أصدر صحفيُّ كندي يدعى مالكولم غلادول كتاباً باسم Outliers: The Story of Success، الذي يستعرض فيه قصص نجاح عدد من الشخصيَّات الشهيرة في تاريخ الإنسانية، مثل بل غيتس وفرقة البيتلز البريطانية، ويُحاول دراسة العوامل التي قادتها إلى تحقيق إنجازاتها. مع أنَّ الكتاب تلقى مقداراً من النقد بسبب أسلوبه غير العلميّ في تناول بعض الأمور وبناء استنتاجات ساذجة عليها أحياناً، إلا أنَّه اكتسب شهرة كبيرة في وقت قصير، فقد تصدَّر قمَّة قائمة الأعمال الأكثر مبيعاً لصحيفة النيويورك تايمز لمُدَّة ثلاثة شهورٍ متتالية، ولعلَّه لعب دوراً مُهماً في توجيه اهتمام الباحثين وعامة الناس نحو مسألة المهارة والإبداع في السنوات الأخيرة. كانت واحدة من النظريات المثيرة للاهتمام التي طرحها الكتاب وتسبَّب بانتشار صيتها، هي ما يُسمَّى «قاعدة الـ10,000 ساعة»، لكن فكرة هذه القاعدة تعود، في الواقع، إلى دراسة علمية نشرت منذ سنة 1993.

تزعم قاعدة العشرة آلاف ساعة أنَّه، عندما يحاول أي شخصٍ في العالم اكتساب مهارة من نوعٍ ما، عليه التدرب عليها لمُدَّة لا تقل عن ثلاث ساعاتٍ يومياً على مدى عشر سنوات متتالية حتى يتقنها إلى درجة الاحتراف، أي بعبارة أخرى، عليه أن يصرف عشرة آلاف ساعة من حياته بمُمارستها مرَّة تلو الأخرى. حسبما تنصُّ القاعدة، ليس من الضروري أن يُصبح كل شخصٍ يصرف عشرة آلاف ساعة من حياته في التدريب على شيء مُعيَّن مشهوراً أو ذائع الصيت في مجاله، لكن جميع من حقَّقوا هذه الشُّهرة التزموا – حسبما تدعي النظرية – بهذا المقدار من التدريب كحدٍّ أدنى.

فرقة عازفي أوركسترا أسترالية من مدينة أديلادي.

كان أعضاء دراسة أندريس إريكسون الشهيرة، التي نشرت في سنة 1993، أربعين عازف كمان في فرق أوركسترا ألمانية على مستوياتٍ مختلفة الخبرة.

ظهرت فكرة قاعدة العشرة آلاف ساعة في بداية التسعينيات، عندما بدأ فريقٌ من علماء النفس في برلين بإجراء دراسة على عازفي الكمان المحترفين في عدة فرق أوركسترا ألمانية معروفَة، حيث ذهب الباحثون إلى العازفين، وسألوهم: «منذ طفولتكم، وحتى أصبحتم عازفين معتبرين في هذه الفرق، ما هو عدد الساعات التي قضيتموها بالتدرب على العزف كل يوم؟». أجريت الدراسة تحت قيادة الباحث السويدي أندريس إريكسون، وهو أستاذ جامعي مشهور بكونه باحثاً رائداً في مجال جديد في علم النفس يتعلَّق اكتساب الخبرة والمهارة، ويُسمَّى “Expertise studies”، وقد نُشِرَت دراسته في سنة 1993، تحت اسم The Role of Deliberate Practice in the Acquisition of Expert Performance، وتعني «دور الممارسة المُكثَّفة في اكتساب الأداء الاحترافي». اعتمدت الدراسة على مقارنة الوقت الذي يُقدِّر عازفو الكمان أنهم صرفوه بالتدرُّب منذ طفولتهم، مع مستوى أدائهم الفعليّ، فوجدت أنَّ مُعظمهم كانوا يبدؤون مُمارسة العزف وهم في الخامسة من عُمرهم، ويستمرون بالعزف لنفس العدد من الساعات أسبوعياً، وهو حوالي ساعتين إلى ثلاث ساعات، حتى يبلغوا سنَّ الثامنة. لكن مُنذ ذلك الوقت، تبدأ الأوقات التي يخصِّصونها للتدريب بالاختلاف بدرجةٍ كبيرة، ويختلف معها مستوى أدائهم صعوداً أو نزولاً. فالأفضل أداءً في سنوات شبابهم كانوا يعفزون لست ساعات أسبوعياً في عُمر التاسعة، ولثماني ساعات في الثانية عشرة، ولـ16 ساعة بعُمر الرابعة عشرة، وكانوا يصلون حدَّ العشرة آلاف ساعة من التدريب بحلول سنتهم العشرين. لا تقتصر هذه الساعات على المُمارسة البحتة للعزف، بل هي تشمل – بدرجة ما – كل الأنشطة المُتعلِّقة بالتعلم، مثل الاستماع إلى الموسيقى، وقراءة النوتات، ومناقشة المادة مع أشخاصٍ آخرين.

بالنسبة لجميع العازفين الذين تضمَّنتهم الدراسة، كان مستوى مهارتهم متوافقاً تماماً مع عدد مُعيَّن من الساعات قضوها بالتدرُّب، دون أن يختلف عدد ساعات التدريب بأي مقدار ذي قيمة لأشخاص مُعيَّنين لأن لديهم “موهبة طبيعيَّة” استثنائية أو شيئاً كذلك. فمثلاً، كانت المدة التي صرفها أصحاب الأداء الـ”متوسط” في التدريب من حياتهم حوالي 6 آلاف ساعة، أما من كان أداؤهم “ضعيفاً” فقد تدرَّبوا لأقل من ألفي ساعة، وهكذا. ذلك يعني، حسبما زعمت الدراسة، أنَّه لا وجود لموهبة فطرية تحكم قدرات الناس في العزف، بل إن نجاح العازفين في مهنتهم يرجع – بالغالبية العُظمى منه – إلى مقدار الوقت الذي استثمروه بتنمية مهاراتهم ومُمارسة ألحانهم.

أظهرت دراسة أندريس إريكسون أنَّ الناس قد يكونون قادرين على تجاوز نقصهم في مهارات مُعيَّنة، وتطوير إدراكٍ وقدرات جديدة تماماً فيها، بمُجرَّد ممارستها على مدى فترات زمنية طويلة. فحتى لو كانت لدى أحد لاعبي الشطرنج ذاكرة ضعيفة، أو لو كانت بديهة أحد العازفين بطيئة بحيث لا تساعده على العزف بالسرعة المناسبة، فسيكونون قادرين على تجاوز هذه الأنواع من النقص بالتدريب الطويل. ومع أنَّ إريكسون تحدث عن وُجود عوامل أخرى مُهمَّة أثرت على احتراف العازفين لعملهم، مثل حُصولهم على الدعم النفسي من الأشخاص المُقرَّبين منهم، واستمرار حافزهم الذاتيّ الذي يدفعهم للتدريب، وعدم تعرُّضهم لإصابات أو عوائق مشابهة، إلا أنَّه أصرَّ على أن تكون مدة التدريب هي العامل الحاسم والنهائي في تحديد درجة مهارتهم، وقدَّم نتائج تُدلِّل – بدرجة أو بأخرى – على ذلك الادعاء.

حازت دراسة أندريس إريكسون شعبيَّة كبيرة في المُجتمع العلمي وبين عامة الناس على حدِّ سواء، فقد حظيت بأكثر من 4,200 استشهاد في أوراقٍ علميَّة منشورة، وذاعت في صيتها على الإنترنت وفي الكُتب، خصوصاً بعد أن ذكرها مالكوم مراراً غلادول في كتاب Outliers. يُمكن القول أن عدداً جيداً من الباحثين والكتاب في مجال علم النفس، قد اعتبروا قاعدة العشرة آلاف ساعة أو السنوات العشر، أشبه بحقيقة علميَّة لفترةٍ جيدة بعد نشر دراسة إريكسون.

وجهة نظر العلم الحديث:

لاعب الشطرنج بيتر لاليك في سنة 2012.

بدلاً من التركيز على عازفي الموسيقى، قارنت دراسة ديفيد هامبرك (المنشورة سنة 2014) بين عوامل نجاح الناس في مجالاتٍ متنوِّعة، من أبرزها لعبة الشطرنج.

عشرة آلاف ساعة هي مُدَّة كبيرة جداً من الوقت، فهي تعني أنَّك لو قضيت ثلاث ساعاتٍ يومياً بالتدرب على مهارة مُعيَّنة، ستحتاج عشر سنواتٍ كاملة لكي تتقنها. قد يبدو من المنطقي أن أيَّ شخصٍ يتدرَّب على مهارة ما لمثل هذه المدة، لا بُدَّ وأن يحترفها في نهاية المَطاف، لكن وعلى نحوٍ مفاجئ، فإن البحوث التي تبعت دراسة أندريس إريكسون منذ سنة 1993 لا ترى ذلك. فمع أنَّ فكرة العشرة آلاف ساعة التي طرحها أندريس ظلَّت قائمة لفترة من الزمن، وحظيت بشعبيَّة عالية بين باحثي علم النفس لسنواتٍ عديدة، إلا أنَّها لم تعُد رائجة جداً في هذه الأيام. في الواقع، توحي الكثير من الدراسات الحديثة بأنَّ العمل الشاق، رُغم أهميَّته الكبيرة، قد لا يكون سوى عامل واحد مؤثِّر في نجاح الناس، لكنه بعيدٌ عن أن يكون بمرتبة عامل حاسم.

مع أنَّ الممارسة الطويلة تجعل الأداء يتحسَّن بالتأكيد، لكنها، على الأقل في نوع مُعيَّن من المجالات، قد لا تكون بديلاً كافياً عن الموهبة الفطرية. جاءت الضربة الكبيرة لدراسة أندريس إريكسون، والتي غيَّرت وجهة نظر المجتمع العلمي حول موضوع الموهبة بدرجة كبيرة، حديثاً جداً. حيث نُشرت في سنة 2014 دراسة تعاونيَّة بين باحثين في علم النفس من جامعات أمريكية عدَّة، من بينها جامعتا ميشيغان وبرونيل، تحت إشراف الأستاذ الجامعيّ ديفيد هامبرك. اعتمدت هذه الدراسة على مبدأ شبيه بدراسة إريكسون في التسعينات، فقد قارنت الأوقات التي صرفها عددٌ من لاعبي الشطرنج وعازفي الموسيقى والرياضيِّين والمدرسين بمُمارسة مهنهم مع مستوى أدائهم فيها. لكن في هذه المرَّة، لم يُحاول أعضاء الدراسة استجواب الأشخاص الخاضعين لها بأنفسهم، بل قاموا بجمع عددٍ كبيرٍ من الدراسات السابقة الموثَّقة، يبلغُ عددها 88 ورقة بحثية صادرة عن جامعاتٍ مختلفة، وقارنوا نتائجها بعناية لاستخلاص ما يُمكن من أدلِّة منها. بحسب النتائج التي توصَّل لها الباحثون، قالوا أنَّ الدراسات السابقة كانت قادرة على ربط عدد ساعات التدريب مع مستوى الأداء عند حوالي 12% من الأشخاص الخاضعين لها فحسب، أما الـ88% الآخرون فلم يكن من المُمكن تفسير مهارتهم بهذه الطريقة، فقد كان أداؤهم مُختلفاً اختلافاً كبيراً عن النتائج المتوقَّعة حسَبَ الأوقات التي قضوها في التدريب.

بصورةٍ عامة، تبيَّن أن تأثير التدريب طويل الأمد على المهارات التكرارية وثابتة الوتيرة (مثل جري المسافات الطويلة) أعلى بكثيرٍ منه على المهارات غير المُتوقَّعة (كالتعامل مع كارثة طيران).  الأدهى من ذلك هو أنَّ تأثير ساعات التدريب على الأداء كان أعلى بنسبة كبيرة في الدراسات المعتمدة على التقدير، حيث يُقدِّر المشاركون المُدَّة التي كانوا يقضونها بالتدريب كل يوم، منه في الدراسات المعتمدة على السجلات اليوميَّة، والتي يُدوِّن فيها المشاركون فترات تدريبهم كلَّ يوم، وبالتالي تكون أعلى بمقدارٍ معتبر من الدقة. في الحقيقة، عندما نأخذ الدراسات التي احتفظ فيها المُشاركون بيوميَّات على حدة، لن تكون نظرية العشرة آلاف ساعةٍ قادرة على تبرير أداء أكثر من 5% من الأشخاص المُتضمِّنين في هذه الدراسات. ليس ذلك فحسب، فقد أظهرت دراسة ديفيد هامبرك أيضاً وُجود اختلاف لا يُستهان به في قدرة الفترة التي قضاها شخصٌ بالتدريب على تفسير أدائه الجيِّد عند مقارنة مجالاتٍ مختلفة ببعضها بعضاً، ففي حين أنَّ قدرة اللعب لدى 26% من لاعبي الشطرنج كانت مرتبطةً بالجُهد الذي بذلوه في مُمارسة اللعبة، فإنَّ هذا الارتباط ليس موجوداً إلا عند 21% من عازفي الموسيقى، و18% من الرياضيين، و4% من المُدرِّسين المتخصِّصين.

المهارة مقابل الموهبة، مقارنة بين الموسيقى والألعاب ومجالاتٍ أخرى.

تُبيِّن هذه الرسوم البيانية دور التدريب (باللون الرمادي الفاتح) في اكتساب المهارة بمجالاتٍ مُختلفة، حسب دراسة ديفيد هامبرك المنشورة سنة 2014. مع أنَّ التدريب أثبت وُجود تأثير لا يُستهان به بالنسبة للاعبين الرياضيِّين، إلا أنَّ تأثيره يبدو شبه منعدمٍ على مجالاتٍ أخرى.

بحسب ما توصَّل إليه القائمون على هذه الدراسة، فإنَّ التدريب المُكثَّف يمكن أن يكون ضرورياً لتحقيق النجاح في حالات مُعيَّنة، لكن، لو لم تكن لدى الشخص المؤهلات الكافية ليكون ناجحاً في مجاله، فإنَّ صرفَ عدد كبير من الساعات بالمُمارسة الشديدة قد لا يساعده كثيراً. من جهةٍ أخرى، تبيَّن أن بعض الأشخاص الاستثنائيين قادرون على أن يحقِّقوا أداءً ممتازاً بعدد محدود جداً من ساعات التدريب. لكن، بالرُغم هذه النتائج، عليك أن تدرك أن هذه الدراسة تمكَّنت من رَبط 12% من أسباب نجاح الناس بالتدريب، لكنها لم تزعم أن النسبة الباقية عائدة إلى الموهبة المحضة أو حمض الـDNA وحده. ليسَ للموهبة تعريف دقيق متفقٌ عليه في المُجتمع العلمي حالياً، إلا أنَّ مُعظم الدراسات تميلُ الآن إلى وُجود عوامل  كثيرة مُختلفة يُمكنها أن تؤثر على أداء الناس في مجالات ومهاراتٍ مُعيَّنة، والتي لا يُمكن بحالٍ نسبُها جميعاً إلى الموهبة فقط. فمثلاً، للعُمر الذي يبدأ عنده الشخص تعلم مهارة مُعيَّنة أهميَّة كبيرة بسُرعة وجودة إتقانه لها، فثمَّة اختلافٌ لا يستهان به بين من يبدؤون تعلم عزف الموسيقى قبل الدخول إلى المدرسة، ومن لا يمارسونها حتى العشرينات. التشجيع من العائلة والأصدقاء أيضاً عاملٌ جوهري، فمن دونه لا يُمكن إلا لأشخاص قليلين ملاحقة شغفهم. عدا عن ذلك، فإنَّ الوُصوليَّة إلى مصادر التعلم، والحصول على الفرصة للتدريب، ومستوى الذكاء، وقوة الشَّغف الذاتي، والحصول على الإلهام، وفي النهاية الحظّ البحت، كلُّها عوامل تؤثر على تحقيق النجاح في أيِّ مجالٍ من المجالات.

يظهر الرسم البياني أدناه العلاقة بين الموهبة والعمل الشاق في الأداء وفق دراسة ديفيد هامبرك. حسبما يُبيِّن الخط الأزرق الصاعد، يُمكن لبعض الأشخاص ودون أي تدريب مُسبَق أن يظهروا أداءً ممتازاً في بعض المجالات، اعتماداً على موهبتهم الطبيعية وحدها. من جهة أخرى، يدلُّ الرسم على أن من يبذل جهداً كبيراً لاكتساب مهارة من المهارات، يُمكنه الوصول إلى مستوى أداء ممتازٍ فيها بمُجرَّد التدريب المستمر. ذلك يُمكن أن يعني أن العمل الشاق، حتى لو لم يكن كافياً لتحقيق نجاح باهر في مجال ما أو جعلك واحداً من أفضل الأشخاص فيه، إلا أنَّه قادر على رفع مستوى أدائك بدرجة كبيرة جداً، ومن الواضح – على الأقل – من الرسم البياني أنَّه عندما يخضع الجميع للتدريب الطويل والمُكثَّف، فإنَّ الفارق بين أصحاب الموهبة الطبيعية ومن يفتقرون إليها، يتقلَّص كثيراً. فمع أنَّ الشخص الذي يفتقر للموهبة لكنه يتدرب لسنوات على العزف على الناي مثلاً، قد لا يستطيع – طوال حياته – الانضمام إلى فرقة أوركسترا عالمية، إلا أنَّه قد يُصبح عازفاً جيداً تماماً، وقد يتمكَّن من عرض موهبته في مسارح صغيرة كثيرة وأن يكتسب شهرة محلية جيِّدة.

يُظهر هذا الرسم البياني، حسب دراسة ديفيد هامبرك المنشورة في سنة 2014، قدرة الناس على أداء مهام مُعقَّدة دون تدريب مكثف. المحور الرأسي يُعبِّر عن جودة الأداء، فكُلَّما ارتفع الخط أظهر ذلك أداء أفضل للمهارة، أما المحور الأفقي فهو يُعبِّر عن المهارة الطبيعية أو “الذكاء” في هذه الحالة، فكُلَّما اتجه الخط إلى اليمين عبر عن مستوى ذكاء أعلى. يعود الخط الأحمر إلى أشخاصٍ قضوا ساعات طويلة بالتدرب على هذه المهارة، أما الخط الأزرق فيعود لأشخاص لم يبذلوا أي جهد يذكر في ذلك.

نشر الصحفي والكاتب الأمريكي ديفيد إبستين في سنة 2013 كتاباً بعُنوان The Sports Gene انتقدَ فيه قاعدة العشرة آلاف ساعة، وكذلك أبحاث أندريس إريكسون في مجال الخبرة. يسير الكتاب على نفس نهج Outliers الصَّادر قبله بخمس سنوات، حيث يستعرض قصَص حالات نجاح مشهورة واحدة تلو الأخرى ليُدعِّم استنتاجاته، لكن في هذه المرة وعوضاً عن تناول قصص أشخاصٍ قضوا سنوات طويلة في التدريب، يتحدث إبستين عن رياضيِّين تمكنوا من تحقيق نتائج مُبهرة في بعض المنافسات دون أي تدريب مُسبَق يذكر. مع أنَّ إبستين يُقدِّم وجهة نظر مُتطرِّفة قليلاً اتجاه الموهبة في كتابه، إلا أنَّ طرحه – عند التغاضي عن تلك المبالغة – متوافق إجمالاً مع التوجُّه الحديث في الأبحاث العلميَّة نحو اكتساب الخبرة، والتي لم تعد ترى الممارسة المُكثَّفة العامل الأساسي الوحيد في تطوير المهارة.

ما هي النتيجة؟

حصَّة مدرسة ثانوية في ولاية جورجيا الأمريكية.

حتى لو تلقى الجميع تعليماً بنفس المستوى والأسلوب منذ سنين مُبكِّرة، فإنَّ أدائهم في أي مادة سيختلف اختلافاً شديداً.

في الوقت الحالي، لم يَعد ثمَّة قبولٌ كبير في المجتمع العلمي لفكرة قاعدة العشرة آلاف ساعة، فعوضاً عن اعتبارها “قاعدة” مُطلقة أو ذات أهمية جوهرية، أصبحت تعامَل وكأنها محض “مُعدَّل”. فمثلاً، إذا أحضرتَ مجموعة عشوائية من الناس، وطلبتَ منهم التدرب على مهارة مُعيَّنة، كالعزف على البيانو، يمكننا توقُّع أن المعدل الوسطيَّ – إحصائياً – للوقت الذي سيحتاجونه لاحتراف العزف سيكون نحو 10,000 ساعة من التدريب، إلا أنَّ هذا الرقم (ورغم كونه وسطياً) لن ينطبق إلا على عيِّنة محدودة من الناس، وقد لا يعني أيَّ شيءٍ بالنسبة للكثير منهم، حيث يُمكن أن يستطيعوا إتقان العزف في وقتٍ أقصر بكثير، أو قد لا يتمكنون من إتقانه أبداً، وقد اعترف بذلك أندريس إريكسون نفسه في بحث حديث له، قائلاً أنَّه: «ما من شيء مُميَّز بالحقيقة في رقم العشرة آلاف ساعة بالذات». فالحقيقة المؤسفة، كما وصفها عالم النفس ستيفن بانكر، هي: «فكرة أن جميع الناس يُولدون متساوين في قدراتهم، قد اندثرت منذ زمنٍ بعيد»، وحتى لو تدرَّب الجميع بنفس المقدار وبالجُهد ذاته، فسينتهون بقدراتٍ مختلفة جذرياً.

إذاً ما الذي يؤثر على اكتساب الناس للمهارة أيضاً؟ على أرض الواقع، لا أحد يعرف تماماً. ممَّا لا شك فيه أنَّ ما يُسمِّيه الناس “الموهبة” أو “الجينات” عاملٌ جوهريٌّ في النجاح والإبداع، لكن فهم العلم للموهبة لا زال محدوداً جداً. يُعرِّف بعض الباحثين الموهبة بأنَّها «مجموعة من الصفات الشخصيَّة التي تساعدنا على إتقان مهارة ما بطريقة أفضل من باقي الناس»، لكن عدد هذه الصفات كبير جداً، وطريقة تفاعلها مع بعضها مُعقَّدة بدرجة كبيرة، بحيث لا يُمكن بحثها وتقصيها على حدا في دراسة علميَّة. فما يُهم ليس الصفات الفرديَّة التي تصنع الموهبة، كالذاكرة القوية أو البديهة السَّريعة أو الاستيعاب الجيِّد، وإنَّما الناتج النهائي عن تفاعل كل هذه الصفات مع بعضها لدى شخصٍ مُعيَّن. ففي الكثير من الحالات على سبيل المثال، يُمكن لهذه الصفات الفرديَّة أن لا تتطوَّر عند الشخص الواحد بالتوازي مع بعضها، فقد يمتلك أحدهم قدرات خطابيَّة ممتازة، لكن طبيعته الخجولة أو غير الاجتماعية  ستمنعه من مشاركتها مع الآخرين، وبالتالي قد لا تبرز موهبته حتى مرحلةٍ متأخرة من حياته. في مثل هذه الحالة، قد يبدو أنَّ الموهبة لم تكن موجودة أصلاً لدى ذلك الشخص من قبل، لكنَّها في الواقع كانت تحتاج أن تنضج فقط، باكتمال إتقانه للصفات الفرديَّة التي يتطلَّبها تكوين الموهبة.

مكعب روبك

من جهةٍ أخرى، وحتى بعد الاعتراف بالدور الجوهريّ للموهبة في اكتساب المهارات، فذلك لا يعني أنَّ مصدر الموهبة هو – ببساطة – مُجرَّد الجينات التي نرثها عن آبائنا. في الحقيقة، اختلفت النظرة العلميَّة حول أثر الجينات على تطور قدراتنا بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة، إذ أصبحت تميل إلى أنَّ الجينات ليست شيئاً حاسماً أو ثابتاً، وإنَّما هي عُرضة للتغير والتطور استجابة للظروف التي نمرُّ بها. يقول عالم الأحياء في جامعة كامبردج باترك بيتسون محاولاً وصف ذلك: «يبدأ الإنسان حياته مع استعداديَّة في جيناته للتطور في اتجاهاتٍ كثيرة مُختلفة، والذي يُقرِّر أي واحد من هذه الاتجاهات سيسلك فيما بعد، هو البيئة التي تُحيط به.. والطريقة التي تؤثر بها عليه». لم تأتي وجهة النظر هذه من مناقشات نظريَّة بحتة، بل بسبب مجموعة متنوِّعة من التجارب العلمية التي أجريت مُنذ خمسينيات القرن المنصرم. فقد أظهرت واحدة من هذه التجارب، وقد نشرت سنة 1958، أنَّ الفئران المنحدرة من  سلالات جينيَّة شديدة الذكاء، يُمكن أن تظهر مستوى عادياً تماماً منه (بالنسبة للفئران الأخرى) عندما توضع في بيئات مُعيَّنة. لا بُدَّ وأن الجينات تؤدي دوراً ذا أهمية كبيرة في اكتساب الخبرات والمهارات، لكنَّها هي أيضاً محض جزء من عمليَّة مُعقَّدة تجتمع فيها عوامل كثيرة، ويُمكن النظر إليها كمحض صفة بشريَّة أخرى لها القدرة على التغير مع مرور الزمن.

على أيِّ حال، ليس من الصَّحيح النظر إلى الموهبة والممارسة على أنَّهما مفهومان متعارضان، فهُما – على العكس تماماً – مُكمِّلان لبعضهما بعضاً، وليست ثمَّة قيمة تذكر لأحدهما دون الآخر. ومع أنَّ نسبة تأثير كل منهما على مهارات الناس قد تختلف، وقد تتغيَّر وجهة نظر العلم حولها باستمرارٍ على مرِّ السنوات القادمة، إلا أنَّ الواضح أن كلاهما يؤدي دوراً مهماً في العملية. إنَّ إتقان البشر لمهارة ما يتطلَّب اجتماع عوامل كثيرة جداً، فحتى عند توفر الموهبة العالية والتدريب الجيِّد، يُمكن للافتقار إلى الحافز والرَّغبة الحقيقيَّة بالتعلُّم أن يكون كفيلاً بتدمير مُعظم الآثار الإيجابية للعاملين السَّابقين، وفي مُعظم الحالات، قد يكون انعدام الدعم النفسي من المُجتمع والتشجيع من الأصدقاء سبباً كافياً لمنع أي موهبة من الازدهار.

البشر لا يولدون بقدراتٍ متساوية، لكنهم ليسوا محكومين بما يولدون عليه، فكل شخصٍ له إمكانات خاصَّة به، وفرصة لتطوير قدرات جديدة بعمله الشاق. مع أنَّ الجينات الموروثة والموهبة الفطرية قد يؤثران بدرجةٍ عالية على فرص الناس في الحياة، إلا أنَّهما ليسا قادرين على تقرير مصير أي شخص. وفي النهاية، مثلما أن الأشخاص الذين ينعمون بمواهب استثنائية نادرون جداً في عالمنا، فإنَّ من لديهم الاستعداد لإفناء ساعات وسنوات طويلة بالعمل الشاق وبناء المهارة من العدم هم أيضاً نادرون للغاية، ولهُم مكانهم المُميَّز في هذا العالم بدورهم. قد لا يولد جميع الناس والطريق السَّهل للنجاح متاح أمامهم، لكن لا أحد تقريباً يُولد هكذا، فكلُّ من حقَّقوا إنجازات كبيرة في تاريخ البشرية، لم يصلوا إليها إلا بجُهدٍ عظيم.

ختام مؤتمر ويكي عربية لسنة 2016


338px-wikiarabia_logo-svg

شعار ويكي عربيَّة!

انتهى مؤتمر ويكي عربية الثاني المُقام في مدينة عمَّان بالأردن يوم السبت الفائت، بعد ثلاثة أيام من النشاطات المُكثَّفة التي جمعت أكثر من 70 ويكيبيدياً من المنطقة العربية، فضلاً عن عددٍ من الدول الأجنبية. كانت المٌشاركة في ويكي عربية، كمراقبٍ ومُنظِّم، واحدة من أفضل التجارب التي حظيت بها في حياتي، فمع أنَّ المؤتمر قد لا يكون الأعلى نشاطاً أو الأكثر ازدحاماً بالفعاليات، إلا أنَّه – بنظري – يُؤدِّي دوراً مُهماً جداً في هذا الوقت بالنسبة لمنطقتنا، ويُمهِّد لولادة مُجتمعٍ ويكيبيدي نشط ومُنظَّم على امتداد الدول العربيَّة.

لم يكن ويكي عربية من أكبر مؤتمرات ويكيبيديا أو أفضلها تنظيماً بالضرورة، لكنه يؤدي دوراً جوهرياً بالنسبة للويكيبيديين العرب، فقد جاء هذا المؤتمر في أعقاب تأسيس مُنظَّمات مُمثلة لحركة ويكيميديا في تسع دول عربيَّة على مدى السنتين الفائتين، هي تونس والجزائر والمغرب ومصر والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن. هذه المنظمات مُهمِّة جداً في تنشيط الفعاليات المُتعلِّقة بويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة في دول العالم، لكن ومنذ عامين فقط، لم يكُن لها وجود في أي دول عربية. عدا عن ذلك، تولَّت تنظيم هذا الحدث مجموعة الويكيبيديين في بلاد الشام المُنبثقة حديثاً، والتي لم يَحظَ مُعظم أعضائها بتجربة مثل هذه من قبل، وقد كان ويكي عربيَّة لهذا العام المؤتمر العربي الثاني في تاريخ المنطقة بعد ويكي عربية في تونس الذي أقيم العام الماضي، لذا فمن المُحتمل أن يُهيِّء لانعقاد مؤتمر سنوي خاص بويكيبيديا في العالم العربي من الآن فصاعداً.

wikiarabia_2016_day_1_285729

“حق المعرفة… حقّ مقدس”.. يا له من شعار!

بالنسبة لي، ومع أنَّي حضرت عدداً جيداً على الأرجح من تجمُّعات ويكيبيديا – ما بين مؤتمرات وورش عمل وهاكاثونات – على مر السنوات الماضية، إلا أنَّ هذه كانت أول مرة أشارك فيها بتنظيم حدث ويكيبيديّ. رغم أنَّني طالما اعتقدتُ أن حضور ملتقيات ويكيبيديا هو واحدةٌ من أفضل التجارب في العالم، إلا أنَّ ما اكتشفته خلال البضعة أيَّام الماضية هو أن تنظيمها، في الحقيقة، أفضل بكثير. فبدلاً من أن أكون مُجرَّد عضو مراقب، كنت قادراً هذه المرَّة على المُشاركة في صناعة المؤتمر، ونقل الأفكار التي كنتُ أريد أن أراها في الملتقيات السَّابقة التي حضرتُها إلى أرض الواقع. وعدا عن أي شيء، فإنَّ العمل في فريقٍ من الناس الذين يتبرَّعون بوقتهم وطاقتهم لنشر المعرفة الحرة للبشرية، كان تجربة رائعة جداً.

بداية العمل:

ظهرت فكرة ويكي عربية قبل عامٍ ونصف، عقب تأسيس مجموعة ويكيميديا تونس، التي جمعت مساهمي ويكيبيديا في دولة تونس ضمنَ مُنظَّمة واحدة، وكان من أول المشاريع التي أطلقتها المجموعة تنظيم مؤتمر ويكي عربية الأول في مدينة المنتسير. إن عقد مؤتمراتٍ خاصة بويكيبيديا مُوجَّهة نحو دول أو مناطق جغرافية مُعيَّنة أمر رائج، فثمَّة مؤتمر ويكيبيديّ سنوي يُقام في الهند، وأرمينيا، وكازاخستان، والاتحاد الأوروبي، وعدد كبير من الدول الغربية، إلا أنَّه لم يُنظَّم شيء مثل هذا من قبل في العالم العربي. أقيم المؤتمر من 3 إلى 5 أبريل سنة 2015 بحضور حوالي 50 شخص، من ضمنهم مديرة مؤسَّسة ويكيميديا التنفيذية ليلا تركتوف، وكان أداؤه ناجحاً.

كان من المُفترض أن أشارك في ويكي عربية الأول، لولا أنَّني لم أنجح بالحصول على تأشيرة سفرٍ بالوقت المناسب، مع العلم بأنَّ الخارجية التونسية أصدرت قراراً بإلغاء التأشيرة لجميع المواطنين الأردنيين بعد انتهاء المؤتمر بأقلِّ من شهر!

1024px-wikiarabia_2015_group_photograph

صورة ختام ويكي عربية لسنة 2015 في تونس.

في شهر أيَّار من سنة 2015 أعلنا عن تأسيس مجموعة ويكيميديا في بلاد الشام (وهو ما دوَّنتُ عنه هنا سابقاً)، التي جمعت مساهمي ويكيبيديا في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن تحت مظلَّة واحدة، كبادرة لتقليص شتات الويكيبيديين العرب. عملت مجموعتنا على تنظيم نشاطات صغيرة في البداية، لكن عندما تقدَّم العام وحل شهر سبتمبر دون الإعلان عن دولة جديدة تودُّ استضافة ويكي عربية، عقدنا اجتماعاً وقرَّرنا أن نعمل على إقامته لسنة 2016 في مدينة عمَّان، بالنظر إلى تمركز أكبر عددٍ من أعضاء المجموعة فيها. الحقيقة هي أنَّ مُعظم أعضاء فريق التنظيم لم يكن لديهم تخيُّل – على الأرجح – عن تجربة العمل على استضافة حدث بمثل هذا الحجم، فخبرتنا في مجال التنظيم والإدارة كانت شبه مُنعدمة، إلا أنَّ الحماس والرغبة بالعمل على مشروعٍ باسم مجموعتنا الجديدة نجحا، لحُسن الحظ، بصرفنا عن التفكير بذلك.

wikipedians_gathering2c_amman2c_29-3-2014

كان هذا اللقاء في دارة الفنون بعمَّان أحد الاجتماعات الأولى التي مهَّدت لتأسيس ويكيميديا الشام، حيث يظهر في الصُّورة مُعظم أعضاء فريق تنظيم ويكي عربيَّة.

كانت لدينا مُشكلة بسيطة، وهي أنَّ تمويل المؤتمر ليس من عندنا، بل هو آتٍ بأكمله من مؤسَّسة ويكيميديا التي يقع مقرُّها في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكيَّة، وبالتالي، كان من المُتوقَّع منا الالتزام بشروطها. يؤسفني القول بأنَّنا تجاوزنا جميع الـ”Deadlines” المُحدَّدة لنا بفتراتٍ تصل إلى بضعة أسابيع، وتأخرنا تأخراً كبيراً في تحديد الميزانية، وواجهنا عدداً غير قليلٍ من العقبات، لكن المؤسسة كانت جيِّدة كفاية لتتجاوز عن كل هذه الهفوات وتستمرَّ بالتعاون معنا. في نهاية المطاف وبطريقة ما، دعني أعترف بأنَّ النتيجة التي خرج عليها هذا المؤتمر قد فاقت، بطريقة إيجابيَّة تماماً، كافَّة توقُّعاتي كعضوٍ في فريق التنظيم.

افتتاح ويكي عربيَّة:

كنا نعقد اجتماعات للجنة التنظيم مرة في الشهر تقريباً خلال الشهور الأولى، ثم تزايد العدد تدريجياً مع دنوّ موعد المؤتمر. من بين توقُّعاتي الخاطئة عن تجربة التنظيم، والذي لستُ متأكداً مما لو كان مصدرها مُجرَّد نقص خبرتنا في العمل وبعض من الحظ الجيِّد، هي أني تخيلت أن تزداد كمية العمل العالق والمُشكلات المفاجئة  خلال الأسبوع أو الأسبوعين الأخيرين قبل انعقاد المؤتمر بدرجة كبيرة. في الواقع، ومع أنَّ كماً من الأعمال الإضافية قد ظهر بطبيعة الحال، إلا أنَّنا لم نحتج للدخول في حالة استنفار أو شيء مثل ذلك. كانت المُشكلات المفاجئة الحقيقية التي واجهتنا – بصورة أساسية – هي أن عدداً من الحُضور (الذي أمنَّا لهم بالفعل مصاريف تذاكر السفر والإقامة) فشلوا بالحصول على تأشيرة للأردن، أو واجهتهُم ظروفٌ مفاجئة منعتهم من المجيء. كانت هذه الأنباء غير المتوقعة مُزعجة جداً، لكننا كنا مُضطرِّين للاستسلام لعدم قدرتنا على فعل شيء حيالها.

wikiarabia_2016_day_1_28529

افتتاح باب التسجيل وتوزيع السترات والحقائب، قبل بدء فعاليات المؤتمر بنصف ساعة.

كان من المُحتمل أن تعلق بعض القضايا الأخرى حتى موعد المؤتمر أو بعده، مثل بعض المطبوعات التي تأخَّرنا في إرسالها إلى المطبعة، لكن ولحُسن الحظ، أمنت كل المسائل الضرورية بحلول ليلة الافتتاح. قد لا يكون من الضروري ذكر أنَّنا اضطررنا للسهر للساعة الثانية صباحاً في تلك الليلة، والذهاب للافتتاح دون نوم تقريباً، لأننا – على الأقل – نجحنا بالتأكد من جاهزية كل شيء قبل اليوم الكبير.

افتُتح باب التسجيل للمؤتمر في الساعة التاسعة صباحاً، يوم الخميس الماضي 24 آذار. مع أنَّني، حسبما يفترض، أمين سر المؤتمر، إلا أنَّ نقص الكادر جعلني أقف على طاولة التسجيل في أثناء الافتتاح، حيث نسجِّل أسماء الحضور ونُسلِّمهم بطاقاتهم وحقائبهم ومعاطف ويكيميديا الشام المطبوعة لهم، والحقيقة أن المهمَّة كانت ممتعةً نوعاً ما. كنتُ أعرف مُسبقاً معظم حضور المؤتمر، لأني قابلتهم في ملتقيات ويكيبيديَّة سابقة أو لأننا على معرفة جيِّدة عبر الإنترنت، لكنني حصلت أيضاً على الفًرصة لأتعرَّف على عدد من الأشخاص الجُدد المثيرين للاهتمام، مثل طلبة برنامج ويكيبيديا التعليمي الجامعيِّين في مصر وفلسطين، وأعضاء من مبادرة بالعربي، وعدد من الوُجوه الويكيبيدية الجديدة عليّ.

wikiarabia_2016_286329

المحاضرات تبدأ.

كما تجري العادة، ولأننا لسنا مُبدعين على نحو خاصٍّ فيما يتعلَّق بمراسيم افتتاح المؤتمرات، بدأنا الحدث الكبير بعددٍ من الكلمات التقديمية النموذجية. ألقت رئيسة فريق التنظيم، مرفت سلمان، كلمة سريعة تعريفيَّة عن ويكي عربيَّة، أعقبها عضو مجموعة ويكيميديا في بلاد الشام نضال جرَّار (وهو أيضاً أحد المُنظِّمين) الذي ألقى حديثاً قصيراً عن فكرة تأسيس مجموعةٍ تُوحِّد دول الشام الأربعة، وآمالنا بتوسيع دائرة التعاون هذه لتشمل كل دول العالم العربي تحت مظلَّة واحدة، وأخيراً جاء خطاب من المدير التنفيذي للشؤون الثقافية في أمانة عمَّان، والذي لم أركِّز كثيراً في الواقع بأيٍّ ما كان يقوله.

كانت الفقرة التالية جيِّدة بالنسبة لي. جاء الدور على مُمثلِّي مؤسَّسة ويكيميديا، وهي الهيكل التنظيمي والقانوني وراء ويكيبيديا، ليُشاركوا في الافتتاح. بدأت الفقرة بعرض فيديو لمديرة المؤسَّسة التنفيذية كاثرين ماهر، وهي مديرة مؤقتة للمؤسسة انتخبت على عجلٍ بعد تقديم المديرة السابقة (ليلا تركتوف) استقالتها في الشهر الماضي، بسبب تدهور سُمعتها في مجتمع ويكيبيديا وتزايد الاعتراضات على سياساتها الإدارية. كنا قد أرسلنا دعوة لكاثرين لحُضور ويكي عربيَّة، لكنها اعتذرت عن ذلك لازدحام جدولها الحاليّ، واستعاضت عن القدوم بتسجيل فيديو قصير مدته دقيقتان ليُعرَض في الافتتاح، تحدَِّثت فيه عن تجربتها مع مؤتمر ويكي عربية السَّابق في تونس، وامتدحت مراراً النشاط الويكيبيديّ الكبير بالمنطقة العربية. لعلَّ مُعظم ما ورد في الفيديو هو مجاملات فارغة، لكنه كان إضافة لطيفة لحفل الافتتاح.

wikiarabia_2016_day_1_282529

طاي فلانغان، أحد ممثلي مؤسَّسة ويكيميديا، في كلمة الافتتاح.

بعد انتهاء الفيديو، صعد إلى المنصَّة ممثلو مؤسَّسة ويكيميديا الحاضرون، ليشاركوا أيضاً بكلماتٍ قصيرة ومختصرة تُعبِّر عن آمالهم من المؤتمر. وقف طاي فلانغان، مدير برنامج ويكيبيديا التعليميّ في الشرق الأوسط، وقال أنَّ لديه بعض الهدايا للمُنظِّمين. كان بحوزته عدد من المعاطف المطبوعة لويكيبيديا، والتي رغبتُ بالحصول على واحد منها منذ زمن طويل. ثم وبعد تسليمه للمعاطف، استئنف حديثه قائلاً أن لديه المزيد من الهدايا لمرفت وعبَّاد، لأنهما قاما “بمُعظم العمل الصَّعب في تنظيم هذا الحدث”، ومع أني – بأمانة تامَّة! – لا أعتقد أن تلك العبارة كانت دقيقة فيما يتعلَّق بي، إلا أنَّني حصلت على قميص رائعٍ عليه صورة محطَّة الفضاء الدولية، والتي اختارها طاي لي بسبب هوسي الشديد بالفضاء.

ويكيبيديا صفر:

wikipedia_zero_countries_as_of_january_1_2016

لدى مشروع ويكيبيديا صفر اتفاقيات فاعلة حالياً مع شركات اتصالات في جميع هذه الدول.

شغل موضوع يكيبيديا صفر واحدةً من أولى جلسات المؤتمر. ويكيبيديا صفر أو Wikipedia Zero هو مشروع أطلقته مؤسَّسة ويكيميديا في سنة 2012، يهدف إلى محاولة إيصال ويكيبيديا إلى أكبر عددٍ من سكان الدول النامية، وذلك بعقد اتفاقيات مع شركات الاتصالات المحليَّة للسَّماح لزبائنها بتصفُّح ويكيبيديا مجاناً. يُغطي هذا المشروع الطَّموح حالياً 82 شركة اتصال في 64 دولة من دول العالم، ويُقدَّر عدد الناس المستفيدين منه بحوالي 600 مليون شخص. يستهدف هذا المشروع مستخدمي الهواتف الذكية بدرجة خاصة، فقد جاء بعد نجاح الفريق التقني في مؤسسة ويكيميديا بتطوير واجهة الموسوعة لتدعم التصفُّح والتعديل بأجهزة الجوال، وهكذا أصبح بإمكان سُكان الدول الفقيرة الذين لا يملكون أجهزة حاسوب أن يستخدموا ويكيبيديا ويُساهموا فيها بهواتفهم وحدها.

كان لدينا شخصٌ مناسب جداً للحديث عن هذا الموضوع، فالمسؤول الحالي عن شراكات ويكيبيديا صفر في منطقة الشرق الأوسط هو جاك رباح من الأردن، والذي تحدث في مداخلته عن محاولات توسيع هذه الشراكات في المنطقة العربيَّة، والنجاحات التي أمكن تحقيقها حتى الآن. يُغطي ويكيبيديا صفر في الوقت الحاضر ثلاث دول عربيَّة، هي الأردن (بالتعاقد مع شركة أمنية) والجزائر (شركة جازي) والمغرب (شركتا إنوي والاتصالات المغربية)، فلو كانت شريحة اتصالك مُصدرة من إحدى هذه الشركات، يمكنك تصفُّح مقالات ويكيبيديا الآن دون مقابل. كانت لدى مؤسسة ويكيميديا شراكات شبيهة مع شركة موبايلي في السعودية، وأورنج في الأردن، وشركة أو اثنتين في مصر، لكن مدة الاتفاقيات المُحدَّدة لها قد انقضت، ولم تعرض شركات الاتصالات تجديدها.

بعد انتهاء جاك، جاء الدور على مصعب بنات من الأردن ليقصَّ تجربته الناجحة في استعمال ميزة ويكيبيديا صفر. مصعب هو إداري في ويكيبيديا العربية وله أكثر من 50 ألف تعديل على الموسوعة، لكنه لا يمتلك جهاز حاسوب، بل هو يقوم بكلُّ مساهماته عبر هاتفه الخلوي وبالاستفادة من خاصية التصفح المجاني. كان من المُلهم أن نحصل بعد عرض جاك التعريفي، على مثالٍ ناجحٍ من المنطقة العربية على كم من المُمكن أن تكون خاصية التصفح المجاني لويكيبيديا مفيدة.

نقاش ممثلي مجموعات ويكيميديا:

wikiarabia_2016_day_1_286829

استعداد ممثلي مجموعات ويكيميديا العربيَّة، قبل بدء فقرة النقاش المفتوح بقليل.

عليَّ القول أن هذه الفقرة كانت واحدة من أكثر جلسات المؤتمر التي اهتممتُ بها وعلَّقت آمالاً عليها. اقتُرِحَت هذه الفكرة للمرَّة الأولى قبل موعد المؤتمر بخمسة أو ستة شهور، وأعتقد أن مُعظم أعضاء فريق التنظيم كانوا مُتحمِّسين لها بدرجة عالية. مجموعات ويكيميديا هي ظاهرة جديدة في العالم العربي، آخذة بالانتشار والتطور بسُرعة كبيرة، فخلال عامين فقط أصبحت لدينا مجموعات تمثيليَّة في تسع بلدان عربيَّة مختلفة. هذه المُنظَّمات هي الحاضنة والمُحرِّك الأساسي لكل الفعاليات والأنشطة المُتعلِّقة بويكيبيديا في أنحاء العالم، ولذلك فإنَّ التواصل والتعاون بينها، خصوصاً عندما تكون متقاربة جغرافياً إلى هذا الحدّ، أمر جوهريّ، ويُمكن لجلسة تجمع ممثلين من كل واحدة من المجموعات العربية، أن تؤتي نقاشات مثمرة جداً.

للأسف، وبما أنِّي أفضل أن أكون شفافاً عندما أكتب على مدونتي، عليَّ القول أن النتيجة كانت بأقل ما يُمكن قوله، مُحبطة جداً. بذل فرح مستكلم، وهو عضو في فريق التنظيم من فلسطين، جُهداً جيِّداً بمحاولة تنظيم جلسة النقاش وتحديد محاور لها، لكن لم يكن معه الكثير من الوقت، لأنَّنا أعطيناه مهمَّة الإشراف على الجلسة قبل انعقادها بيومٍ واحد فقط.

wikiarabia_2016_day_1_288929

الحضور يناقشون المواضيع المطروحة.

بدأت الجلسة النقاشية بتعريفٍ عام عن كل واحدة من مجموعات ويكيميديا في المنطقة العربيَّة. تحدث كل ممثل عن تجربة دولته في تكوين مجموعتها، والصعوبات الأساسية التي واجهتهم، والأداء الذي يقومون به في الوقت الحالي. لكن وبعد الانتهاء من ذلك، بدا أنَّ من الصَّعب توجيه الجلسة في اتجاه مُحدَّد مُثمِر. كان ثمَّة الكثير من التشتت، ولم يتفاعل الحُضور بالدرجة الكافية – بنظري – مع المواضيع المَطروحة، فقد كانت نوعيَّة القضايا التي يناقشها ممثلو المجموعات تتطلَّب تفاعلاً عالياً من الجُمهور برأيي، لأنها تمسُّ مُجتمع ويكيبيديا العربية بأكمله وتهم جميع المتواجدين. لا أدري لو كان يُمكن وصف هذه الجلسة بأنها ناجحة بأي طريقة، لكني أرجو – على الأقل – أن تكون بادرة لعقد جلسات مشابهة في المؤتمرات اللاحقة، لتساعد على مناقشة القضايا الجوهريَّة بالنسبة لأنشطة ويكيبيديا في العالم العربي.

تنظيم مجموعة ويكيميديا إيطاليا:

wikiarabia_2016_day_1_288129

جينيفرا تتحدث عن ويكيميديا إيطاليا.

كما سبق وأن قلت، مجموعات ويكيميديا موجودة في العديد من دول العالم، بما في ذلك مُعظم الدول المُتقدِّمة. في المحاضرة الأخيرة قبل ساعة الغداء من اليوم الأول للمؤتمر، تحدثت جينيفرا سانفيتيل عن الطريقة المناسبة لإدارة مؤسسات ويكيميديا، مستشهدة بتجربتها كعضوة في مجلس إدارة مُنظَّمة ويكيميديا إيطاليا.

كانت المحاضرة عامَّة إلى حد ما، فعوضاً عن الخوض في التفاصيل والمُشكلات المُحدَّدة التي يُمكن أن أتوقع (كعضو في مجموعة لويكيميديا) أن تواجهني، تناولت جينيفرا عمليَّة إدارة مُنظَّمات ويكيميديا بطريقة عامة جداً. كان جلُّ المداخلة عبارة عن ملاحظات ونصائح عن طريقة إدارة فعاليات ويكيبيديا، مثل “ضرورة التخطيط المُسبَق” و”الاستعدادية للتعامل مع المشاكل المفاجئة”، لكن لم تكن هذه الأفكار مُعزَّزة بأمثلة تُوضِّحها وترسخها لدى المتلقي، ول مترافقها قصصٌ عن تجاربها الشخصية في هذا المجال. بالنسبة لي، كان الجزء الأكثر فائدة من المحاضرة هو المقدمة التي تحدَّثت فيها جينيفرا عن ويكيميديا إيطاليا ومشاريعها، لكنني لم أشعر بأن باقي النصائح كانت فعَّالة جداً بطريقة عرضها هذه.

نظام مراسلات ويكيبيديا:

wikiarabia_2016_287729

زياد السفياني يشرح آليات عمل نظام المراسلات (OTRS)، الذي يستعمل للتواصل الرسمي مع مؤسسة ويكيميديا.

بعد طعام الغداء، انقسمت جلسات المؤتمر إلى قسمين مُنفصلين: فقد كانت لدينا قاعتان مُستقلتان تقام فيهما محاضرات على التوازي، حيث على المُشاركين اختيار أي قاعة يُريدون الحضور فيها. استضافت القاعة الرئيسية مداخلاتٍ مُتنوِّعة، منها ما كان عن إنشاء نسخٍ جديدة من ويكيبيديا تُغطي اللهجات العربية (على غرار ويكيبيديا المصريَّة)، وعن قضية ترجمة المُصطلحات العلمية في مقالات الموسوعة، وعن مشاريع ويكيميديا الشقيقة. للأسف، لا يُمكن للشخص التواجد بأكثر من مكانين، وقد اخترتُ شخصياً البقاء في القاعة الصَّغيرة طوال ما تبقى من اليوم، لذلك فوتُّ على نفسي كل هذه المواضيع.

افتتح جلسات القاعة الصَّغيرة زياد السفياني من السعودية، الذي قدَّم شرحاً جميلاً عن نظام الـ”OTRS” للمراسلات. هذا النظام هو خدمة تُقدِّمها ويكيبيديا تسمح للناس بإرسال استفساراتٍ أو طلباتٍ خاصَّة مُتعلِّقة بالموسوعة عبر البريد الإلكتروني، وهي تُعَامل بخصوصيَّة عالية، ممَّا يضمن لأصحاب الأسئلة (لو كانوا أشخاصاً مشهورين يطلبون تعديلات على مقالاتهم مثلاً) أن يحموا هويَّتهم. ميزة هذا النظام أنَّ من يردون على الرسائل الواردة فيه يكونون فئة مُنتخبة من مجتمع ويكيبيديا، على خبرة واطلاع عاليين بطرق العمل فيها، وإلمامٍ كبير بسياسات وقوانين الموسوعة. يعود السبب في ذلك إلى أنَّ كل من يردُّ على الرسائل الواردة على هذا البريد، يُعتبر (قانوناً) مٌمثلاً عن مُؤسَّسة ويكيميديا، وبالتالي فمن الضروريّ الحرص على أن يكون شخصاً واعياً ومدركاً لمسؤوليَّته.

عادة لا تتم الموافقة على منح شخص وُصولاً إلى الـ”OTRS” إلا لو كان إدارياً، أو مُحرِّراً قديماً ومُتمرساً. كنتُ عضواً في هذا النظام لمدة عامٍ تقريباً، لكن عضويتي ألغيت بسبب انخفاض نشاطي، وقد كانت تجربة فريدة نوعاً ما، حيث اكتشفتُ وجود عدد كبير من الأشخاص المشهورين الذين يرسلون شكاوى واعتراضاتٍ عن مقالاتهم طوال الوقت.

كانت المحاضرتان التاليتان شيَّقتين في مواضيعهما، لكني لم أستطع حضورهما بتركيزٍ لأنني كنت بحاجة للقيام ببعض الأعمال التنظيميَّة. تحدث شبيب الشهابي من السعودية عن الأوتويكي براوزر، وهو برنامجٌ ممتاز يُساعد على إجراء عمليَّات الصيانة السريعة والتكرارية في ويكيبيديا، وأما نزار قرقني من تونس فقد أعطى كلمة عن البرمجيَّات الحرة.

حقوق الإنترنت بالنسبة إلى ويكيبيديا:

كانت إحدى المُداخلات الأخيرة لليوم الأول تحمل عنوان “حقوق الإنترنت وويكيبيديا”. صاحب المُداخلة هو محمد تراكية، وهو عضو في الجمعيَّة الأردنية للمصدر المفتوح (JOSA) والتي كُنَّا قد طلبنا منها تقديم عدد من المُداخلات في المؤتمر، بالنظر إلى أنَّ عملها مقاربٌ جداً في غاياته ومبادئه لما نفعله في ويكيبيديا. المحاضر نفسه، تراكية، هو ناشط مهتم على نحوٍ عالٍ بموضوع حرية الإنترنت وسُبل وصونها وحمايتها.

10649948_10154157947284905_3031108706689673976_n

محمد تراكية في مداخلة حقوق الإنترنت.

كانت هذه الفقرة واحدة من أكثر المواضيع المطروحة في المؤتمر متعة بالنسبة لي. لم يكن ذلك لأنها أتت بأفكار جديدة أو إبداعية، وإنَّما لأنها قدَّمت منظوراً جديداً غير مألوف لنا للعمل الذي نقوم به في ويكيبيديا، فنحنُ – كمُجتمع ويكيبيديا – نرى بالعادة أن كل ما نقوم به هو عملٌ مفيدٌ وجوهريّ، يُساعد الناس على الحصول على المعرفة الحُرَّة، ويساهم بجعل الإنترنت مكاناً أفضل. لكن تراكية كانت لديه وجهة نظرٍ مختلفة، فعمله لا يشمل موسوعة ويكيبيديا فقط، بل هو يُغطِّي حرية الإنترنت كلها بصورتها العامة، وقد كان يرى أن بعض ما نفعله ليس جيِّداً لصالح الإنترنت العام بالضرورة.

ضرب تراكية مثالاً بموضوعٍ كان قد تناوله المؤتمر سابقاً في اليوم ذاته، وهو ويكيبيديا صفر. مع أنَّ فكرة ويكيبيديا صفر تُساعد الكثير من الناس الذين لا يملكون اتصالاً جيداً بالإنترنت على تصفُّح ويكيبيديا والمشاركة في بنائها، إلا أنَّها تحرمهم من التعرف على ما يحتويه الإنترنت غيرها. فإذا رجعنا للمبدأ الكبير الذي تعمل عليه ويكيبيديا، وهو جعل المعرفة متاحة للجميع بحُريَّة ودون مقابل، فإنَّ ذلك المبدأ لا يقتصر على ويكيبيديا بذاتها، بل هو يشمل كلَّ ما في الإنترنت من محتوى ومواد ومعلومات، والتي يُفترض أن يستطيع جميع الناس الوُصول إليها بالتساوي. مع أنَّ ويكيبيديا صفر يُقدِّم نتائج جيدة في الوقت الحاضر، لكنَّه يتعارض مع الرسالة الكبرى التي تعمل الموسوعة لأجلها.

wikiarabia_2016_282729

جانب من إحدى محاضرات اليوم الأول.

تناول عيسى المحاسنة، رئيس الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، موضوع رخص المشاع الإبداعي (Creative Commons) في المداخلة الأخيرة لليوم الأول. أوضح عيسى أنواع رخصة المشاع الإبداعي المُختلفة، وما يتعارض أو يتوافق منها مع قوانين ويكيبيديا، إضافة إلى شيءٍ من تاريخ رُخص حماية الملكية الفكرية في العالم.

كان يُفترض أن تنتهي أنشطة اليوم في السَّاعة الرابعة والنصف، لكن تبيَّن لنا أنَّ ضبط تواقيت المحاضرات وإجبار أصحاب الجلسات على الالتزام بها، مهمَّة غير سهلة في الواقع. انتهينا فعلياً قبل السادسة بقليل، ومن حُسن حظِّنا أن إدارة الفُندق تسامحت معنا لعدم وجود حجزٍ مسبقٍ للقاعات في ذلك اليوم.

اليوم الثاني:

الحقيقة هي أنَّ مقدار ساعات نومي القليلة كان قد بدأ يتراكم على نحوٍ سيء جداً بدءاً من اليوم الثاني فصاعداً، بحيث إنِّي فقدت القدرة على التركيز بمُعظم مداخلات المؤتمر. كنت محتاجاً لإبقاء نفسي منشغلاً أغلب الوقت بنشاط من نوعٍ ما لأتجنب أن أغفو على مقعدي، ولذلك لم أستطع الاستماع بانتباه إلا لقليلٍ من المحاضرات. عدا عن ذلك، كان اليوم الأول هو الأكثر ازدحاماً وغنى بالفعاليات، ولذلك فمن الطبيعي، على ما أعتقد، أنَّ تغطية هذه التدوينة لليومين التاليَين ستكون أقلَّ شمولية.

wikiarabia_2016_day_2_28229

طاي وكيسي من مؤسَّسة ويكيميديا.

افتُتح هذا اليوم بمُحاضراتٍ من مُمثلي مؤسَّسة ويكيميديا، حاولوا فيها نقل خبراتهم بتنظيم الفعاليات والمشاريع والترويج لويكيبيديا إلى المُجتمع العربيّ. تناولت أماندا بيتاكر من فريق تقييم المشاريع في المؤسَّسة أساليب تحسين أنشطة ويكيبيديا التعريفيَّة والتدريبيَّة، وتحدثت عن خبرتها وتجاربها في هذا المجال.

كانت هناك مداخلة لولاء عبد المنعم من مصر عن مسابقة ويكي المرأة، وهي مبادرة تسعى لزيادة المحتوى النسائي على صفحات ويكيبيديا العربيَّة. ثم جاءت كلمة لإيمانيول إنغلهارت من سويسرا عن مشروع كيويكس، الذي يهدف إلى توفير كل محتوى ويكيبيديا على هيئة ملفٍ يُمكن تحميله وتصفُّحه بدون اتصالٍ بالإنترنت. يساعد كيويكس كل عامٍ العديد من طلاب المدارس والجامعات في الدول الفقيرة (مثل أفريقيا) على الوصول إلى مقالات ويكيبيديا دون الحاجة إلى تحمُّل تكلفة اتصال بالإنترنت. فضلاً عن ذلك، ذكر إيمانويل فكرة تسعى إلى تهريب نسخٍ من كيويكس إلى كوريا الشمالية، لإيصال ويكيبيديا إلى سُكَّان الدولة الذين لا يملكون اتصالاً بالإنترنت.

ويكي طب ومبادرة بالعربي:

شارك زياد الراجحي ومصعب الشريف من السعودية تجربتهما الناجحة في تنظيم نشاطات لترجمة مقالاتٍ لويكيبيديا العربيَّة. زياد ومصعب طالبا طب في جامعة الملك سعود بمدينة الرياض، أرادا حثَّ زملائهما على ترجمة المقالات الطبية من ويكيبيديا الإنكليزية إلى العربية، ونظَّما لأجل ذلك عدة نشاطات ممتازة لترجمة مقالات ويكيبيديا جماعياً تدعى “الويكيثونات”، حيث يجتمع عدد كبير من الطلاب للتعاون معاً على كتابة المقالات خلال مُدَّة زمنية قصيرة. لم ينجح زياد ومصعب بكسب عدد كبير من المُتطوِّعين للمشاركة في هذه النشاطات فحسب، بل حصلا على رعاةٍ وشركاء لمساعدتهما، منهم مطعم بيتزا دومينوز، الذي عرض توفير وجبات مجَّانية للمشاركين في الويكيثونات. بالتأكيد، ليس من حافزٍ لجمع الناس في مكانٍ واحدٍ أفضل من الطعام المجاني.

12717994_1696210587305147_7982221642360585883_n (1)

مجموعة من أعضاء مبادرة بالعربي.

كان التاليون على المنصَّة أعضاء مبادرة بالعربي. قد تكون هذه المُبادرة أكبر مشروع غير رسميّ (لا تشترك فيه مؤسَّسة ويكيميديا) يختصُّ بتطوير محتوى ويكيبيديا العربيَّة، والمدهش في الأمر هو أنَّ كادر العمل فيه لم يشمل أيَّ ويكيبيديِّين مُتمرِّسين، إنَّما بدأه وقاده وأنجزه بالكامل طلاب جامعيُّون ليست لديهم خبرة سابقة تذكر مع الموسوعة. أطلقت مبادرة بالعربي في مُنتصف شهر آذار سنة 2015، حيث بدأ فكرتها مجموعة من طلبة الطب في الجامعة الأردنية، فأقاموا نشاطاً تعريفياً دعوا فيه زملائهم للمساعدة برفع مستوى المحتوى الطبي على ويكيبيديا العربيَّة.

جذبت المُبادرة عدداً عملاقاً من المُتطوِّعين، بحيث ظهرت الحاجة إلى المزيد من التنظيم، فانقسم المُشاركون إلى فرق يعمل كلٌّ منها على إنجاز مرحلة مُعيَّنة من العمل على كل مقالة من المقالات. ففي البداية فريق الترجمة، ثم التدقيق اللغوي، والأمانة العلمية، وأخيراً فريق النشر. كانت النتائج عظيمة جداً، فقد خرجت المبادرة بنحو 1200 مقالة طبيَّة جديدة تُرجمت ترجمة كاملة إلى اللُّغة العربيَّة بمساعدة حوالي 1600 مُتطوِّع، ورُفعت كلَّها على ويكيبيديا في 10 ديسمبر الماضي أثناء فعالية كبيرة في الجامعة الأردنية تحتَ شعار “بداية القطف”.

اجتمعتُ أنا وصديقي أسامة خالد (الذي لديه، بالمناسبة، مُدوَّنة رائعة عن الثقافة الحُرَّة يحذو بك الاطلاع عليها) مع أعضاء المُبادرة بعد انتهاء مداخلتهم، لنُناقش إمكانية تأسيس آلية تواصل بين مجموعة بالعربي ومجتمع ويكيبيديا العربيَّة. فمع أنَّ وُجود مبادرة بهذا الحجم ظهرت دون مساعدة من مجتمع ويكيبيديا هو أمرٌ رائعٌ بحقّ، إلا أنَّ استمراريَّتها ستتطلَّب – بنظري – تحوُّلها إلى عمل مشتركٍ مع مجتمعنا، فويكيبيديا هي موسوعة قائمة على التعاون بين جميع الناس من مُختلف الأطياف والخلفيات، ولذا لا بُدَّ لمتطوعي المُبادرة أن يندمجوا فيها ويتعرَّفوا على الويكيبيديِّين القدامى ليتمكَّنوا من العمل بالتناغم معهم.

أخذ هذا الاجتماع ما تبقى من وقت المؤتمر في يومه الثاني، لذلك لم أستطع حضور أيِّ جلساتٍ أخرى. ذهبَ المشاركون في زيارة مسائيَّة إلى متحف وصفي التل بمدينة السَّلط بعد انتهاء أنشطة المؤتمر، لكني كنتُ مرهقاً جداً بحيث إني اضطررتُ للاستغناء عن المشاركة في الرحلة.

ورشة البوت:

في بداية اليوم الثالث والأخير من فعاليات المؤتمر، انقسمت المحاضرات مرة أخرى إلى خطَّين مُتوازيَين: أحدهما في القاعة الكبيرة، والآخر في الصَّغيرة. تكلمت كيسي هارولد من مؤسَّسة ويكيميديا عن أساسيات قصِّ الحكايات، وهو أسلوب جوهريٌّ تستعمله المؤسسة في نشاطاتها للترويج لفكرة ويكيبيديا وتشجيع الناس على المشاركة فيها، من خلال تقديم قصص نجاح الويكيبيديِّين لهم بطريقة مُلهمة. نبَّهت كيسي إلى أنَّ عليك (عندما تقصُّ حكاية) أن تأسر انتباه الجمهور في الثواني السَّبع الأولى بعد صعودك المنصة، وإلا فقد يكون تأثيرك عليهم قليلاً جداً، ونصحت بأنَّ بداية كل قصَّة مقنعةٍ يجب أن تحتوي رسماً بيانياً إحصائياً للتدليل على النتائج، ثم اقتباساً من شخصيَّة مشهورة يدعم الفكرة، ثم حكاية عن تجربة تطبيق ناجحة للفكرة، وأخيراً عرضاً لما تعلَّمته من هذه التجربة.

مع أنَّ محاضرة كيسي كانت شيِّقة بدرجة كبيرة، إلا أني لم أستطع حضور قسم كبير منها لأني كنتُ قد سجَّلت لحضور ورشة أسامة عن تشغيل البوتات. البوتات هي برامج حاسوبية مكتوبة بلغة بايثون نستعملها لإجراء أعدادٍ كبيرة من تعديلات الصيانة التكرارية على ويكيبيديا،  يُمكن للبوت الواحد أن يقوم بـ100 تعديل على مقالات الموسوعة خلال دقيقة أو اثنتين، بينما سيحتاج إجراء عدد مثل هذه يدوياً إلى ساعة أو أكثر. تستطيع البوتات إجراء العديد من المهام المُفيدة، مثل إضافة الصور والقوالب، وإنشاء التصانيف، وتدقيق المقالات إملائياً.

عادة ما تعتمد النسخ الكبيرة من ويكيبيديا كثيراً على البوتات لتوفير الوقت والجُهد على مساهميها، لكنَّ عدد من يتقنون استخدام هذه البرامج في ويكيبيديا العربيَّة يكاد يكون مُنعدماً، لذلك كنا قد طلبنا من أسامة تولِّي تنظيم ورشة تدريبيَّة في أثناء المؤتمر. حضر الورشة 20 شخصاً تقريباً، وقد نجح أسامة بإدارتها بكفاءة مُمتازة رغم عدم وُجود أحد يُساعده في متابعة المشاكل التي تواجه الحضور مراراً وتكراراً.

wikiarabia_2016_283429

في واحدة من الاستراحات بين المحاضرات.

بالنسبة لي، كان حظي سيِّئاً بحيث واجهت مشكلة تقنية في تسجيل الدخول إلى بوتي بعد حوالي نصف ساعة من بدء الورشة، وبما أنَّ أسامة انهمك بإصلاح مشاكل كثيرة أخرى لدى الزملاء الآخرين، وبدا أن مشكلتي ستسهلك الكثير من الوقت لإصلاحها، لذا اتفقنا – في نهاية المطاف – على أن يُعطيني درساً خصوصياً في اسعمال البوت فيما بعد. بالطَّبع، تهرَّب أسامة من تلك المسؤولية بمكرٍ بالغ، وعاد إلى السعودية دون أن يعطيني أي نوع من الدروس.

ويكي بيانات:

أظنُّ أنَّ محاضرة حلمي حمدي من تونس عن ويكي بيانات هي واحدةٌ من أفضل المداخلات التي حظينا بها في مؤتمر ويكي عربية. ويكي بيانات هي منصَّة تابعة لويكيبيديا، تُخزَّن عليها بيانات ويكيبيديا بلغاتها المختلفة. عندما تفتحُ مقالة على الموسوعة وتُحدِّق في شريط اللغات على الجانب الأيمن باحثاً عن نُسخة منها بلغة أخرى، فإن الوصلات التي أمامك تكون مُخزَّنة على ويكي بيانات. الكثير من المقالات لا تكون مرتبطة مع مقابلاتها في اللغات الأخرى بالطريقة الصَّحيحة، ومن هنا تبرز أهميَّة العمل في ويكي بيانات.

جهَّز حلمي عرض شرائح متقناً جداً لمحاضرته ورفعه إلى ويكيميديا كومنز، كان العرض مُزوداً بالروابط والصور التوضيحية بطريقة ممتازة، ويُغطي مختلف جوانب العمل في ويكي بيانات. المؤسف في الأمر هو أنَّ عدداً جيِّداً من المشاركين واجهوا مشكلات طويلة مع فتح العرض واستخدامه في بداية المحاضرة، وأهدرت معالجة هذه المشكلات الكثير من الوقت، ممَّا اضطرَّ حلمي إلى اختصار جزء كبير من عرضه.

ختام المؤتمر:

انتهت أنشطة اليوم الثالث والأخير في الساعة الثالث ظهراً، قبل الموعد المُعتاد بساعة، وذلك لأنَّنا خططنا لأن يكون ختام المؤتمر في متحف الأردن. كانت آخر محاضرة في المؤتمر مُختصَّة بموضوع الـ”GLAM”، وهو مصطلحٌ يصف التعامل مع المتاحف والمكتبات والمؤسسات التراثية الأخرى لتوثيق محتواها على ويكيبيديا بتراخيص حرَّة، لذلك وجدنا أن إقامتها في متحف ستكون فكرة مناسبة جداً.

1280px-wikiarabia_2016_day_3_2873291

أعضاء مجموعة ويكيميديا بلاد الشام.

مع أنَّ المتحف يُغلق أبوابه عادة في اليوم السَّبت، إلا أنَّ الإدارة وافقت على فتحه خصِّيصاً لزوار المؤتمر. لا بُدَّ من القول بأنَّ المكان كان مُبهِراً على أقل تقدير، فهو جديدٌ جداً، ومصونٌ على نحو مُمتاز، وفيه الكثير من المعروضات المُثيرة للاهتمام. واحدة من أكثر الأشياء التي جذبت انتباه زوار المؤتمر كانت حاسوباً عليه برنامج يُهجِّئ اسمك بأربع لغات قديمة مختلفة، ثم يطبعه لك على ورقة مزخرفة يمكنك الاحتفاظ بها، وقد قضت مُعظم المجموعة نصف وقت جولتنا في المُتحف على الأرجح حول هذا الجهاز. لو لم أكن مُخطئاً، كانت اليونانية والآرامية والعمونية من بين اللغات التي يطبع البرنامج اسمك فيها.

أخذت الجولة ساعة تقريباً، وجَّهنا بعدها مشرفو المتحف إلى قاعة مُجهَّزة تجهيزاً كاملاً، حيث بدأ إيمانويل إنغلهارت من سويسرا محاضرة ويكي عربيَّة الأخيرة، وفي الواقع أنَّ صاحب هذه المحاضرة كان يُفتَرض أن يكون ويكيبيدياً هولندياً كنا قد غطَّينا له تكاليف سفره وإقامته خصيصاً ليتحدَّث فيها، لكن طيرانه ألغي في ليلة اليوم الأول من المؤتمر بسبب تفجيرات بروكسل.

عليَّ الاعتراف بأنِّي، ومعي على ما أتوقَّع عدد لا يُستهان به من الحضور الآخرين، كنتُ أكافح للبقاء مستيقظاً عندما وصلنا القاعة. فبعد ثلاثة أيام مُتتالية من النشاط المستمر والفعاليات المُكثَّفة، وبعد أن تبللنا بالمطر في الخارج، وتأخر الوقت بحيث حلَّ الظلام، كنا قد استزفنا تماماً ولم نعد قادرين كثيراً على التركيز. كان ذلك مؤسفاً لأنَّ محاضرة إيمانويل كانت ثريَّة جداً، وقد جذبت اهتمام مسؤولي المُتحف بحيث أنَّهم تقدَّموا إلى المنصَّة وطرحوا أسئلة مُتحمِّسة عن كيفيَّة إقامة تعاونٍ بينهم وبين ويكيبيديا.

12915157_1098717560194487_717991050_o

الصورة الختاميَّة لويكي عربيَّة، في مدخل مُتحف الأردن.

انتهت المحاضرة في نحو السَّاعة السادسة مساءً، تلاها الكثير من التصفيق، ثمَّ وقفتُ بعدها مشدوهاً لأدرك أنَّ كلَّ شيءٍ كان قد انتهى، فهذه كانت آخر فعاليات ويكي عربيَّة. بعد شهورٍ من التخطيط والإعداد، مضى الحدث سريعاً جداً بحيث أني، حقيقة، لم أشعر بالوقت يمرّ.

مع حُزني لانتهاء ويكي عربيَّة، إلا أنَّه كان تجربة عظيمة جداً بالنسبة لي. عدا عن مُتعة العمل في الفريق، والتحدي الذي يتطلَّبه ترتيب حدث بهذا الحجم، كان كلُّ ما قمنا به إضافة للبشريَّة ومساهمة في بناء ويكيبيديا. من الصَّعب قياس الفائدة المباشرة للمؤتمر الآن، لكن يُمكننا أن نكون واثقين على الأقل، من أنَّه زاد التواصل والتعاون بين الويكيبيديِّين العرب، وعلى ما أرجو أنَّه سيُمهِّد لإطلاق عدد من المشاريع والأفكار التي ناقشناها في أثنائه. في أقل تقدير، ممَّا لا شك به أن المؤتمر كان تجربة ثريَّة ومليئة بالخبرات الجديدة لكلُّ من شاركوا فيه، ولعلَّه يكون حافزاً لتنظيم المزيد من مُلتقيات ويكيبيديا في منطقتنا.