لماذا كانت طُفولتنا خالية من اليراعات المُضيئة؟


لو كنتَ لطَّختَ طفولتك الحزينة مثلي بمُشاهدة فلم “قبر اليراعات” (Hotaru no haka) من إنتاج ستوديو غيبلي والذي يتحدَّثُ عن آثار الحرب العالمية الثانية في اليابان، فلعلَّك تساءلتَ  لماذا لم تُقابل في طفولتك أياً من الذبابات المُضيئة، أو اليراعات كما تُسمّى علمياً، التي كان يجمعُها زيتا لأختُه الصَّغيرة. وفي الحقيقة، لو كنتَ تسكنُ في أيِّ مدينة ذات مُناخٍ متوسطي معتدل، مثل معظم مدن بلاد الشام ودُول المغرب، فعلى الأرجح أنَّ الشارع الذي تُقيم فيه الآن كان مليئاً – قبل ثلاثين أو أربعينَ عاماً – بهذه الكائنات. رُغم ذلك، من المُحتمل أنَّك لم تُقابل أياً منها حياتك، أو لو كنت من جيلٍ قديم، فرُبَّما صادفتها آخر مرَّة وأنت في سنين مُراهقتك. السَّببُ في ذلك هو أنَّ اليراعات آخذةٌ بالاختفاء من جميعِ أنحاء العالم بسُرعةٍ مُضطَّردة، والتفسير العلمي مدهشٌ جداً.

اليراعات هي حشراتٌ صغيرةٌ من فصيلة الخنافس، تعيش في المناطق المُعتدلة والمدارية بمُعظم أنحاء العالم، إذ يُوجد منها في آسيا وأوروبا والأمريكيَّتين أكثر من 2,000 نوع. السِّمة الأكثر فرادةً في هذه الكائنات هي قُدرتها على إنتاج الضوء من أجسامها، فلدى اليراعة في الجانب السفليّ من بطنها عضوٌ خاصٌّ يستطيعُ إصدار أشعة الضوء بإجراء تفاعلٍ كيميائي بين الأكسجين ومادَّة تُسمّى اللوسفيرين، وهذا هو نفسُ التفاعل الذي تعتمد عليه العديد من الكائنات الحيَّة الأخرى لإنتاج الضوء، مثل بعضِ أنواع الحلازين والبكتيريا وأسماك أعماق المُحيط.

image4

تدفنُ إناث اليراعات بيُوضها تحت التراب في بداية فصل الرَّبيع، وتخرج يرقاتُها الصَّغيرة بعد شهرٍ تقريباً لتتجوَّل وتبحثَ عن غذائها، واليرقات أيضاً مُضيئة مثل الحشرات البالغة. تتغذى هذه اليرقات على أيّ كائنٍ تجدُه، وغالباً ما يتكون طعامُها من الحلازين والبزاقات، التي تستطيعُ التهامها بإفراز سوائل هاضمةٍ فوقها. تأخذُ اليرقات سنة أو اثنين حتى تصلَ مرحلة البُلوغ، وعادةً ما تعيشُ لشهرين تقريباً بعد ذلك. ومع أنَّ خاصية الضوء موجودةٌ لدى اليرقات والحشرات البالغة، إلا أنَّ الهدفَ منها أخافة الكائنات المُفترسة وإبعادها فحسب، وأما لدى اليراعات مُكتملة النموّ فيبدو أنَّ وظيفتها أكثرُ أهميَّة.

خلال السَّنوات الأخيرة، بدأ العُلماء يُلاحظون انخفاضاً في أعداد اليراعات في العديد من الأماكن. اكتُشفت هذه الظاهرة في البداية في الحدائق والمُنتجعات التي تُنظِّم جولاتٍ سياحيَّة دوريَّة لمُراقبة اليراعات في اللَّيل، فكُلَّما زادت حركة السُيَّاح الذين يأتون لمُشاهدة الحشرات وهي تُضيء في الليل، كانت أعدادُها تتناقصُ بسرعةٍ حتى تختفي. وُضِعَت العديدُ من المُبرِّرات في البداية لتفسير اختفاء اليراعات، فمثل العديد من الحيوانات الأخرى، لا بُدَّ أن هذه الكائنات تتأثر بالنشاط البشري الذي يتسبَّب بتدمير بيئتها الطبيعية من غاباتٍ وأحراش، وتجفيف المُستنقعات والأجسام المائية التي تُفضِّل العيش حولها، فضلاً عن أنَّ المُبيدات الحشريَّة لها أثرها السيّء عليها في الغالب. لكن، على ما يبدو أنَّ أياً من هذه العوامل، رُغم دورها، ليست السبب الجوهري في انقراض اليراعات.

تُوحي العديد من الأبحاث والدراسات الحديثة بأنَّ العامل الأكثر أهميَّة في تناقصِ اليراعات هو أضواء الشوارع. لعلَّ الجانبَ الأكثر إثارةً من هذه الحشرات بالنسبة للأطفال هو ضوئها الأخضر الغريب، إلا أنَّها لا تصدر الضوء من حولها عبثاً، بل لهذا الوهج الجميل أهميَّة شديدة في دورة حياتها الطبيعية. عندما تطيرُ اليراعات بجانب بعضها وتُصدر ومضاتٍ مُتتابعة من الضوء، فهي تحرص على مُزامنتها مع بعضها بوتيرةٍ دقيقة ثابتة، هذه المزامنة تساعد اليراعات على التواصل مع بعضها واختيار شريك لها للتزاوج.

Adult Firefly - Photuris lucicrescens

تظهر التجارب أنَّه عندما تتعرض مجموعة من اليراعات لضوءٍ ساطع، مثلما يحصلُ من أنوار سيَّارة عابرة أو ضوء منزلٍ مجاور، فهي تتشتَّت وتفقدُ مزامنتها لومضاتها الضوئية، وتحتاج إلى عِدَّة دقائق لإعادة ترتيبِ نفسها ومزاولة التواصل مع بعضها. يُؤثر مثل هذا التشتيت بطريقةٍ مُباشرة على عملية التزاوج، وبالتالي على وضع البُيوض والحفاظ على بقاء النوع. عندما يزيد مُستوى الإضاءة حولَ اليراعات عن درجة مُعيَّنة، فمن المُمكن أن تصبح عاجزةً تماماً عن التزاوج مع بعضها. في المدن الحديثة، تُوجد آلاف مصادر الضوء السَّاطع في الليل التي تُشتِّت مجموعات اليراعات في كلِّ مكان، فثمَّة أنوار السيارات، ومصابيح الشوارع، والمنازل، والحدائق، والمحال التجارية. بدُون أن يتم التزاوج يتوقَّف إنتاج الأجيال الجديدة، وتنقرضُ هذه الحشرات بسُهولةٍ بالغة.

لا زال العُلماء يجرون الكثير من الدراسات، في السنوات الأخيرة خُصوصاً، لفهم سلوك هذه الحشرات وكيف يؤثر تطور المُدن على حياتها، إلا أنَّ المرجح، في حال استمرار هذه الظروف، أن اليراعات ستسمرُّ بالتناقص حتى تختفي من أغلب أنحاء كوكبنا.

العادة الغريبة لطُيور الواقواق


كنتُ أعمل خلال الفترة الماضية مع صديقي باسم فليفل على تطوير مقالة الطيور في ويكيبيديا العربيَّة لتُصبح مقالة مختارة (درجةٌ خاصة من المقالات التي تعرَضُ دورياً على الصَّفحة الرئيسية لويكيبيديا)، عندما صادفتُ هذا المشهد المُدهش، الذي أجده مثيراً للاهتمام كثيراً بحيثُ رغبت بمشاركته هُنا.

يظهرُ في هذه الصورة المُخيفة عصفورٌ بالغ وهو يُطعم فرخاً ضعيفاً عاجزاً عن الطيران أو الحركة، إلا أنَّ هذا الفرخ المسكين يزيد في حجمه ووزنه عن “والدته” بأضعافٍ عديدة. في الحقيقة، هذا الفرخ هو من طُيور الواقواق، وأما والدته فهي عصفورة حبَّاكة، وهُما نوعان ينتميان إلى فصيلتين مُختلفتين كلياً من الطُّيور، إلا أنَّ سبب وُصولهما إلى هذه العلاقة الأبوية الجميلة لم يكن محض صدفةٍ سعيدة، وبالتأكيد لم يكُن بسبب صداقة حيوانية فريدة من نوعٍ ما.

السَّببُ الفعلي هو أنَّ طيور الواقواق تنتمي إلى مجموعة من الحيوانات يُطلَق عليها اسم “مُتطفِّلات الأعشاش”، وهي كائناتٌ ليست لها القُدرة أو الجاهزية للاعتناء بصغارها بنفسها، ولذلك، فعوضاً عن تحمُّل مسؤولية العناية بهم، تبحثُ هذه الكائنات عن أعشاش غيرها لتتركَ فيها بيضها سرًّا. ففي أحد الأيَّام بينما كانت هذه العُصفورة بعيدةً عن عُشِّها، جاء طائر واقواق وزجَّ ببيضته في العُشّ. وعندما فقس صغير الواقواق من بيضته، وبسبب ضخامة حجمه وقوَّته مقارنةً ببيُوض العصفور الحبَّاك الصغيرة، فقد استطاعَ دفعها بصورة غريزيَّة من فوق العُشّ لتسقطَ على الأرض وتموت الأجنَّة التي داخلها. بهذه الطريقة، ضمنَ فرخ الواقواق لنفسه الحُصول على كُلِّ الغذاء الذي تجلبه إليه أنثى العُصفور الحباك، وأما الأم المسكينة فهي لم تُدرك شيئاً ممَّا حدث، وسوف تستمرُّ بالعناية بالفرخ كأنَّه ابنُها حتى يكبرَ ويُصبح قادراً على الاهتمام بنفسه، وعندها سوف يضعُ هو نفسه بيوضه في أعشاش طُيورٍ أخرى لتعتني بها على حساب صغارها هيَ.

Reed_warbler_cuckoo

هل يكتسب البشر المهارات بالتعلم أم بالموهبة الفطرية؟


بريان بيرغ يبني نموذجاً من أوراق اللعب.

بريان برغ، صاحب الرَّقم القياسي في العالم لأكبر بناءٍ من أوراق اللعب، وهو يبني مُجسَّماً لمعالم في مدينة واشنطن الأمريكية. استُخدمت في بناء هذا النموذج، الذي لا يظهر في الصورة سوى جانبٌ صغير منه، حوالي 75,000 بطاقة.

لعلَّك جربت بضعة مرَّات، على الأقل، خلال حياتك أن تشعر بصُعوبة مُعيَّنة تواجهك وأنت تحاول تعلُّم شيء جديد. ربَّما أحسستَ أنك بطيء جداً في حل مسائل الرياضيات، أو أنَّ قدرتك على استيعاب طريقة عمل آلة ما ليست جيِّدة كثيراً، أو حتى أنَّك ببساطة تفشل بالفوز في لُعبة حاسوب. لو حاولتَ مُمارسة أيَّة واحدة من هذه المهام وتكرارها عدداً من المرَّات، فلا بُدَّ وأن أدائك فيها سيتحسَّن، فستتمكَّن من الوصول في لعبتك إلى مراحل متقدِّمة أكثر، وستصبح قادراً على حل المسائل الرياضية بسُرعة أكبر، لكن هل هذا كافٍ؟ إلى أيِّ درجة يمكنك إتقان مهارة في الحياة بمُجرَّد تكرارها عدداً كبيراً من المرَّات؟ يقول مثل إنكليزي مشهور: «Practice makes perfect»، وهي عبارة تعني التدرب المُستمرّ على عملٍ ما لمُدَّة زمنية طويلة كفيلٌ بأن يجعلك مُتمكِّناً منه تماماً، لكن ذلك قد لا يكون صحيحاً بالضرورة، فالمسألة، في الواقع، أعقدُ بقليل من ذلك.

صادفتُ منذ مدَّة مقالة تتحدث عن تخلُّف نظام التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية، وتدعو إلى إعادة هيكلته ليفتح مجالاً أكبر لإبراز مواهب الطلاب صغار السِّن، والتي – كما يرى كاتب المقال – تضيع الكثير منها في مرحلة مُبكِّرة دون أن تحصل على الفرصة لتنميتها وتطويرها. كانت التعليقات التي كتبها قُرَّاء المقالة مثيرة للاهتمام، وقد جذب أحدها انتباهي على وجهٍ خاص. كان صاحب التعليق يروي قصَّة عن نفسه: «مرَّة عندما كنتُ في الصف الرابع الابتدائي، طلب منا أستاذ اللغة الإنكليزية كتابة قطعة نثريَّة صغيرة ضمن فروضنا المنزليَّة. عندما أنهيت كتابة قطعتي وسلَّمتها لأستاذ المادَّة للتصحيح، انبهر بمستوى كتابتي، فأرسلني على الفور إلى مدير المدرسة، والذي أعجب بما كتبتُه إلى حدِّ شديد، لدرجة أنه كرَّمني ومنحني شهادة تقديريَّة، قائلاً لي أنَّي كنتُ أجيد الكتابة باللغة الإنكليزية بـ”مستوى طلبة الجامعات”». لكنَّ صاحب التعليق، يُتابع القصة: «ثم مرَّت السنوات، وأصبحتُ طالباً في الجامعة. ففوجئتُ بأنَّ الجميع أصبحوا الآن قادرين على الكتابة باللغة الإنكليزية بمستوى طلبة الجامعات».

قد تكون القصة فكاهيَّة قليلاً، لكنها أيضاً تُعبِّر عن واقعٍ جوهري، فلو كانت الموهبة الفطريَّة سبباً كافياً لتحقيق النجاح، لما اضطرَّ ذلك الفتى إلى ممارسة الكتابة على الإطلاق منذ تخرُّّجه من المدرسة الابتدائية، وكان سيُصبح – بالرُّغم من ذلك – كاتباً مهماً. لكن من الواضح أنَّ نقص الممارسة المُنظمة بإمكانه القضاء على الكثير من المواهب الطبيعيَّة قبل أن تحصل على فرصتها لتبرز. على سبيل المثال، من الواضح أن ألبرت آينشتاين لم يولد وهو قادر على كتابة معادلات الطاقة النووية، ومن المؤكَّد أنَّ ثوماس أديسون لم يكن يعرف كيفيَّة صُنع آلاتٍ كهربائية مُعقَّدة وهو طفلٌ في السَّابعة. مهما كانت الموهبة الطبيعيَّة قوية، فهي ليست قادرةً وحدها على جعل أي شخصٍ في العالم عبقرياً. الممارسة والخبرة والتدرب والعمل الشاق عوامل جوهريَّة في الحصول على النجاح بالنِّسبة لجميع الناس، مهما كانت قدراتهم الطبيعية تبدو متفوِّقة على الآخرين.

لكن، ما هو مقدار أهميَّة الدور الذي تؤديه الموهبة في مُساعدة لأشخاص الناجحين، في مُختلف المجالات، على تحقيق إنجازاتهم الكبيرة؟ الإجابة على هذا السؤال، في الحقيقة، ليست سهلةً على الإطلاق. فمُعظم الأشخاص الناجحين قضوا سنوات كثيرة وساعات طويلة من حياتهم في التدرُّب على مواهبهم قبل أن يحصلوا على الفرصة للنجاح فيها، فقد كان الروائي الأمريكي هرمان ملفل، مثلاً، يُكافح طوال عشرات السنين ليبيع كتبه في زمانه، إلا أنَّ اسمه انتشر بعد سنين طويلة من وفاته، عندما أثارت روايته «موبي دك» اهتمام العديد من النقاد الأدبيِّين في أمريكا واكتسبت شهرة هائلة لتبيع ملايين النُّسخ، ومع أنَّك قد تعتبر آينشتاين واحداً من أكبر عباقرة الفيزياء في التاريخ، إلا أنَّ درجاته بمادة الرياضيات في المدرسة كانت عاديَّة جداً، ولو اضطرَّ للعمل في مجال بعيد عن الفيزياء، فكان من المُمكن بسهولة أن لا يعرف أحدٌ بموهبته قط. من جهةٍ أخرى، توجد قصصٌ كثيرة عن علماء أبدوا نبوغاً وعبقريَّة منذ مراحل مبكرة في طفولتهم.

قاعدة الـ10,000 ساعة:

مالكوم غلادول مؤلف كتاب Outliers

مالكوم غلادول، مؤلِّف كتاب Outliers، يتحدث في مؤتمر Popteach! للأفكار الرَّائدة سنة 2008.

بدأت دراسة المنافسة بين الموهبة والممارسة الطويلة منذ وقت بعيد، فقد وضع الفيلسوف الإنكليزي جون لوك فرضيَّة «الحالة الافتراضية» منذ سنة 1690، والتي تزعم أن جميع الناس يُولدون بنفس المستوى من الإدراك والقدرات، ولا يتغيرون بعد ذلك إلا وفقاً للظروف والبيئة المحيطة بهم. نوقشت هذه الفكرة مراراً، من منطلقات فلسفية في جوهر الأمر، على مر القرون التالية، وبدأت تخضع للبحث العلمي منذ منتصف القرن الماضي. في سنة 1973، نشر عالم النفس وصاحب جائزة نوبل في الأدب هربرت سايمون نتائج بحث عن لاعبي الشطرنج، أظهر أنَّ فئة النخبة من لاعبي الشطرنج يحتاجون إلى استخدام 50,000 وحدة ذاكرة ليستطيعوا اللعب بمستوى احترافي، وهي مقدرة لا يستطيع الدماغ البشري اكتسابها إلا بمُمارسة مُكثَّفة طويلة الأمد. أظهرت بحوث أخرى أن قدرات الدماغ والذاكرة طويلة الأمد على استرجاع المعلومات بسُرعة وكفاءة، تؤدي دوراً جوهرياً في أداء المحترفين بالعديد من المجالات، وأنَّ ساعات التدريب الطويلة تلعب دوراً أساسياً في بُلوغ الأداء الاحترافي.

في سنة 2008 أصدر صحفيُّ كندي يدعى مالكولم غلادول كتاباً باسم Outliers: The Story of Success، الذي يستعرض فيه قصص نجاح عدد من الشخصيَّات الشهيرة في تاريخ الإنسانية، مثل بل غيتس وفرقة البيتلز البريطانية، ويُحاول دراسة العوامل التي قادتها إلى تحقيق إنجازاتها. مع أنَّ الكتاب تلقى مقداراً من النقد بسبب أسلوبه غير العلميّ في تناول بعض الأمور وبناء استنتاجات ساذجة عليها أحياناً، إلا أنَّه اكتسب شهرة كبيرة في وقت قصير، فقد تصدَّر قمَّة قائمة الأعمال الأكثر مبيعاً لصحيفة النيويورك تايمز لمُدَّة ثلاثة شهورٍ متتالية، ولعلَّه لعب دوراً مُهماً في توجيه اهتمام الباحثين وعامة الناس نحو مسألة المهارة والإبداع في السنوات الأخيرة. كانت واحدة من النظريات المثيرة للاهتمام التي طرحها الكتاب وتسبَّب بانتشار صيتها، هي ما يُسمَّى «قاعدة الـ10,000 ساعة»، لكن فكرة هذه القاعدة تعود، في الواقع، إلى دراسة علمية نشرت منذ سنة 1993.

تزعم قاعدة العشرة آلاف ساعة أنَّه، عندما يحاول أي شخصٍ في العالم اكتساب مهارة من نوعٍ ما، عليه التدرب عليها لمُدَّة لا تقل عن ثلاث ساعاتٍ يومياً على مدى عشر سنوات متتالية حتى يتقنها إلى درجة الاحتراف، أي بعبارة أخرى، عليه أن يصرف عشرة آلاف ساعة من حياته بمُمارستها مرَّة تلو الأخرى. حسبما تنصُّ القاعدة، ليس من الضروري أن يُصبح كل شخصٍ يصرف عشرة آلاف ساعة من حياته في التدريب على شيء مُعيَّن مشهوراً أو ذائع الصيت في مجاله، لكن جميع من حقَّقوا هذه الشُّهرة التزموا – حسبما تدعي النظرية – بهذا المقدار من التدريب كحدٍّ أدنى.

فرقة عازفي أوركسترا أسترالية من مدينة أديلادي.

كان أعضاء دراسة أندريس إريكسون الشهيرة، التي نشرت في سنة 1993، أربعين عازف كمان في فرق أوركسترا ألمانية على مستوياتٍ مختلفة الخبرة.

ظهرت فكرة قاعدة العشرة آلاف ساعة في بداية التسعينيات، عندما بدأ فريقٌ من علماء النفس في برلين بإجراء دراسة على عازفي الكمان المحترفين في عدة فرق أوركسترا ألمانية معروفَة، حيث ذهب الباحثون إلى العازفين، وسألوهم: «منذ طفولتكم، وحتى أصبحتم عازفين معتبرين في هذه الفرق، ما هو عدد الساعات التي قضيتموها بالتدرب على العزف كل يوم؟». أجريت الدراسة تحت قيادة الباحث السويدي أندريس إريكسون، وهو أستاذ جامعي مشهور بكونه باحثاً رائداً في مجال جديد في علم النفس يتعلَّق اكتساب الخبرة والمهارة، ويُسمَّى “Expertise studies”، وقد نُشِرَت دراسته في سنة 1993، تحت اسم The Role of Deliberate Practice in the Acquisition of Expert Performance، وتعني «دور الممارسة المُكثَّفة في اكتساب الأداء الاحترافي». اعتمدت الدراسة على مقارنة الوقت الذي يُقدِّر عازفو الكمان أنهم صرفوه بالتدرُّب منذ طفولتهم، مع مستوى أدائهم الفعليّ، فوجدت أنَّ مُعظمهم كانوا يبدؤون مُمارسة العزف وهم في الخامسة من عُمرهم، ويستمرون بالعزف لنفس العدد من الساعات أسبوعياً، وهو حوالي ساعتين إلى ثلاث ساعات، حتى يبلغوا سنَّ الثامنة. لكن مُنذ ذلك الوقت، تبدأ الأوقات التي يخصِّصونها للتدريب بالاختلاف بدرجةٍ كبيرة، ويختلف معها مستوى أدائهم صعوداً أو نزولاً. فالأفضل أداءً في سنوات شبابهم كانوا يعفزون لست ساعات أسبوعياً في عُمر التاسعة، ولثماني ساعات في الثانية عشرة، ولـ16 ساعة بعُمر الرابعة عشرة، وكانوا يصلون حدَّ العشرة آلاف ساعة من التدريب بحلول سنتهم العشرين. لا تقتصر هذه الساعات على المُمارسة البحتة للعزف، بل هي تشمل – بدرجة ما – كل الأنشطة المُتعلِّقة بالتعلم، مثل الاستماع إلى الموسيقى، وقراءة النوتات، ومناقشة المادة مع أشخاصٍ آخرين.

بالنسبة لجميع العازفين الذين تضمَّنتهم الدراسة، كان مستوى مهارتهم متوافقاً تماماً مع عدد مُعيَّن من الساعات قضوها بالتدرُّب، دون أن يختلف عدد ساعات التدريب بأي مقدار ذي قيمة لأشخاص مُعيَّنين لأن لديهم “موهبة طبيعيَّة” استثنائية أو شيئاً كذلك. فمثلاً، كانت المدة التي صرفها أصحاب الأداء الـ”متوسط” في التدريب من حياتهم حوالي 6 آلاف ساعة، أما من كان أداؤهم “ضعيفاً” فقد تدرَّبوا لأقل من ألفي ساعة، وهكذا. ذلك يعني، حسبما زعمت الدراسة، أنَّه لا وجود لموهبة فطرية تحكم قدرات الناس في العزف، بل إن نجاح العازفين في مهنتهم يرجع – بالغالبية العُظمى منه – إلى مقدار الوقت الذي استثمروه بتنمية مهاراتهم ومُمارسة ألحانهم.

أظهرت دراسة أندريس إريكسون أنَّ الناس قد يكونون قادرين على تجاوز نقصهم في مهارات مُعيَّنة، وتطوير إدراكٍ وقدرات جديدة تماماً فيها، بمُجرَّد ممارستها على مدى فترات زمنية طويلة. فحتى لو كانت لدى أحد لاعبي الشطرنج ذاكرة ضعيفة، أو لو كانت بديهة أحد العازفين بطيئة بحيث لا تساعده على العزف بالسرعة المناسبة، فسيكونون قادرين على تجاوز هذه الأنواع من النقص بالتدريب الطويل. ومع أنَّ إريكسون تحدث عن وُجود عوامل أخرى مُهمَّة أثرت على احتراف العازفين لعملهم، مثل حُصولهم على الدعم النفسي من الأشخاص المُقرَّبين منهم، واستمرار حافزهم الذاتيّ الذي يدفعهم للتدريب، وعدم تعرُّضهم لإصابات أو عوائق مشابهة، إلا أنَّه أصرَّ على أن تكون مدة التدريب هي العامل الحاسم والنهائي في تحديد درجة مهارتهم، وقدَّم نتائج تُدلِّل – بدرجة أو بأخرى – على ذلك الادعاء.

حازت دراسة أندريس إريكسون شعبيَّة كبيرة في المُجتمع العلمي وبين عامة الناس على حدِّ سواء، فقد حظيت بأكثر من 4,200 استشهاد في أوراقٍ علميَّة منشورة، وذاعت في صيتها على الإنترنت وفي الكُتب، خصوصاً بعد أن ذكرها مالكوم مراراً غلادول في كتاب Outliers. يُمكن القول أن عدداً جيداً من الباحثين والكتاب في مجال علم النفس، قد اعتبروا قاعدة العشرة آلاف ساعة أو السنوات العشر، أشبه بحقيقة علميَّة لفترةٍ جيدة بعد نشر دراسة إريكسون.

وجهة نظر العلم الحديث:

لاعب الشطرنج بيتر لاليك في سنة 2012.

بدلاً من التركيز على عازفي الموسيقى، قارنت دراسة ديفيد هامبرك (المنشورة سنة 2014) بين عوامل نجاح الناس في مجالاتٍ متنوِّعة، من أبرزها لعبة الشطرنج.

عشرة آلاف ساعة هي مُدَّة كبيرة جداً من الوقت، فهي تعني أنَّك لو قضيت ثلاث ساعاتٍ يومياً بالتدرب على مهارة مُعيَّنة، ستحتاج عشر سنواتٍ كاملة لكي تتقنها. قد يبدو من المنطقي أن أيَّ شخصٍ يتدرَّب على مهارة ما لمثل هذه المدة، لا بُدَّ وأن يحترفها في نهاية المَطاف، لكن وعلى نحوٍ مفاجئ، فإن البحوث التي تبعت دراسة أندريس إريكسون منذ سنة 1993 لا ترى ذلك. فمع أنَّ فكرة العشرة آلاف ساعة التي طرحها أندريس ظلَّت قائمة لفترة من الزمن، وحظيت بشعبيَّة عالية بين باحثي علم النفس لسنواتٍ عديدة، إلا أنَّها لم تعُد رائجة جداً في هذه الأيام. في الواقع، توحي الكثير من الدراسات الحديثة بأنَّ العمل الشاق، رُغم أهميَّته الكبيرة، قد لا يكون سوى عامل واحد مؤثِّر في نجاح الناس، لكنه بعيدٌ عن أن يكون بمرتبة عامل حاسم.

مع أنَّ الممارسة الطويلة تجعل الأداء يتحسَّن بالتأكيد، لكنها، على الأقل في نوع مُعيَّن من المجالات، قد لا تكون بديلاً كافياً عن الموهبة الفطرية. جاءت الضربة الكبيرة لدراسة أندريس إريكسون، والتي غيَّرت وجهة نظر المجتمع العلمي حول موضوع الموهبة بدرجة كبيرة، حديثاً جداً. حيث نُشرت في سنة 2014 دراسة تعاونيَّة بين باحثين في علم النفس من جامعات أمريكية عدَّة، من بينها جامعتا ميشيغان وبرونيل، تحت إشراف الأستاذ الجامعيّ ديفيد هامبرك. اعتمدت هذه الدراسة على مبدأ شبيه بدراسة إريكسون في التسعينات، فقد قارنت الأوقات التي صرفها عددٌ من لاعبي الشطرنج وعازفي الموسيقى والرياضيِّين والمدرسين بمُمارسة مهنهم مع مستوى أدائهم فيها. لكن في هذه المرَّة، لم يُحاول أعضاء الدراسة استجواب الأشخاص الخاضعين لها بأنفسهم، بل قاموا بجمع عددٍ كبيرٍ من الدراسات السابقة الموثَّقة، يبلغُ عددها 88 ورقة بحثية صادرة عن جامعاتٍ مختلفة، وقارنوا نتائجها بعناية لاستخلاص ما يُمكن من أدلِّة منها. بحسب النتائج التي توصَّل لها الباحثون، قالوا أنَّ الدراسات السابقة كانت قادرة على ربط عدد ساعات التدريب مع مستوى الأداء عند حوالي 12% من الأشخاص الخاضعين لها فحسب، أما الـ88% الآخرون فلم يكن من المُمكن تفسير مهارتهم بهذه الطريقة، فقد كان أداؤهم مُختلفاً اختلافاً كبيراً عن النتائج المتوقَّعة حسَبَ الأوقات التي قضوها في التدريب.

بصورةٍ عامة، تبيَّن أن تأثير التدريب طويل الأمد على المهارات التكرارية وثابتة الوتيرة (مثل جري المسافات الطويلة) أعلى بكثيرٍ منه على المهارات غير المُتوقَّعة (كالتعامل مع كارثة طيران).  الأدهى من ذلك هو أنَّ تأثير ساعات التدريب على الأداء كان أعلى بنسبة كبيرة في الدراسات المعتمدة على التقدير، حيث يُقدِّر المشاركون المُدَّة التي كانوا يقضونها بالتدريب كل يوم، منه في الدراسات المعتمدة على السجلات اليوميَّة، والتي يُدوِّن فيها المشاركون فترات تدريبهم كلَّ يوم، وبالتالي تكون أعلى بمقدارٍ معتبر من الدقة. في الحقيقة، عندما نأخذ الدراسات التي احتفظ فيها المُشاركون بيوميَّات على حدة، لن تكون نظرية العشرة آلاف ساعةٍ قادرة على تبرير أداء أكثر من 5% من الأشخاص المُتضمِّنين في هذه الدراسات. ليس ذلك فحسب، فقد أظهرت دراسة ديفيد هامبرك أيضاً وُجود اختلاف لا يُستهان به في قدرة الفترة التي قضاها شخصٌ بالتدريب على تفسير أدائه الجيِّد عند مقارنة مجالاتٍ مختلفة ببعضها بعضاً، ففي حين أنَّ قدرة اللعب لدى 26% من لاعبي الشطرنج كانت مرتبطةً بالجُهد الذي بذلوه في مُمارسة اللعبة، فإنَّ هذا الارتباط ليس موجوداً إلا عند 21% من عازفي الموسيقى، و18% من الرياضيين، و4% من المُدرِّسين المتخصِّصين.

المهارة مقابل الموهبة، مقارنة بين الموسيقى والألعاب ومجالاتٍ أخرى.

تُبيِّن هذه الرسوم البيانية دور التدريب (باللون الرمادي الفاتح) في اكتساب المهارة بمجالاتٍ مُختلفة، حسب دراسة ديفيد هامبرك المنشورة سنة 2014. مع أنَّ التدريب أثبت وُجود تأثير لا يُستهان به بالنسبة للاعبين الرياضيِّين، إلا أنَّ تأثيره يبدو شبه منعدمٍ على مجالاتٍ أخرى.

بحسب ما توصَّل إليه القائمون على هذه الدراسة، فإنَّ التدريب المُكثَّف يمكن أن يكون ضرورياً لتحقيق النجاح في حالات مُعيَّنة، لكن، لو لم تكن لدى الشخص المؤهلات الكافية ليكون ناجحاً في مجاله، فإنَّ صرفَ عدد كبير من الساعات بالمُمارسة الشديدة قد لا يساعده كثيراً. من جهةٍ أخرى، تبيَّن أن بعض الأشخاص الاستثنائيين قادرون على أن يحقِّقوا أداءً ممتازاً بعدد محدود جداً من ساعات التدريب. لكن، بالرُغم هذه النتائج، عليك أن تدرك أن هذه الدراسة تمكَّنت من رَبط 12% من أسباب نجاح الناس بالتدريب، لكنها لم تزعم أن النسبة الباقية عائدة إلى الموهبة المحضة أو حمض الـDNA وحده. ليسَ للموهبة تعريف دقيق متفقٌ عليه في المُجتمع العلمي حالياً، إلا أنَّ مُعظم الدراسات تميلُ الآن إلى وُجود عوامل  كثيرة مُختلفة يُمكنها أن تؤثر على أداء الناس في مجالات ومهاراتٍ مُعيَّنة، والتي لا يُمكن بحالٍ نسبُها جميعاً إلى الموهبة فقط. فمثلاً، للعُمر الذي يبدأ عنده الشخص تعلم مهارة مُعيَّنة أهميَّة كبيرة بسُرعة وجودة إتقانه لها، فثمَّة اختلافٌ لا يستهان به بين من يبدؤون تعلم عزف الموسيقى قبل الدخول إلى المدرسة، ومن لا يمارسونها حتى العشرينات. التشجيع من العائلة والأصدقاء أيضاً عاملٌ جوهري، فمن دونه لا يُمكن إلا لأشخاص قليلين ملاحقة شغفهم. عدا عن ذلك، فإنَّ الوُصوليَّة إلى مصادر التعلم، والحصول على الفرصة للتدريب، ومستوى الذكاء، وقوة الشَّغف الذاتي، والحصول على الإلهام، وفي النهاية الحظّ البحت، كلُّها عوامل تؤثر على تحقيق النجاح في أيِّ مجالٍ من المجالات.

يظهر الرسم البياني أدناه العلاقة بين الموهبة والعمل الشاق في الأداء وفق دراسة ديفيد هامبرك. حسبما يُبيِّن الخط الأزرق الصاعد، يُمكن لبعض الأشخاص ودون أي تدريب مُسبَق أن يظهروا أداءً ممتازاً في بعض المجالات، اعتماداً على موهبتهم الطبيعية وحدها. من جهة أخرى، يدلُّ الرسم على أن من يبذل جهداً كبيراً لاكتساب مهارة من المهارات، يُمكنه الوصول إلى مستوى أداء ممتازٍ فيها بمُجرَّد التدريب المستمر. ذلك يُمكن أن يعني أن العمل الشاق، حتى لو لم يكن كافياً لتحقيق نجاح باهر في مجال ما أو جعلك واحداً من أفضل الأشخاص فيه، إلا أنَّه قادر على رفع مستوى أدائك بدرجة كبيرة جداً، ومن الواضح – على الأقل – من الرسم البياني أنَّه عندما يخضع الجميع للتدريب الطويل والمُكثَّف، فإنَّ الفارق بين أصحاب الموهبة الطبيعية ومن يفتقرون إليها، يتقلَّص كثيراً. فمع أنَّ الشخص الذي يفتقر للموهبة لكنه يتدرب لسنوات على العزف على الناي مثلاً، قد لا يستطيع – طوال حياته – الانضمام إلى فرقة أوركسترا عالمية، إلا أنَّه قد يُصبح عازفاً جيداً تماماً، وقد يتمكَّن من عرض موهبته في مسارح صغيرة كثيرة وأن يكتسب شهرة محلية جيِّدة.

يُظهر هذا الرسم البياني، حسب دراسة ديفيد هامبرك المنشورة في سنة 2014، قدرة الناس على أداء مهام مُعقَّدة دون تدريب مكثف. المحور الرأسي يُعبِّر عن جودة الأداء، فكُلَّما ارتفع الخط أظهر ذلك أداء أفضل للمهارة، أما المحور الأفقي فهو يُعبِّر عن المهارة الطبيعية أو “الذكاء” في هذه الحالة، فكُلَّما اتجه الخط إلى اليمين عبر عن مستوى ذكاء أعلى. يعود الخط الأحمر إلى أشخاصٍ قضوا ساعات طويلة بالتدرب على هذه المهارة، أما الخط الأزرق فيعود لأشخاص لم يبذلوا أي جهد يذكر في ذلك.

نشر الصحفي والكاتب الأمريكي ديفيد إبستين في سنة 2013 كتاباً بعُنوان The Sports Gene انتقدَ فيه قاعدة العشرة آلاف ساعة، وكذلك أبحاث أندريس إريكسون في مجال الخبرة. يسير الكتاب على نفس نهج Outliers الصَّادر قبله بخمس سنوات، حيث يستعرض قصَص حالات نجاح مشهورة واحدة تلو الأخرى ليُدعِّم استنتاجاته، لكن في هذه المرة وعوضاً عن تناول قصص أشخاصٍ قضوا سنوات طويلة في التدريب، يتحدث إبستين عن رياضيِّين تمكنوا من تحقيق نتائج مُبهرة في بعض المنافسات دون أي تدريب مُسبَق يذكر. مع أنَّ إبستين يُقدِّم وجهة نظر مُتطرِّفة قليلاً اتجاه الموهبة في كتابه، إلا أنَّ طرحه – عند التغاضي عن تلك المبالغة – متوافق إجمالاً مع التوجُّه الحديث في الأبحاث العلميَّة نحو اكتساب الخبرة، والتي لم تعد ترى الممارسة المُكثَّفة العامل الأساسي الوحيد في تطوير المهارة.

ما هي النتيجة؟

حصَّة مدرسة ثانوية في ولاية جورجيا الأمريكية.

حتى لو تلقى الجميع تعليماً بنفس المستوى والأسلوب منذ سنين مُبكِّرة، فإنَّ أدائهم في أي مادة سيختلف اختلافاً شديداً.

في الوقت الحالي، لم يَعد ثمَّة قبولٌ كبير في المجتمع العلمي لفكرة قاعدة العشرة آلاف ساعة، فعوضاً عن اعتبارها “قاعدة” مُطلقة أو ذات أهمية جوهرية، أصبحت تعامَل وكأنها محض “مُعدَّل”. فمثلاً، إذا أحضرتَ مجموعة عشوائية من الناس، وطلبتَ منهم التدرب على مهارة مُعيَّنة، كالعزف على البيانو، يمكننا توقُّع أن المعدل الوسطيَّ – إحصائياً – للوقت الذي سيحتاجونه لاحتراف العزف سيكون نحو 10,000 ساعة من التدريب، إلا أنَّ هذا الرقم (ورغم كونه وسطياً) لن ينطبق إلا على عيِّنة محدودة من الناس، وقد لا يعني أيَّ شيءٍ بالنسبة للكثير منهم، حيث يُمكن أن يستطيعوا إتقان العزف في وقتٍ أقصر بكثير، أو قد لا يتمكنون من إتقانه أبداً، وقد اعترف بذلك أندريس إريكسون نفسه في بحث حديث له، قائلاً أنَّه: «ما من شيء مُميَّز بالحقيقة في رقم العشرة آلاف ساعة بالذات». فالحقيقة المؤسفة، كما وصفها عالم النفس ستيفن بانكر، هي: «فكرة أن جميع الناس يُولدون متساوين في قدراتهم، قد اندثرت منذ زمنٍ بعيد»، وحتى لو تدرَّب الجميع بنفس المقدار وبالجُهد ذاته، فسينتهون بقدراتٍ مختلفة جذرياً.

إذاً ما الذي يؤثر على اكتساب الناس للمهارة أيضاً؟ على أرض الواقع، لا أحد يعرف تماماً. ممَّا لا شك فيه أنَّ ما يُسمِّيه الناس “الموهبة” أو “الجينات” عاملٌ جوهريٌّ في النجاح والإبداع، لكن فهم العلم للموهبة لا زال محدوداً جداً. يُعرِّف بعض الباحثين الموهبة بأنَّها «مجموعة من الصفات الشخصيَّة التي تساعدنا على إتقان مهارة ما بطريقة أفضل من باقي الناس»، لكن عدد هذه الصفات كبير جداً، وطريقة تفاعلها مع بعضها مُعقَّدة بدرجة كبيرة، بحيث لا يُمكن بحثها وتقصيها على حدا في دراسة علميَّة. فما يُهم ليس الصفات الفرديَّة التي تصنع الموهبة، كالذاكرة القوية أو البديهة السَّريعة أو الاستيعاب الجيِّد، وإنَّما الناتج النهائي عن تفاعل كل هذه الصفات مع بعضها لدى شخصٍ مُعيَّن. ففي الكثير من الحالات على سبيل المثال، يُمكن لهذه الصفات الفرديَّة أن لا تتطوَّر عند الشخص الواحد بالتوازي مع بعضها، فقد يمتلك أحدهم قدرات خطابيَّة ممتازة، لكن طبيعته الخجولة أو غير الاجتماعية  ستمنعه من مشاركتها مع الآخرين، وبالتالي قد لا تبرز موهبته حتى مرحلةٍ متأخرة من حياته. في مثل هذه الحالة، قد يبدو أنَّ الموهبة لم تكن موجودة أصلاً لدى ذلك الشخص من قبل، لكنَّها في الواقع كانت تحتاج أن تنضج فقط، باكتمال إتقانه للصفات الفرديَّة التي يتطلَّبها تكوين الموهبة.

مكعب روبك

من جهةٍ أخرى، وحتى بعد الاعتراف بالدور الجوهريّ للموهبة في اكتساب المهارات، فذلك لا يعني أنَّ مصدر الموهبة هو – ببساطة – مُجرَّد الجينات التي نرثها عن آبائنا. في الحقيقة، اختلفت النظرة العلميَّة حول أثر الجينات على تطور قدراتنا بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة، إذ أصبحت تميل إلى أنَّ الجينات ليست شيئاً حاسماً أو ثابتاً، وإنَّما هي عُرضة للتغير والتطور استجابة للظروف التي نمرُّ بها. يقول عالم الأحياء في جامعة كامبردج باترك بيتسون محاولاً وصف ذلك: «يبدأ الإنسان حياته مع استعداديَّة في جيناته للتطور في اتجاهاتٍ كثيرة مُختلفة، والذي يُقرِّر أي واحد من هذه الاتجاهات سيسلك فيما بعد، هو البيئة التي تُحيط به.. والطريقة التي تؤثر بها عليه». لم تأتي وجهة النظر هذه من مناقشات نظريَّة بحتة، بل بسبب مجموعة متنوِّعة من التجارب العلمية التي أجريت مُنذ خمسينيات القرن المنصرم. فقد أظهرت واحدة من هذه التجارب، وقد نشرت سنة 1958، أنَّ الفئران المنحدرة من  سلالات جينيَّة شديدة الذكاء، يُمكن أن تظهر مستوى عادياً تماماً منه (بالنسبة للفئران الأخرى) عندما توضع في بيئات مُعيَّنة. لا بُدَّ وأن الجينات تؤدي دوراً ذا أهمية كبيرة في اكتساب الخبرات والمهارات، لكنَّها هي أيضاً محض جزء من عمليَّة مُعقَّدة تجتمع فيها عوامل كثيرة، ويُمكن النظر إليها كمحض صفة بشريَّة أخرى لها القدرة على التغير مع مرور الزمن.

على أيِّ حال، ليس من الصَّحيح النظر إلى الموهبة والممارسة على أنَّهما مفهومان متعارضان، فهُما – على العكس تماماً – مُكمِّلان لبعضهما بعضاً، وليست ثمَّة قيمة تذكر لأحدهما دون الآخر. ومع أنَّ نسبة تأثير كل منهما على مهارات الناس قد تختلف، وقد تتغيَّر وجهة نظر العلم حولها باستمرارٍ على مرِّ السنوات القادمة، إلا أنَّ الواضح أن كلاهما يؤدي دوراً مهماً في العملية. إنَّ إتقان البشر لمهارة ما يتطلَّب اجتماع عوامل كثيرة جداً، فحتى عند توفر الموهبة العالية والتدريب الجيِّد، يُمكن للافتقار إلى الحافز والرَّغبة الحقيقيَّة بالتعلُّم أن يكون كفيلاً بتدمير مُعظم الآثار الإيجابية للعاملين السَّابقين، وفي مُعظم الحالات، قد يكون انعدام الدعم النفسي من المُجتمع والتشجيع من الأصدقاء سبباً كافياً لمنع أي موهبة من الازدهار.

البشر لا يولدون بقدراتٍ متساوية، لكنهم ليسوا محكومين بما يولدون عليه، فكل شخصٍ له إمكانات خاصَّة به، وفرصة لتطوير قدرات جديدة بعمله الشاق. مع أنَّ الجينات الموروثة والموهبة الفطرية قد يؤثران بدرجةٍ عالية على فرص الناس في الحياة، إلا أنَّهما ليسا قادرين على تقرير مصير أي شخص. وفي النهاية، مثلما أن الأشخاص الذين ينعمون بمواهب استثنائية نادرون جداً في عالمنا، فإنَّ من لديهم الاستعداد لإفناء ساعات وسنوات طويلة بالعمل الشاق وبناء المهارة من العدم هم أيضاً نادرون للغاية، ولهُم مكانهم المُميَّز في هذا العالم بدورهم. قد لا يولد جميع الناس والطريق السَّهل للنجاح متاح أمامهم، لكن لا أحد تقريباً يُولد هكذا، فكلُّ من حقَّقوا إنجازات كبيرة في تاريخ البشرية، لم يصلوا إليها إلا بجُهدٍ عظيم.

ختام مؤتمر ويكي عربية لسنة 2016


338px-wikiarabia_logo-svg

شعار ويكي عربيَّة!

انتهى مؤتمر ويكي عربية الثاني المُقام في مدينة عمَّان بالأردن يوم السبت الفائت، بعد ثلاثة أيام من النشاطات المُكثَّفة التي جمعت أكثر من 70 ويكيبيدياً من المنطقة العربية، فضلاً عن عددٍ من الدول الأجنبية. كانت المٌشاركة في ويكي عربية، كمراقبٍ ومُنظِّم، واحدة من أفضل التجارب التي حظيت بها في حياتي، فمع أنَّ المؤتمر قد لا يكون الأعلى نشاطاً أو الأكثر ازدحاماً بالفعاليات، إلا أنَّه – بنظري – يُؤدِّي دوراً مُهماً جداً في هذا الوقت بالنسبة لمنطقتنا، ويُمهِّد لولادة مُجتمعٍ ويكيبيدي نشط ومُنظَّم على امتداد الدول العربيَّة.

لم يكن ويكي عربية من أكبر مؤتمرات ويكيبيديا أو أفضلها تنظيماً بالضرورة، لكنه يؤدي دوراً جوهرياً بالنسبة للويكيبيديين العرب، فقد جاء هذا المؤتمر في أعقاب تأسيس مُنظَّمات مُمثلة لحركة ويكيميديا في تسع دول عربيَّة على مدى السنتين الفائتين، هي تونس والجزائر والمغرب ومصر والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن. هذه المنظمات مُهمِّة جداً في تنشيط الفعاليات المُتعلِّقة بويكيبيديا ومشاريعها الشقيقة في دول العالم، لكن ومنذ عامين فقط، لم يكُن لها وجود في أي دول عربية. عدا عن ذلك، تولَّت تنظيم هذا الحدث مجموعة الويكيبيديين في بلاد الشام المُنبثقة حديثاً، والتي لم يَحظَ مُعظم أعضائها بتجربة مثل هذه من قبل، وقد كان ويكي عربيَّة لهذا العام المؤتمر العربي الثاني في تاريخ المنطقة بعد ويكي عربية في تونس الذي أقيم العام الماضي، لذا فمن المُحتمل أن يُهيِّء لانعقاد مؤتمر سنوي خاص بويكيبيديا في العالم العربي من الآن فصاعداً.

wikiarabia_2016_day_1_285729

“حق المعرفة… حقّ مقدس”.. يا له من شعار!

بالنسبة لي، ومع أنَّي حضرت عدداً جيداً على الأرجح من تجمُّعات ويكيبيديا – ما بين مؤتمرات وورش عمل وهاكاثونات – على مر السنوات الماضية، إلا أنَّ هذه كانت أول مرة أشارك فيها بتنظيم حدث ويكيبيديّ. رغم أنَّني طالما اعتقدتُ أن حضور ملتقيات ويكيبيديا هو واحدةٌ من أفضل التجارب في العالم، إلا أنَّ ما اكتشفته خلال البضعة أيَّام الماضية هو أن تنظيمها، في الحقيقة، أفضل بكثير. فبدلاً من أن أكون مُجرَّد عضو مراقب، كنت قادراً هذه المرَّة على المُشاركة في صناعة المؤتمر، ونقل الأفكار التي كنتُ أريد أن أراها في الملتقيات السَّابقة التي حضرتُها إلى أرض الواقع. وعدا عن أي شيء، فإنَّ العمل في فريقٍ من الناس الذين يتبرَّعون بوقتهم وطاقتهم لنشر المعرفة الحرة للبشرية، كان تجربة رائعة جداً.

بداية العمل:

ظهرت فكرة ويكي عربية قبل عامٍ ونصف، عقب تأسيس مجموعة ويكيميديا تونس، التي جمعت مساهمي ويكيبيديا في دولة تونس ضمنَ مُنظَّمة واحدة، وكان من أول المشاريع التي أطلقتها المجموعة تنظيم مؤتمر ويكي عربية الأول في مدينة المنتسير. إن عقد مؤتمراتٍ خاصة بويكيبيديا مُوجَّهة نحو دول أو مناطق جغرافية مُعيَّنة أمر رائج، فثمَّة مؤتمر ويكيبيديّ سنوي يُقام في الهند، وأرمينيا، وكازاخستان، والاتحاد الأوروبي، وعدد كبير من الدول الغربية، إلا أنَّه لم يُنظَّم شيء مثل هذا من قبل في العالم العربي. أقيم المؤتمر من 3 إلى 5 أبريل سنة 2015 بحضور حوالي 50 شخص، من ضمنهم مديرة مؤسَّسة ويكيميديا التنفيذية ليلا تركتوف، وكان أداؤه ناجحاً.

كان من المُفترض أن أشارك في ويكي عربية الأول، لولا أنَّني لم أنجح بالحصول على تأشيرة سفرٍ بالوقت المناسب، مع العلم بأنَّ الخارجية التونسية أصدرت قراراً بإلغاء التأشيرة لجميع المواطنين الأردنيين بعد انتهاء المؤتمر بأقلِّ من شهر!

1024px-wikiarabia_2015_group_photograph

صورة ختام ويكي عربية لسنة 2015 في تونس.

في شهر أيَّار من سنة 2015 أعلنا عن تأسيس مجموعة ويكيميديا في بلاد الشام (وهو ما دوَّنتُ عنه هنا سابقاً)، التي جمعت مساهمي ويكيبيديا في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن تحت مظلَّة واحدة، كبادرة لتقليص شتات الويكيبيديين العرب. عملت مجموعتنا على تنظيم نشاطات صغيرة في البداية، لكن عندما تقدَّم العام وحل شهر سبتمبر دون الإعلان عن دولة جديدة تودُّ استضافة ويكي عربية، عقدنا اجتماعاً وقرَّرنا أن نعمل على إقامته لسنة 2016 في مدينة عمَّان، بالنظر إلى تمركز أكبر عددٍ من أعضاء المجموعة فيها. الحقيقة هي أنَّ مُعظم أعضاء فريق التنظيم لم يكن لديهم تخيُّل – على الأرجح – عن تجربة العمل على استضافة حدث بمثل هذا الحجم، فخبرتنا في مجال التنظيم والإدارة كانت شبه مُنعدمة، إلا أنَّ الحماس والرغبة بالعمل على مشروعٍ باسم مجموعتنا الجديدة نجحا، لحُسن الحظ، بصرفنا عن التفكير بذلك.

wikipedians_gathering2c_amman2c_29-3-2014

كان هذا اللقاء في دارة الفنون بعمَّان أحد الاجتماعات الأولى التي مهَّدت لتأسيس ويكيميديا الشام، حيث يظهر في الصُّورة مُعظم أعضاء فريق تنظيم ويكي عربيَّة.

كانت لدينا مُشكلة بسيطة، وهي أنَّ تمويل المؤتمر ليس من عندنا، بل هو آتٍ بأكمله من مؤسَّسة ويكيميديا التي يقع مقرُّها في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكيَّة، وبالتالي، كان من المُتوقَّع منا الالتزام بشروطها. يؤسفني القول بأنَّنا تجاوزنا جميع الـ”Deadlines” المُحدَّدة لنا بفتراتٍ تصل إلى بضعة أسابيع، وتأخرنا تأخراً كبيراً في تحديد الميزانية، وواجهنا عدداً غير قليلٍ من العقبات، لكن المؤسسة كانت جيِّدة كفاية لتتجاوز عن كل هذه الهفوات وتستمرَّ بالتعاون معنا. في نهاية المطاف وبطريقة ما، دعني أعترف بأنَّ النتيجة التي خرج عليها هذا المؤتمر قد فاقت، بطريقة إيجابيَّة تماماً، كافَّة توقُّعاتي كعضوٍ في فريق التنظيم.

افتتاح ويكي عربيَّة:

كنا نعقد اجتماعات للجنة التنظيم مرة في الشهر تقريباً خلال الشهور الأولى، ثم تزايد العدد تدريجياً مع دنوّ موعد المؤتمر. من بين توقُّعاتي الخاطئة عن تجربة التنظيم، والذي لستُ متأكداً مما لو كان مصدرها مُجرَّد نقص خبرتنا في العمل وبعض من الحظ الجيِّد، هي أني تخيلت أن تزداد كمية العمل العالق والمُشكلات المفاجئة  خلال الأسبوع أو الأسبوعين الأخيرين قبل انعقاد المؤتمر بدرجة كبيرة. في الواقع، ومع أنَّ كماً من الأعمال الإضافية قد ظهر بطبيعة الحال، إلا أنَّنا لم نحتج للدخول في حالة استنفار أو شيء مثل ذلك. كانت المُشكلات المفاجئة الحقيقية التي واجهتنا – بصورة أساسية – هي أن عدداً من الحُضور (الذي أمنَّا لهم بالفعل مصاريف تذاكر السفر والإقامة) فشلوا بالحصول على تأشيرة للأردن، أو واجهتهُم ظروفٌ مفاجئة منعتهم من المجيء. كانت هذه الأنباء غير المتوقعة مُزعجة جداً، لكننا كنا مُضطرِّين للاستسلام لعدم قدرتنا على فعل شيء حيالها.

wikiarabia_2016_day_1_28529

افتتاح باب التسجيل وتوزيع السترات والحقائب، قبل بدء فعاليات المؤتمر بنصف ساعة.

كان من المُحتمل أن تعلق بعض القضايا الأخرى حتى موعد المؤتمر أو بعده، مثل بعض المطبوعات التي تأخَّرنا في إرسالها إلى المطبعة، لكن ولحُسن الحظ، أمنت كل المسائل الضرورية بحلول ليلة الافتتاح. قد لا يكون من الضروري ذكر أنَّنا اضطررنا للسهر للساعة الثانية صباحاً في تلك الليلة، والذهاب للافتتاح دون نوم تقريباً، لأننا – على الأقل – نجحنا بالتأكد من جاهزية كل شيء قبل اليوم الكبير.

افتُتح باب التسجيل للمؤتمر في الساعة التاسعة صباحاً، يوم الخميس الماضي 24 آذار. مع أنَّني، حسبما يفترض، أمين سر المؤتمر، إلا أنَّ نقص الكادر جعلني أقف على طاولة التسجيل في أثناء الافتتاح، حيث نسجِّل أسماء الحضور ونُسلِّمهم بطاقاتهم وحقائبهم ومعاطف ويكيميديا الشام المطبوعة لهم، والحقيقة أن المهمَّة كانت ممتعةً نوعاً ما. كنتُ أعرف مُسبقاً معظم حضور المؤتمر، لأني قابلتهم في ملتقيات ويكيبيديَّة سابقة أو لأننا على معرفة جيِّدة عبر الإنترنت، لكنني حصلت أيضاً على الفًرصة لأتعرَّف على عدد من الأشخاص الجُدد المثيرين للاهتمام، مثل طلبة برنامج ويكيبيديا التعليمي الجامعيِّين في مصر وفلسطين، وأعضاء من مبادرة بالعربي، وعدد من الوُجوه الويكيبيدية الجديدة عليّ.

wikiarabia_2016_286329

المحاضرات تبدأ.

كما تجري العادة، ولأننا لسنا مُبدعين على نحو خاصٍّ فيما يتعلَّق بمراسيم افتتاح المؤتمرات، بدأنا الحدث الكبير بعددٍ من الكلمات التقديمية النموذجية. ألقت رئيسة فريق التنظيم، مرفت سلمان، كلمة سريعة تعريفيَّة عن ويكي عربيَّة، أعقبها عضو مجموعة ويكيميديا في بلاد الشام نضال جرَّار (وهو أيضاً أحد المُنظِّمين) الذي ألقى حديثاً قصيراً عن فكرة تأسيس مجموعةٍ تُوحِّد دول الشام الأربعة، وآمالنا بتوسيع دائرة التعاون هذه لتشمل كل دول العالم العربي تحت مظلَّة واحدة، وأخيراً جاء خطاب من المدير التنفيذي للشؤون الثقافية في أمانة عمَّان، والذي لم أركِّز كثيراً في الواقع بأيٍّ ما كان يقوله.

كانت الفقرة التالية جيِّدة بالنسبة لي. جاء الدور على مُمثلِّي مؤسَّسة ويكيميديا، وهي الهيكل التنظيمي والقانوني وراء ويكيبيديا، ليُشاركوا في الافتتاح. بدأت الفقرة بعرض فيديو لمديرة المؤسَّسة التنفيذية كاثرين ماهر، وهي مديرة مؤقتة للمؤسسة انتخبت على عجلٍ بعد تقديم المديرة السابقة (ليلا تركتوف) استقالتها في الشهر الماضي، بسبب تدهور سُمعتها في مجتمع ويكيبيديا وتزايد الاعتراضات على سياساتها الإدارية. كنا قد أرسلنا دعوة لكاثرين لحُضور ويكي عربيَّة، لكنها اعتذرت عن ذلك لازدحام جدولها الحاليّ، واستعاضت عن القدوم بتسجيل فيديو قصير مدته دقيقتان ليُعرَض في الافتتاح، تحدَِّثت فيه عن تجربتها مع مؤتمر ويكي عربية السَّابق في تونس، وامتدحت مراراً النشاط الويكيبيديّ الكبير بالمنطقة العربية. لعلَّ مُعظم ما ورد في الفيديو هو مجاملات فارغة، لكنه كان إضافة لطيفة لحفل الافتتاح.

wikiarabia_2016_day_1_282529

طاي فلانغان، أحد ممثلي مؤسَّسة ويكيميديا، في كلمة الافتتاح.

بعد انتهاء الفيديو، صعد إلى المنصَّة ممثلو مؤسَّسة ويكيميديا الحاضرون، ليشاركوا أيضاً بكلماتٍ قصيرة ومختصرة تُعبِّر عن آمالهم من المؤتمر. وقف طاي فلانغان، مدير برنامج ويكيبيديا التعليميّ في الشرق الأوسط، وقال أنَّ لديه بعض الهدايا للمُنظِّمين. كان بحوزته عدد من المعاطف المطبوعة لويكيبيديا، والتي رغبتُ بالحصول على واحد منها منذ زمن طويل. ثم وبعد تسليمه للمعاطف، استئنف حديثه قائلاً أن لديه المزيد من الهدايا لمرفت وعبَّاد، لأنهما قاما “بمُعظم العمل الصَّعب في تنظيم هذا الحدث”، ومع أني – بأمانة تامَّة! – لا أعتقد أن تلك العبارة كانت دقيقة فيما يتعلَّق بي، إلا أنَّني حصلت على قميص رائعٍ عليه صورة محطَّة الفضاء الدولية، والتي اختارها طاي لي بسبب هوسي الشديد بالفضاء.

ويكيبيديا صفر:

wikipedia_zero_countries_as_of_january_1_2016

لدى مشروع ويكيبيديا صفر اتفاقيات فاعلة حالياً مع شركات اتصالات في جميع هذه الدول.

شغل موضوع يكيبيديا صفر واحدةً من أولى جلسات المؤتمر. ويكيبيديا صفر أو Wikipedia Zero هو مشروع أطلقته مؤسَّسة ويكيميديا في سنة 2012، يهدف إلى محاولة إيصال ويكيبيديا إلى أكبر عددٍ من سكان الدول النامية، وذلك بعقد اتفاقيات مع شركات الاتصالات المحليَّة للسَّماح لزبائنها بتصفُّح ويكيبيديا مجاناً. يُغطي هذا المشروع الطَّموح حالياً 82 شركة اتصال في 64 دولة من دول العالم، ويُقدَّر عدد الناس المستفيدين منه بحوالي 600 مليون شخص. يستهدف هذا المشروع مستخدمي الهواتف الذكية بدرجة خاصة، فقد جاء بعد نجاح الفريق التقني في مؤسسة ويكيميديا بتطوير واجهة الموسوعة لتدعم التصفُّح والتعديل بأجهزة الجوال، وهكذا أصبح بإمكان سُكان الدول الفقيرة الذين لا يملكون أجهزة حاسوب أن يستخدموا ويكيبيديا ويُساهموا فيها بهواتفهم وحدها.

كان لدينا شخصٌ مناسب جداً للحديث عن هذا الموضوع، فالمسؤول الحالي عن شراكات ويكيبيديا صفر في منطقة الشرق الأوسط هو جاك رباح من الأردن، والذي تحدث في مداخلته عن محاولات توسيع هذه الشراكات في المنطقة العربيَّة، والنجاحات التي أمكن تحقيقها حتى الآن. يُغطي ويكيبيديا صفر في الوقت الحاضر ثلاث دول عربيَّة، هي الأردن (بالتعاقد مع شركة أمنية) والجزائر (شركة جازي) والمغرب (شركتا إنوي والاتصالات المغربية)، فلو كانت شريحة اتصالك مُصدرة من إحدى هذه الشركات، يمكنك تصفُّح مقالات ويكيبيديا الآن دون مقابل. كانت لدى مؤسسة ويكيميديا شراكات شبيهة مع شركة موبايلي في السعودية، وأورنج في الأردن، وشركة أو اثنتين في مصر، لكن مدة الاتفاقيات المُحدَّدة لها قد انقضت، ولم تعرض شركات الاتصالات تجديدها.

بعد انتهاء جاك، جاء الدور على مصعب بنات من الأردن ليقصَّ تجربته الناجحة في استعمال ميزة ويكيبيديا صفر. مصعب هو إداري في ويكيبيديا العربية وله أكثر من 50 ألف تعديل على الموسوعة، لكنه لا يمتلك جهاز حاسوب، بل هو يقوم بكلُّ مساهماته عبر هاتفه الخلوي وبالاستفادة من خاصية التصفح المجاني. كان من المُلهم أن نحصل بعد عرض جاك التعريفي، على مثالٍ ناجحٍ من المنطقة العربية على كم من المُمكن أن تكون خاصية التصفح المجاني لويكيبيديا مفيدة.

نقاش ممثلي مجموعات ويكيميديا:

wikiarabia_2016_day_1_286829

استعداد ممثلي مجموعات ويكيميديا العربيَّة، قبل بدء فقرة النقاش المفتوح بقليل.

عليَّ القول أن هذه الفقرة كانت واحدة من أكثر جلسات المؤتمر التي اهتممتُ بها وعلَّقت آمالاً عليها. اقتُرِحَت هذه الفكرة للمرَّة الأولى قبل موعد المؤتمر بخمسة أو ستة شهور، وأعتقد أن مُعظم أعضاء فريق التنظيم كانوا مُتحمِّسين لها بدرجة عالية. مجموعات ويكيميديا هي ظاهرة جديدة في العالم العربي، آخذة بالانتشار والتطور بسُرعة كبيرة، فخلال عامين فقط أصبحت لدينا مجموعات تمثيليَّة في تسع بلدان عربيَّة مختلفة. هذه المُنظَّمات هي الحاضنة والمُحرِّك الأساسي لكل الفعاليات والأنشطة المُتعلِّقة بويكيبيديا في أنحاء العالم، ولذلك فإنَّ التواصل والتعاون بينها، خصوصاً عندما تكون متقاربة جغرافياً إلى هذا الحدّ، أمر جوهريّ، ويُمكن لجلسة تجمع ممثلين من كل واحدة من المجموعات العربية، أن تؤتي نقاشات مثمرة جداً.

للأسف، وبما أنِّي أفضل أن أكون شفافاً عندما أكتب على مدونتي، عليَّ القول أن النتيجة كانت بأقل ما يُمكن قوله، مُحبطة جداً. بذل فرح مستكلم، وهو عضو في فريق التنظيم من فلسطين، جُهداً جيِّداً بمحاولة تنظيم جلسة النقاش وتحديد محاور لها، لكن لم يكن معه الكثير من الوقت، لأنَّنا أعطيناه مهمَّة الإشراف على الجلسة قبل انعقادها بيومٍ واحد فقط.

wikiarabia_2016_day_1_288929

الحضور يناقشون المواضيع المطروحة.

بدأت الجلسة النقاشية بتعريفٍ عام عن كل واحدة من مجموعات ويكيميديا في المنطقة العربيَّة. تحدث كل ممثل عن تجربة دولته في تكوين مجموعتها، والصعوبات الأساسية التي واجهتهم، والأداء الذي يقومون به في الوقت الحالي. لكن وبعد الانتهاء من ذلك، بدا أنَّ من الصَّعب توجيه الجلسة في اتجاه مُحدَّد مُثمِر. كان ثمَّة الكثير من التشتت، ولم يتفاعل الحُضور بالدرجة الكافية – بنظري – مع المواضيع المَطروحة، فقد كانت نوعيَّة القضايا التي يناقشها ممثلو المجموعات تتطلَّب تفاعلاً عالياً من الجُمهور برأيي، لأنها تمسُّ مُجتمع ويكيبيديا العربية بأكمله وتهم جميع المتواجدين. لا أدري لو كان يُمكن وصف هذه الجلسة بأنها ناجحة بأي طريقة، لكني أرجو – على الأقل – أن تكون بادرة لعقد جلسات مشابهة في المؤتمرات اللاحقة، لتساعد على مناقشة القضايا الجوهريَّة بالنسبة لأنشطة ويكيبيديا في العالم العربي.

تنظيم مجموعة ويكيميديا إيطاليا:

wikiarabia_2016_day_1_288129

جينيفرا تتحدث عن ويكيميديا إيطاليا.

كما سبق وأن قلت، مجموعات ويكيميديا موجودة في العديد من دول العالم، بما في ذلك مُعظم الدول المُتقدِّمة. في المحاضرة الأخيرة قبل ساعة الغداء من اليوم الأول للمؤتمر، تحدثت جينيفرا سانفيتيل عن الطريقة المناسبة لإدارة مؤسسات ويكيميديا، مستشهدة بتجربتها كعضوة في مجلس إدارة مُنظَّمة ويكيميديا إيطاليا.

كانت المحاضرة عامَّة إلى حد ما، فعوضاً عن الخوض في التفاصيل والمُشكلات المُحدَّدة التي يُمكن أن أتوقع (كعضو في مجموعة لويكيميديا) أن تواجهني، تناولت جينيفرا عمليَّة إدارة مُنظَّمات ويكيميديا بطريقة عامة جداً. كان جلُّ المداخلة عبارة عن ملاحظات ونصائح عن طريقة إدارة فعاليات ويكيبيديا، مثل “ضرورة التخطيط المُسبَق” و”الاستعدادية للتعامل مع المشاكل المفاجئة”، لكن لم تكن هذه الأفكار مُعزَّزة بأمثلة تُوضِّحها وترسخها لدى المتلقي، ول مترافقها قصصٌ عن تجاربها الشخصية في هذا المجال. بالنسبة لي، كان الجزء الأكثر فائدة من المحاضرة هو المقدمة التي تحدَّثت فيها جينيفرا عن ويكيميديا إيطاليا ومشاريعها، لكنني لم أشعر بأن باقي النصائح كانت فعَّالة جداً بطريقة عرضها هذه.

نظام مراسلات ويكيبيديا:

wikiarabia_2016_287729

زياد السفياني يشرح آليات عمل نظام المراسلات (OTRS)، الذي يستعمل للتواصل الرسمي مع مؤسسة ويكيميديا.

بعد طعام الغداء، انقسمت جلسات المؤتمر إلى قسمين مُنفصلين: فقد كانت لدينا قاعتان مُستقلتان تقام فيهما محاضرات على التوازي، حيث على المُشاركين اختيار أي قاعة يُريدون الحضور فيها. استضافت القاعة الرئيسية مداخلاتٍ مُتنوِّعة، منها ما كان عن إنشاء نسخٍ جديدة من ويكيبيديا تُغطي اللهجات العربية (على غرار ويكيبيديا المصريَّة)، وعن قضية ترجمة المُصطلحات العلمية في مقالات الموسوعة، وعن مشاريع ويكيميديا الشقيقة. للأسف، لا يُمكن للشخص التواجد بأكثر من مكانين، وقد اخترتُ شخصياً البقاء في القاعة الصَّغيرة طوال ما تبقى من اليوم، لذلك فوتُّ على نفسي كل هذه المواضيع.

افتتح جلسات القاعة الصَّغيرة زياد السفياني من السعودية، الذي قدَّم شرحاً جميلاً عن نظام الـ”OTRS” للمراسلات. هذا النظام هو خدمة تُقدِّمها ويكيبيديا تسمح للناس بإرسال استفساراتٍ أو طلباتٍ خاصَّة مُتعلِّقة بالموسوعة عبر البريد الإلكتروني، وهي تُعَامل بخصوصيَّة عالية، ممَّا يضمن لأصحاب الأسئلة (لو كانوا أشخاصاً مشهورين يطلبون تعديلات على مقالاتهم مثلاً) أن يحموا هويَّتهم. ميزة هذا النظام أنَّ من يردون على الرسائل الواردة فيه يكونون فئة مُنتخبة من مجتمع ويكيبيديا، على خبرة واطلاع عاليين بطرق العمل فيها، وإلمامٍ كبير بسياسات وقوانين الموسوعة. يعود السبب في ذلك إلى أنَّ كل من يردُّ على الرسائل الواردة على هذا البريد، يُعتبر (قانوناً) مٌمثلاً عن مُؤسَّسة ويكيميديا، وبالتالي فمن الضروريّ الحرص على أن يكون شخصاً واعياً ومدركاً لمسؤوليَّته.

عادة لا تتم الموافقة على منح شخص وُصولاً إلى الـ”OTRS” إلا لو كان إدارياً، أو مُحرِّراً قديماً ومُتمرساً. كنتُ عضواً في هذا النظام لمدة عامٍ تقريباً، لكن عضويتي ألغيت بسبب انخفاض نشاطي، وقد كانت تجربة فريدة نوعاً ما، حيث اكتشفتُ وجود عدد كبير من الأشخاص المشهورين الذين يرسلون شكاوى واعتراضاتٍ عن مقالاتهم طوال الوقت.

كانت المحاضرتان التاليتان شيَّقتين في مواضيعهما، لكني لم أستطع حضورهما بتركيزٍ لأنني كنت بحاجة للقيام ببعض الأعمال التنظيميَّة. تحدث شبيب الشهابي من السعودية عن الأوتويكي براوزر، وهو برنامجٌ ممتاز يُساعد على إجراء عمليَّات الصيانة السريعة والتكرارية في ويكيبيديا، وأما نزار قرقني من تونس فقد أعطى كلمة عن البرمجيَّات الحرة.

حقوق الإنترنت بالنسبة إلى ويكيبيديا:

كانت إحدى المُداخلات الأخيرة لليوم الأول تحمل عنوان “حقوق الإنترنت وويكيبيديا”. صاحب المُداخلة هو محمد تراكية، وهو عضو في الجمعيَّة الأردنية للمصدر المفتوح (JOSA) والتي كُنَّا قد طلبنا منها تقديم عدد من المُداخلات في المؤتمر، بالنظر إلى أنَّ عملها مقاربٌ جداً في غاياته ومبادئه لما نفعله في ويكيبيديا. المحاضر نفسه، تراكية، هو ناشط مهتم على نحوٍ عالٍ بموضوع حرية الإنترنت وسُبل وصونها وحمايتها.

10649948_10154157947284905_3031108706689673976_n

محمد تراكية في مداخلة حقوق الإنترنت.

كانت هذه الفقرة واحدة من أكثر المواضيع المطروحة في المؤتمر متعة بالنسبة لي. لم يكن ذلك لأنها أتت بأفكار جديدة أو إبداعية، وإنَّما لأنها قدَّمت منظوراً جديداً غير مألوف لنا للعمل الذي نقوم به في ويكيبيديا، فنحنُ – كمُجتمع ويكيبيديا – نرى بالعادة أن كل ما نقوم به هو عملٌ مفيدٌ وجوهريّ، يُساعد الناس على الحصول على المعرفة الحُرَّة، ويساهم بجعل الإنترنت مكاناً أفضل. لكن تراكية كانت لديه وجهة نظرٍ مختلفة، فعمله لا يشمل موسوعة ويكيبيديا فقط، بل هو يُغطِّي حرية الإنترنت كلها بصورتها العامة، وقد كان يرى أن بعض ما نفعله ليس جيِّداً لصالح الإنترنت العام بالضرورة.

ضرب تراكية مثالاً بموضوعٍ كان قد تناوله المؤتمر سابقاً في اليوم ذاته، وهو ويكيبيديا صفر. مع أنَّ فكرة ويكيبيديا صفر تُساعد الكثير من الناس الذين لا يملكون اتصالاً جيداً بالإنترنت على تصفُّح ويكيبيديا والمشاركة في بنائها، إلا أنَّها تحرمهم من التعرف على ما يحتويه الإنترنت غيرها. فإذا رجعنا للمبدأ الكبير الذي تعمل عليه ويكيبيديا، وهو جعل المعرفة متاحة للجميع بحُريَّة ودون مقابل، فإنَّ ذلك المبدأ لا يقتصر على ويكيبيديا بذاتها، بل هو يشمل كلَّ ما في الإنترنت من محتوى ومواد ومعلومات، والتي يُفترض أن يستطيع جميع الناس الوُصول إليها بالتساوي. مع أنَّ ويكيبيديا صفر يُقدِّم نتائج جيدة في الوقت الحاضر، لكنَّه يتعارض مع الرسالة الكبرى التي تعمل الموسوعة لأجلها.

wikiarabia_2016_282729

جانب من إحدى محاضرات اليوم الأول.

تناول عيسى المحاسنة، رئيس الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، موضوع رخص المشاع الإبداعي (Creative Commons) في المداخلة الأخيرة لليوم الأول. أوضح عيسى أنواع رخصة المشاع الإبداعي المُختلفة، وما يتعارض أو يتوافق منها مع قوانين ويكيبيديا، إضافة إلى شيءٍ من تاريخ رُخص حماية الملكية الفكرية في العالم.

كان يُفترض أن تنتهي أنشطة اليوم في السَّاعة الرابعة والنصف، لكن تبيَّن لنا أنَّ ضبط تواقيت المحاضرات وإجبار أصحاب الجلسات على الالتزام بها، مهمَّة غير سهلة في الواقع. انتهينا فعلياً قبل السادسة بقليل، ومن حُسن حظِّنا أن إدارة الفُندق تسامحت معنا لعدم وجود حجزٍ مسبقٍ للقاعات في ذلك اليوم.

اليوم الثاني:

الحقيقة هي أنَّ مقدار ساعات نومي القليلة كان قد بدأ يتراكم على نحوٍ سيء جداً بدءاً من اليوم الثاني فصاعداً، بحيث إنِّي فقدت القدرة على التركيز بمُعظم مداخلات المؤتمر. كنت محتاجاً لإبقاء نفسي منشغلاً أغلب الوقت بنشاط من نوعٍ ما لأتجنب أن أغفو على مقعدي، ولذلك لم أستطع الاستماع بانتباه إلا لقليلٍ من المحاضرات. عدا عن ذلك، كان اليوم الأول هو الأكثر ازدحاماً وغنى بالفعاليات، ولذلك فمن الطبيعي، على ما أعتقد، أنَّ تغطية هذه التدوينة لليومين التاليَين ستكون أقلَّ شمولية.

wikiarabia_2016_day_2_28229

طاي وكيسي من مؤسَّسة ويكيميديا.

افتُتح هذا اليوم بمُحاضراتٍ من مُمثلي مؤسَّسة ويكيميديا، حاولوا فيها نقل خبراتهم بتنظيم الفعاليات والمشاريع والترويج لويكيبيديا إلى المُجتمع العربيّ. تناولت أماندا بيتاكر من فريق تقييم المشاريع في المؤسَّسة أساليب تحسين أنشطة ويكيبيديا التعريفيَّة والتدريبيَّة، وتحدثت عن خبرتها وتجاربها في هذا المجال.

كانت هناك مداخلة لولاء عبد المنعم من مصر عن مسابقة ويكي المرأة، وهي مبادرة تسعى لزيادة المحتوى النسائي على صفحات ويكيبيديا العربيَّة. ثم جاءت كلمة لإيمانيول إنغلهارت من سويسرا عن مشروع كيويكس، الذي يهدف إلى توفير كل محتوى ويكيبيديا على هيئة ملفٍ يُمكن تحميله وتصفُّحه بدون اتصالٍ بالإنترنت. يساعد كيويكس كل عامٍ العديد من طلاب المدارس والجامعات في الدول الفقيرة (مثل أفريقيا) على الوصول إلى مقالات ويكيبيديا دون الحاجة إلى تحمُّل تكلفة اتصال بالإنترنت. فضلاً عن ذلك، ذكر إيمانويل فكرة تسعى إلى تهريب نسخٍ من كيويكس إلى كوريا الشمالية، لإيصال ويكيبيديا إلى سُكَّان الدولة الذين لا يملكون اتصالاً بالإنترنت.

ويكي طب ومبادرة بالعربي:

شارك زياد الراجحي ومصعب الشريف من السعودية تجربتهما الناجحة في تنظيم نشاطات لترجمة مقالاتٍ لويكيبيديا العربيَّة. زياد ومصعب طالبا طب في جامعة الملك سعود بمدينة الرياض، أرادا حثَّ زملائهما على ترجمة المقالات الطبية من ويكيبيديا الإنكليزية إلى العربية، ونظَّما لأجل ذلك عدة نشاطات ممتازة لترجمة مقالات ويكيبيديا جماعياً تدعى “الويكيثونات”، حيث يجتمع عدد كبير من الطلاب للتعاون معاً على كتابة المقالات خلال مُدَّة زمنية قصيرة. لم ينجح زياد ومصعب بكسب عدد كبير من المُتطوِّعين للمشاركة في هذه النشاطات فحسب، بل حصلا على رعاةٍ وشركاء لمساعدتهما، منهم مطعم بيتزا دومينوز، الذي عرض توفير وجبات مجَّانية للمشاركين في الويكيثونات. بالتأكيد، ليس من حافزٍ لجمع الناس في مكانٍ واحدٍ أفضل من الطعام المجاني.

12717994_1696210587305147_7982221642360585883_n (1)

مجموعة من أعضاء مبادرة بالعربي.

كان التاليون على المنصَّة أعضاء مبادرة بالعربي. قد تكون هذه المُبادرة أكبر مشروع غير رسميّ (لا تشترك فيه مؤسَّسة ويكيميديا) يختصُّ بتطوير محتوى ويكيبيديا العربيَّة، والمدهش في الأمر هو أنَّ كادر العمل فيه لم يشمل أيَّ ويكيبيديِّين مُتمرِّسين، إنَّما بدأه وقاده وأنجزه بالكامل طلاب جامعيُّون ليست لديهم خبرة سابقة تذكر مع الموسوعة. أطلقت مبادرة بالعربي في مُنتصف شهر آذار سنة 2015، حيث بدأ فكرتها مجموعة من طلبة الطب في الجامعة الأردنية، فأقاموا نشاطاً تعريفياً دعوا فيه زملائهم للمساعدة برفع مستوى المحتوى الطبي على ويكيبيديا العربيَّة.

جذبت المُبادرة عدداً عملاقاً من المُتطوِّعين، بحيث ظهرت الحاجة إلى المزيد من التنظيم، فانقسم المُشاركون إلى فرق يعمل كلٌّ منها على إنجاز مرحلة مُعيَّنة من العمل على كل مقالة من المقالات. ففي البداية فريق الترجمة، ثم التدقيق اللغوي، والأمانة العلمية، وأخيراً فريق النشر. كانت النتائج عظيمة جداً، فقد خرجت المبادرة بنحو 1200 مقالة طبيَّة جديدة تُرجمت ترجمة كاملة إلى اللُّغة العربيَّة بمساعدة حوالي 1600 مُتطوِّع، ورُفعت كلَّها على ويكيبيديا في 10 ديسمبر الماضي أثناء فعالية كبيرة في الجامعة الأردنية تحتَ شعار “بداية القطف”.

اجتمعتُ أنا وصديقي أسامة خالد (الذي لديه، بالمناسبة، مُدوَّنة رائعة عن الثقافة الحُرَّة يحذو بك الاطلاع عليها) مع أعضاء المُبادرة بعد انتهاء مداخلتهم، لنُناقش إمكانية تأسيس آلية تواصل بين مجموعة بالعربي ومجتمع ويكيبيديا العربيَّة. فمع أنَّ وُجود مبادرة بهذا الحجم ظهرت دون مساعدة من مجتمع ويكيبيديا هو أمرٌ رائعٌ بحقّ، إلا أنَّ استمراريَّتها ستتطلَّب – بنظري – تحوُّلها إلى عمل مشتركٍ مع مجتمعنا، فويكيبيديا هي موسوعة قائمة على التعاون بين جميع الناس من مُختلف الأطياف والخلفيات، ولذا لا بُدَّ لمتطوعي المُبادرة أن يندمجوا فيها ويتعرَّفوا على الويكيبيديِّين القدامى ليتمكَّنوا من العمل بالتناغم معهم.

أخذ هذا الاجتماع ما تبقى من وقت المؤتمر في يومه الثاني، لذلك لم أستطع حضور أيِّ جلساتٍ أخرى. ذهبَ المشاركون في زيارة مسائيَّة إلى متحف وصفي التل بمدينة السَّلط بعد انتهاء أنشطة المؤتمر، لكني كنتُ مرهقاً جداً بحيث إني اضطررتُ للاستغناء عن المشاركة في الرحلة.

ورشة البوت:

في بداية اليوم الثالث والأخير من فعاليات المؤتمر، انقسمت المحاضرات مرة أخرى إلى خطَّين مُتوازيَين: أحدهما في القاعة الكبيرة، والآخر في الصَّغيرة. تكلمت كيسي هارولد من مؤسَّسة ويكيميديا عن أساسيات قصِّ الحكايات، وهو أسلوب جوهريٌّ تستعمله المؤسسة في نشاطاتها للترويج لفكرة ويكيبيديا وتشجيع الناس على المشاركة فيها، من خلال تقديم قصص نجاح الويكيبيديِّين لهم بطريقة مُلهمة. نبَّهت كيسي إلى أنَّ عليك (عندما تقصُّ حكاية) أن تأسر انتباه الجمهور في الثواني السَّبع الأولى بعد صعودك المنصة، وإلا فقد يكون تأثيرك عليهم قليلاً جداً، ونصحت بأنَّ بداية كل قصَّة مقنعةٍ يجب أن تحتوي رسماً بيانياً إحصائياً للتدليل على النتائج، ثم اقتباساً من شخصيَّة مشهورة يدعم الفكرة، ثم حكاية عن تجربة تطبيق ناجحة للفكرة، وأخيراً عرضاً لما تعلَّمته من هذه التجربة.

مع أنَّ محاضرة كيسي كانت شيِّقة بدرجة كبيرة، إلا أني لم أستطع حضور قسم كبير منها لأني كنتُ قد سجَّلت لحضور ورشة أسامة عن تشغيل البوتات. البوتات هي برامج حاسوبية مكتوبة بلغة بايثون نستعملها لإجراء أعدادٍ كبيرة من تعديلات الصيانة التكرارية على ويكيبيديا،  يُمكن للبوت الواحد أن يقوم بـ100 تعديل على مقالات الموسوعة خلال دقيقة أو اثنتين، بينما سيحتاج إجراء عدد مثل هذه يدوياً إلى ساعة أو أكثر. تستطيع البوتات إجراء العديد من المهام المُفيدة، مثل إضافة الصور والقوالب، وإنشاء التصانيف، وتدقيق المقالات إملائياً.

عادة ما تعتمد النسخ الكبيرة من ويكيبيديا كثيراً على البوتات لتوفير الوقت والجُهد على مساهميها، لكنَّ عدد من يتقنون استخدام هذه البرامج في ويكيبيديا العربيَّة يكاد يكون مُنعدماً، لذلك كنا قد طلبنا من أسامة تولِّي تنظيم ورشة تدريبيَّة في أثناء المؤتمر. حضر الورشة 20 شخصاً تقريباً، وقد نجح أسامة بإدارتها بكفاءة مُمتازة رغم عدم وُجود أحد يُساعده في متابعة المشاكل التي تواجه الحضور مراراً وتكراراً.

wikiarabia_2016_283429

في واحدة من الاستراحات بين المحاضرات.

بالنسبة لي، كان حظي سيِّئاً بحيث واجهت مشكلة تقنية في تسجيل الدخول إلى بوتي بعد حوالي نصف ساعة من بدء الورشة، وبما أنَّ أسامة انهمك بإصلاح مشاكل كثيرة أخرى لدى الزملاء الآخرين، وبدا أن مشكلتي ستسهلك الكثير من الوقت لإصلاحها، لذا اتفقنا – في نهاية المطاف – على أن يُعطيني درساً خصوصياً في اسعمال البوت فيما بعد. بالطَّبع، تهرَّب أسامة من تلك المسؤولية بمكرٍ بالغ، وعاد إلى السعودية دون أن يعطيني أي نوع من الدروس.

ويكي بيانات:

أظنُّ أنَّ محاضرة حلمي حمدي من تونس عن ويكي بيانات هي واحدةٌ من أفضل المداخلات التي حظينا بها في مؤتمر ويكي عربية. ويكي بيانات هي منصَّة تابعة لويكيبيديا، تُخزَّن عليها بيانات ويكيبيديا بلغاتها المختلفة. عندما تفتحُ مقالة على الموسوعة وتُحدِّق في شريط اللغات على الجانب الأيمن باحثاً عن نُسخة منها بلغة أخرى، فإن الوصلات التي أمامك تكون مُخزَّنة على ويكي بيانات. الكثير من المقالات لا تكون مرتبطة مع مقابلاتها في اللغات الأخرى بالطريقة الصَّحيحة، ومن هنا تبرز أهميَّة العمل في ويكي بيانات.

جهَّز حلمي عرض شرائح متقناً جداً لمحاضرته ورفعه إلى ويكيميديا كومنز، كان العرض مُزوداً بالروابط والصور التوضيحية بطريقة ممتازة، ويُغطي مختلف جوانب العمل في ويكي بيانات. المؤسف في الأمر هو أنَّ عدداً جيِّداً من المشاركين واجهوا مشكلات طويلة مع فتح العرض واستخدامه في بداية المحاضرة، وأهدرت معالجة هذه المشكلات الكثير من الوقت، ممَّا اضطرَّ حلمي إلى اختصار جزء كبير من عرضه.

ختام المؤتمر:

انتهت أنشطة اليوم الثالث والأخير في الساعة الثالث ظهراً، قبل الموعد المُعتاد بساعة، وذلك لأنَّنا خططنا لأن يكون ختام المؤتمر في متحف الأردن. كانت آخر محاضرة في المؤتمر مُختصَّة بموضوع الـ”GLAM”، وهو مصطلحٌ يصف التعامل مع المتاحف والمكتبات والمؤسسات التراثية الأخرى لتوثيق محتواها على ويكيبيديا بتراخيص حرَّة، لذلك وجدنا أن إقامتها في متحف ستكون فكرة مناسبة جداً.

1280px-wikiarabia_2016_day_3_2873291

أعضاء مجموعة ويكيميديا بلاد الشام.

مع أنَّ المتحف يُغلق أبوابه عادة في اليوم السَّبت، إلا أنَّ الإدارة وافقت على فتحه خصِّيصاً لزوار المؤتمر. لا بُدَّ من القول بأنَّ المكان كان مُبهِراً على أقل تقدير، فهو جديدٌ جداً، ومصونٌ على نحو مُمتاز، وفيه الكثير من المعروضات المُثيرة للاهتمام. واحدة من أكثر الأشياء التي جذبت انتباه زوار المؤتمر كانت حاسوباً عليه برنامج يُهجِّئ اسمك بأربع لغات قديمة مختلفة، ثم يطبعه لك على ورقة مزخرفة يمكنك الاحتفاظ بها، وقد قضت مُعظم المجموعة نصف وقت جولتنا في المُتحف على الأرجح حول هذا الجهاز. لو لم أكن مُخطئاً، كانت اليونانية والآرامية والعمونية من بين اللغات التي يطبع البرنامج اسمك فيها.

أخذت الجولة ساعة تقريباً، وجَّهنا بعدها مشرفو المتحف إلى قاعة مُجهَّزة تجهيزاً كاملاً، حيث بدأ إيمانويل إنغلهارت من سويسرا محاضرة ويكي عربيَّة الأخيرة، وفي الواقع أنَّ صاحب هذه المحاضرة كان يُفتَرض أن يكون ويكيبيدياً هولندياً كنا قد غطَّينا له تكاليف سفره وإقامته خصيصاً ليتحدَّث فيها، لكن طيرانه ألغي في ليلة اليوم الأول من المؤتمر بسبب تفجيرات بروكسل.

عليَّ الاعتراف بأنِّي، ومعي على ما أتوقَّع عدد لا يُستهان به من الحضور الآخرين، كنتُ أكافح للبقاء مستيقظاً عندما وصلنا القاعة. فبعد ثلاثة أيام مُتتالية من النشاط المستمر والفعاليات المُكثَّفة، وبعد أن تبللنا بالمطر في الخارج، وتأخر الوقت بحيث حلَّ الظلام، كنا قد استزفنا تماماً ولم نعد قادرين كثيراً على التركيز. كان ذلك مؤسفاً لأنَّ محاضرة إيمانويل كانت ثريَّة جداً، وقد جذبت اهتمام مسؤولي المُتحف بحيث أنَّهم تقدَّموا إلى المنصَّة وطرحوا أسئلة مُتحمِّسة عن كيفيَّة إقامة تعاونٍ بينهم وبين ويكيبيديا.

12915157_1098717560194487_717991050_o

الصورة الختاميَّة لويكي عربيَّة، في مدخل مُتحف الأردن.

انتهت المحاضرة في نحو السَّاعة السادسة مساءً، تلاها الكثير من التصفيق، ثمَّ وقفتُ بعدها مشدوهاً لأدرك أنَّ كلَّ شيءٍ كان قد انتهى، فهذه كانت آخر فعاليات ويكي عربيَّة. بعد شهورٍ من التخطيط والإعداد، مضى الحدث سريعاً جداً بحيث أني، حقيقة، لم أشعر بالوقت يمرّ.

مع حُزني لانتهاء ويكي عربيَّة، إلا أنَّه كان تجربة عظيمة جداً بالنسبة لي. عدا عن مُتعة العمل في الفريق، والتحدي الذي يتطلَّبه ترتيب حدث بهذا الحجم، كان كلُّ ما قمنا به إضافة للبشريَّة ومساهمة في بناء ويكيبيديا. من الصَّعب قياس الفائدة المباشرة للمؤتمر الآن، لكن يُمكننا أن نكون واثقين على الأقل، من أنَّه زاد التواصل والتعاون بين الويكيبيديِّين العرب، وعلى ما أرجو أنَّه سيُمهِّد لإطلاق عدد من المشاريع والأفكار التي ناقشناها في أثنائه. في أقل تقدير، ممَّا لا شك به أن المؤتمر كان تجربة ثريَّة ومليئة بالخبرات الجديدة لكلُّ من شاركوا فيه، ولعلَّه يكون حافزاً لتنظيم المزيد من مُلتقيات ويكيبيديا في منطقتنا.

قصَّة موجات الجاذبية


2-black-holes-gravitational-waves

تمثيلٌ لكيفيَّة انتشارموجات الجاذبية حول ثقبين أسودين يتقاربان من بعضهما تدريجياً، حتى يصطدما ويندمجان. كلُّ مرحلة يقترب فيها الثقبان أكثر تُسبِّب انبعاث موجة جديدة.

في عام 1992، أسَّس عالما الفيزياء الفلكية كب ثورن ورونالد دريفر من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) وبروفيسور الفيزياء رينر ويس من معهد ماساتشوتش للتكنولوجيا (MIT) مرصداً فيزيائياً كبيراً في ولاية لويزيانا الأمريكية، تحت اسم “LIGO”، وهو اختصار إنكليزي لعبارة مرصد التقاط موجات الجاذبية الليزري. جذب المشروع اهتمام عددٍ كبير من الجامعات والمعاهد العلمية في الولايات المتحدة، إضافةً إلى العديد من الدول المُتقدِّمة في البحث العلمي، حتى وصل عدد العاملين فيه والمسؤولين عن تشغيله إلى أكثر من 900 عالم من مُختلف المجالات. بدأ المرصد عمله الفعلي بعد عشر سنوات، ورُغم صرف قرابة المليار دولارٍ على تشغيله وصيانته، إلا أنَّه لم يأتِ بأيَّة نتائج. بفضل هذه التكلفة الهائلة، يُعتبر مرصد موجات الجاذبية واحداً من أكبر المشاريع العلميَّة التي موَّلتها حكومة الولايات المتحدة في تاريخها. لكن منذ سنة 2010 توقَّف عمل المرصد لإجراء صيانة وتطوير. في بداية العام الماضي استُبدلت أجهزة المرصد القديمة بأخرى أحدث بكثير، تُسمَّى “LIGO Advanced”. منذ ذلك الحين، لم تعلن مُنظَّمة “ليغو” عن أي نتائج جديدة من مرصدها، إلا أنَّ بعض الشائعات بدأت تحوم – مع بدء العام الجديد – عن تحقيق اكتشافٍ مهمٍ ما. تزايدت الشائعات باصطرادٍ على مرِّالأيام الأخيرة، حتى عُقد مؤتمر صحفيٌّ يوم الخميس الفائت، أعلن فيه رسمياً عن التقاط أوَّل موجة جاذبية في تاريخ العلم.

ما هي موجات الجاذبية؟

ptas

تُمثل هذه الصورة التصوُّر الذي وضعه آينشتاين عن كيفية عمل قوة الجاذبية، حيث أنَّ لكل جسمٍ مجالاً جذبياً يتناسب مع كتلته يُتسبَّب بانحناء الفضاء حوله، وجذب الأجسام الأخرى باتجاهه.

يعود تاريخ مفهوم أمواج الجاذبية إلى مطلع القرن الحالي. فقبل القرن العشرين، كان مُجتمع علماء الفيزياء لا يزال مُستسلماً للتصور القديم الذي وضعه نيوتن عن قوة الجاذبية، ولم يفكر أحدٌ بوضع نموذجٍ بديل عنه. لم تتغيَّر هذه الحال حتى نشر الفيزيائي الألماني المتخرج حديثاً، ألبرت آينشتاين، بحث النسبية الخاصة في سنة 1905، الذي أتبعه بالنسبية العامة بعدها بعشر سنوات. أثبتت نظرية النسبية نجاحاً باهراً في تفسيرها لطريقة عمل الجاذبية، فقد أثبتت التجارب خلال السنوات اللاحقة صحَّة مُعظم المفاهيم والتصورات قدمتها. كانت إحدى التصورات الجديدة الأساسية التي وضعتها نظرية آينشتاين عن الجاذبية هي أنها قوة تأثيرها محدود بامتداد مجالها، فمثلما أن لأسلاك الكهرباء والمغناطيسات مجالاتٍ حولها تنقل قوتها، فإن للجاذبية أيضاً مجالاً مماثلاً ولا يُمكنها أن تحدث تأثيراً على جسمٍ إلا لو وقع ضمنه. على سبيل المثال وحسب التصور القديم لنيوتن، إذا ما حدث وأن اختفت الشمس فجأة في أحد الأيام فإنَّ الأرض ستخرج من تأثير جاذبيتها على الفور وتبدأ بالانجراف في الفضاء بحُريَّة. لكن وفق نظرية آينشتاين، لا يُمكن لجاذبية الشمس أن تفقد تأثيرها على الأرض حتى تخرج من مجال الشمس الجذبي، وهذا المجال ينتشر عبر الفراغ بسُرعة الضوء. بما أنَّ بين الأرض والشمس مسافة 150 مليون كيلومتر، أي 8 دقائق ضوئية تقريباً، فحتى لو حدث وأن اختفت الشمس من عالمنا فجأة، ستسمرُّ الأرض بالدوران على وتيرتها المُعتادة لمدة ثماني دقائق.

الآن، ولفهم عمل موجات الجاذبية، دعنا ننتقل قليلاً إلى الذرات. على الأرجح أنَّك تذكر أن نواة الذرة مُكوَّنة من بروتونات موجبة الشحنة ونيوترونات محايدة، وتُحيط بهذه النواة إلكترونات سالبة تبقى قريبةً من النواة بسبب انجذابها نحو البروتونات المتضادة معها في الشحنة. الشيء الذي يجعل الإلكترونات ترتبط بالبروتونات هو المجال الكهرومغناطيسي، وهو يُطابق في عمله مجال الجاذبية تقريباً، فهو ينتشر في كل الاتجاهات بسُرعة الضوء، ولا يُمكن للقوة الكهرومغناطيسية أن تحدث تأثيراً إلا من خلاله. هذه كلها مجالات، أين يأتي دور الموجات إذاً؟ إن كل إلكترون حول نواة الذرة له مستوى طاقة مُعيَّن، والمسافة التي بينه وبين النواة تتناسب طردياً مع مستوى الطاقة هذا، فالإلكترونات الأقرب إلى النواة لها طاقة أقل. لكن عندما تتعرَّض الذرة لحالة إثارةٍ ويزداد مستوى الطاقة فيها، يُمكن أن يقفز إلكترون إلى مستوى طاقة أعلى من مستواه الأصلي، وذلك يجعل حالة الذرة غير مستقرة. لذا، بعد مضي فترةٍ من الوقت سيعود الإلكترون إلى مستوى طاقته الأصلي، بعد أن يتخلَّص من طاقته الزائدة على شكل فوتون يُطلقه بعيداً عن الذرة. هذا الفوتون هو المُكوِّن الأولي لأشعة الضوء، أو – بعبارةٍ أخرى – الموجات الكهرومغناطيسية.

figure05-21b

ينبعث الفوتون من الذرة عندما يرتفع مستوى طاقتها عن الحد الذي يجعلها مُستقرَّة. تنبعث موجات الجاذبية بطريقة شبيهة جداً.

نفس هذه الظاهرة تقريباً يُمكن أن تحدث في حالة الجاذبية. فمجالات الجاذبية تدفع الأجسام في الفضاء للدوران حول بعضها، وكلما اقترب جسمان من بعضهما، كلما اقتربت الأرض من الشمس مثلاً، ستخضع لتأثير أقوى من مجال جاذبية الشمس، ولذلك ستزداد سُرعة دورانها حولها. لكن الأرض تقترب وتبتعد عن الشمس باستمرارٍ على مرِّ السنة لأن مدارها بيضاوي الشكل، ولذلك بعد مضي مُدَّة من الوقت، سرعان ما ستبتعد ثانية، وعندها ستتباطأ سرعتها، وسوف تطلق طاقتها الزائدة على شكل موجة جاذبية. ستنتشر هذه الموجة عبر الفضاء بسُرعة الضوء نحو جميع الاتجاهات، تماماً مثل الأمواج الكهرومغناطيسية.. أي الضوء نفسه. على عكس موجات الضوء التي تكون عادةً أصغر حجماً بكثير من مصدرها، بحيث أن طولها لا يتجاوز عدَّة كيلومتراتٍ على الأكثر وفي بعض الأحوال يكون أقصر من قطر الذرة، فإنَّ موجات الجاذبية تكون أضخم بكثيرٍ من المصدر الذي تنبعث منه، حيث يُمكنها (نظرياً) أن تكون بحجم كوننا بأكمله، بل من المُمكن أن تتجاوز في حجمها حجم الكون، لولا أنَّ ذلك سيجعل الإحساس بها أو اكتشافها مستحيلاً علينا.

من أين تأتي أمواج الجاذبية؟

قد تكون قرأت في بعض الصفحات العلمية عن مصدر موجات الجاذبية، رُبَّما مرَّ عليك أنها تنبعث من اندماج ثقوب سوداء أو تصادم نجوم نيوترونية أو أشياء غريبة كهذه، لكن ذلك على الأرجح أعطاك الفكرة الخاطئة عن هذه الموجات. بالحقيقة، أمواج الجاذبية منتشرةٌ في الكون بقدر ما هو الضوء منتشر: ومثلما أن الضوء هو موجة منبعثة من تفاعلات القوة الكهرومغناطيسية، فإنَّ موجات الجاذبية تنبعث من تفاعلات تجاذبية، بحيث أنَّ جذب الأرض لجسدك قادرٌ لوحده على إصدار أمواج جاذبية تحت ظروفٍ ما. لماذا إذاً لم تسمع عن انبعاث هذه الموجات إلا عند وُقوع ظواهر غريبة في الفضاء البعيد، مثل انفجار النجوم أو دوران الثقوب السوداء بسُرعاتٍ فائقة حول بعضها؟ السبب ليس أن أمواج الجاذبية لا تصدر إلا من ظواهر كونية نادرة، بل لأننا لا نستطيع أن نلتقطها إلا عند انبعاثها من تلك الظواهر.

binary-black-hole-collision-ligo-sxs

مع أنَّ موجات الجاذبية موجودة في كل مكانٍ حولنا، إلا أنَّها ضعيفة جداً بحيث أن الإحساس بها بتقنيتنا الحالية أمرٌ مستحيل. الأجهزة المتوافرة لنا حالياً لا يُمكنها التقاط هذه الموجات إلا عندما تصدر عن ظواهر عنيفة جداً، مثل اندماج ثقبين أسودين (هذه الصورة مُجرَّد تمثيل بسيط، فتصوير الثقوب السوداء أمر مستحيل).

حسب تصورنا الحالي عن الكون، توجد أربع قوى فيزيائيَّة رئيسيَّة تحكم كل التفاعلات التي نراها من حولنا، هذه القوى هي: الجاذبية والكهرومغناطيسية والقوى النووية الضعيفة، والشديدة. إجمالاً، تُعتبر القوة الكهرومغناطيسية القوة المُسيطرة على التفاعلات الفيزيائية على مستوى الذرات والجسيمات تحت الذرية، بينما تسيطر الجاذبية على التفاعلات بين الأجسام الكبيرة في الكون مثل الكواكب والنجوم. يُمكن تمثيل ذلك بأنَّ الجاذبية، رغم أنها قوة تؤثر على أي جسمين لهما كتلة، لا تلعب أي دورٍ يذكر بربط الجزيئات والذرات في عالمنا. فالقوة الكهرومغناطيسية هي التي تربط الإلكترونات بنوى الذرات، وأما القوى النووية الضعيفة فهي التي تجمع بين النيوترونات والبروتونات في نواة الذرة. أما الجاذبية فليس لها دورٌ يذكر في ربط مكونات الذرة ببعضها بعضاً، وذلك لأنها قوة كونية ضعيفة.

فكر بالأمر، هل سبق وأن شعرت بأي تأثير للجاذبية على حياتك اليومية؟ نظرياً، جسمك يؤثربقوة جذبٍ على لوحة المفاتيح القابعة أمامك، وعلى الشخص الجالس بجانبك، وكذلك على البناء الذي تجلس فيه. لكن هذه القوة صغيرة جداً بحيث يستحيل أن تشعر فيها (مع العلم أن ثمَّة عوامل أخرى على سطح الأرض ستجعل ملاحظة تأثير هذه القوة عليك شبه مستحيلة). مع ذلك، لولا قوة الجاذبية لكنا نطفو الآن في الفضاء. هنا يكمن الأمر: فلكي تشعر بأي أثر لقوة الجاذبية، عليك أن تتعامل مع أجسامٍ لها كتلة ضخمة جداً. فمع أنَّ قوة الجاذبية لا تكاد تحمل أي تأثير على الذرات والجزيئات الصَّغيرة، إلا أنها هي القوة الأساسية التي تربط كل الأجسام الكبيرة في الكون تقريباً. فنحنُ متعلقون بالأرض، والأرض مرتبطة بالشمس، والشمس مرتبطة بمركز المجرة، والمجرة مرتبطة بالمجموعة المجرية المحلية، فقط بفضل الجاذبية.

بالعودة إلى النقطة الأولى، مثل جميع تأثيرات قوة الجاذبية، فإنَّ موجات الجاذبية الصَّادرة عن التفاعلات بين الأجسام المُحيطة بنا تكون في مُعظم الأحوال صغيرة جداً، أصغر ممَّا يُمكنك أن تتخيل بأي حال، بحيث أن الإحساس بها في مُعظم الأحوال مستحيلٌ حتى بأكثر التقنيات المتوافرة لنا تطوراً وتقدماً. حسب مثالٍ أعطاه فيزيائي من مُنظمة “ليغو” (المنظمة التي حققت الاكتشاف)، لو كان لدينا جسم يمتد من الشمس حتى أقرب النجوم إلينا، وهو نجم بروكسيما القنطور، أي على امتداد مسافةٍ تعادل نحو 25 ترليون كيلومتر، ومرَّت عبره موجة جاذبية قويَّة صادرةٌ عن تصادم ثقبين أسودين مثلاً، فإنَّ تأثيرها عليه سيقتصر على ضغطه بمقدارٍ يُماثل سمك شعرة من رأس إنسان.

لهذا السبب، نحن لسنا قادرين بالتقنية المتوافرة لنا الآن على التقاط أمواج الجاذبية أو الإحساس بها إلا عند وُقوع ظواهر كونيَّة نادرة شديدة العُنف، تُسبِّب تفاعلاتٍ شديدة بين أجسامٍ لها كتلة ضخمة جداً. بما أنَّ الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية هي من بين أعلى الأجسام كتلةً في الكون وأكثرها كثافة، فإنَّ لها قوة جاذبية هائلة تجعلها مرشحات ممتازةٍ لإصدار موجات جاذبية يُمكننا التقاطها بتقنياتنا الحالية. من المُحتمل أن نستطيع في المستقبل البعيد رصد أمواج الجاذبية الصَّادرة عن تفاعلاتٍ بسيطة، مثل دوران الأرض حول الشمس أو التجاذب بين الأرض والقمر، لكنَّ ذلك يبدو بعيد المنال في الوقت الحاضر.

كيف تمكن العلماء من اكتشاف شيءٍ مثل هذا؟

مع أنَّ الفزيائي الألماني ألبرت آينشتاين تنبأ بوُجود موجات الجاذبية قبل أكثر من 100 عام، إلا أنَّه اعتقد بالحقيقة أنها لن تكتشف أبداً، لأن “التقاطها مستحيلٌ بالنسبة إلينا”. في الواقع أيضاً، مع أن آينشتاين كان أول من اقترح وُجود هذه الموجات عندما طرح نظرية النسبية العامة، إلا أنَّه غير رأيه ونفى وجودها في ورقة نشرها سنة 1936.

صدرت الموجة التي تحقَّق بفضلها اكتشاف موجات الجاذبية من اندماج ثقبين أسودين وقع قبل 1.3 مليار سنة، أي عندما كانت لا تسكن كوكب الأرض سوى بكتيريا وحيدة الخلية، لكنَّ هذا الحدث وقع على مسافةٍ بعيدة جداً عنا بحيث لم تصل أمواج الجاذبية الصَّادرة عنه (والتي تسير بسُرعة الضوء) إلينا حتى شهور قليلة من الآن. التقطت أجهزة “LIGO” الموجة الصَّادرة عن اندماج الثقبين في 14 سبتمبر الماضي، حيث دام تأثيرها على الجهاز لمدة 0.2 ثانية تقريباً. سجَّلت أجهزة الحاسوب عُبور الموجة خلال ثلاث دقائق، لكنَّ تحليل البيانات والتأكُّد من صحتها أخذ عدَّة شهور. يعتبر مصدر هذه الموجة أعنف حدث رصدته البشرية في التاريخ، فقد كان الثقبان الأسودان يدوران حول بعضهما بسُرعة تتعدَّى 60% من سرعة الضوء قبل انبعاث الموجة مباشرة، وأدى تصادُمهما إلى إطلاق كميَّة من الطاقة تعادل 50 ضعف الطاقة التي تُشعِّها جميع نجوم الكون مُجتمعة. حوَّل الاصطدام كميَّة من المادة تماثل في كتلتها ثلاثة أضعاف كتلة الشمس إلى موجة جاذبية هائلة تعبر الفضاء بسُرعة الضوء، وتُسبِّب تموُّجاً في نسيج الفراغ الذي تمرُّ من خلاله.

ligo

ما تراه أمامك هو المرصد الذي اكتشف موجات الجاذبيَّة! هذه الأنابيب البيضاء الطويلة هي أنفاقٌ يمتد كل واحدٍ منها مسافة أربعة كيلومترات، يوجد عند نقطة التقائها جهاز يبعث شعاعاً من الليزر. يعبر الليزر كل نفقٍ بأكمله حتى ينعكس على مرآة في طرفه البعيد ويعود مرَّة أخرى.

لعلَّ أكثر جزءٍ مدهشٍ من اكتشاف موجات الجاذبية هي الطريقة التي تحقَّق بها الاكتشاف، فقد تطلَّب الأمر استعمال جهازٍ يُمكن أن يكون واحداً من أدق الآلات التي اخترعها البشر. يتكوَّن الجهاز الذي صمَّمته منظمة “ليغو” للالتقاط أمواج الجاذبية (وهو يُسمَّى الـ”Interferometer”) من نفقين طول كل واحدٍ منهما أربعة كيلومترات، يلتقيان عند أحد الطرفين. قرب نقطة الالتقاء يوجد جهاز يبث شعاعاً من الليزر، يمرُّ هذا الشعاع أولاً عبر منشورٍ يقسمه إلى خطين متعامدين: كلٌّ منهما يذهب عبر أحد النفقين. عند نهاية كلِّ نفق توجد مرآة تُعيد عكس الشعاع نحو نقطة انبعاثه. عندما يعود شعاعا الليزر إلى نقطة انبعاثهما يلتقيان في نفس النقطة وعند نفس التوقيت تماماً، وبما أنَّ كليهما يتكوَّنان من موجات كهرومغناطيسية متماثلة الطول والتردد، فإنَّهما يُلغيان بعضهما كلياً، ولذلك تختفي جميع أشعة الليزر العائدة من النفقين عندما تصطدم بالمنشور. أو هذا ما يُفترض أن يحدث تحت الظروف الطبيعية.

screen20shot202016-02-1120at208-23-5720am

هكذا يبدو الـ”Interferometer” من الداخل تقريباً. يبث الجهاز الأسطواني في الأسفل شعاعاً من الليزر، ينقسم عنده مرور بمنشورٍ إلى جزئين، ينعكسان في نهاية كل نفقٍ ليعودا ويلتقيا معاً، وعندها يلغيان بعضهما. لو مرَّت موجة جاذبية عبر الجهاز ستغيِّر أطوال الشعاعين، ولذلك سيتمكَّن أحدهما من عبور المنشور والوصول إلى لاقط الضوء مُربَّع الشكل.

إذا ما حدث وأن مرَّت موجة جاذبية عبر الجهاز، ستتغيَّر أطوال شعاعي الليزر. فعندما تمرُّ موجة جاذبية عبر مادة أو وسطٍ من أي نوع، تُسبِّب تمدداً أو تقلُّصاً صغيراً فيه، ولذلك فإنَّ مرورها بشعاع الليزر سيجعل موجاته أقصر أو أطول قليلاً. هذا التغير بسيط جداً، بحيث أنَّ طول الشعاع سينقص أو يزداد بمقدارٍ أقل بكثير من حجم ذرة، لكنه سيحدث تأثيراً مُهماً: فعندما يلتقي شعاعا الليزر عند المنشور، لن يلغيا بعضهما هذه المرة، لأن أطوال موجاتهما أصبحت مختلفة. لهذا السبب، سيتمكَّن جزءٌ من الليزر من عبور المنشور، وسيلتقطه على الفور مستشعرٌ عالي الحساسية. يُمكن أن يعبر الليزر المنشورعدَّة مرَّاتٍ أثناء اصطدام موجة جاذبية به. في 14 سبتمر الماضي، تسبَّبت موجة الجاذبية التي اصطدمت بهذا الجهاز بعبور الليزر 8 مرَّات متتاليةٍ خلال مدة لا تتعدى 0.2 من الثانية.

ما فائدة هذا الاكتشاف إذاً؟

fermi_3_month_labeled_new-large

يُمكن للعلماء رصد السَّماء بطُرق مختلفة، منها التقاط أشعة غاما كما في خريطة السَّماء هذه، لكن جميع هذه الطرق تنحصر بأنواع مختلفة من الموجات الكهرومغناطيسية، فقد كان الضوء (حتى وقتٍ قريب!) طريقتنا الوحيدة للتعرُّف على الكون.

لكي أكون شفافاً معك، يمكنني القول أنه بالنسبة إليك.. لن يُحدث هذا الاكتشاف أي تأثير ذا قيمة على حياتك أو حياة أي إنسانٍ في أي وقتٍ قريب. بالأساس، نحنُ لا نعرف أي تطبيقات تكنولوجية قيِّمة حالياً لهذا الاكتشاف، وقد لا نجد أي تطبيقاتٍ له في المُستقبل. بالنسبة للعلم، فإنَّ قيمته هي في زيادة معرفتنا عن الكون المُحيط بنا فحسب. حتى الآن، كل ما نعرفه عن الفضاء الخارجي يقتصر بالكامل تقريباً على الأمواج الكهرومغناطيسية التي نرصدها من الأجسام البعيدة، هذه الأمواج يُمكن أن تكون ضوءاً مرئياً أو أشعة سينية أو أشعة غاما أو أمواجاً راديوية، وعلى أي حال، فهي العدسة الوحيدة التي أمكننا حتى الآن أن ننظر إلى الكون من خلالها. أما الآن، فقد حصلنا على أداةٍ جديدةٍ تماماً ولأول مرة في التاريخ نستطيع جمع المعلومات عن كوننا عبرها. ليس ذلك فقط… بل إنَّ هذه الأداة قد تكون المفتاح لفهم ظواهر كونيَّة لا يُمكننا التعرُّف عليها عبر الضوء أصلاً، مثل الثقوب السوداء.

مُعظم الأجسام الواقعة في الفضاء الخارجي تبعد عنا مسافاتٍ هائلةٍ جداً، بحيث أن إلسفر إليها أو حتى إرسال المركبات الاستكشافية يغدو مستحيلاً أو شديد التكلفة عند نقطة ما. حتى الآن، لم يسافر أي بشري لمسافة أبعد من من القمر، أي نحو 385 ألف كيلومتر من الأرض، كما لم تصل إلينا أي عيِّنة فضائية من مكانٍ أبعد من القمر سوى بعض المذنبات والكويكبات. أما أبعد مسافة ابتعدتها مركبة فضائية بشرية الصُّنع فهي فوياجر 2 التي قطعت نحو 16 مليار كيلومتر بعد 40 سنة من إطلاقها، وهو ما يُعادل أقل من 0.03% من المسافة بيننا وبين أقرب نجم إلينا. لهذه الأسباب كلها، فإنَّ الطريقة الوحيدة المتاحة لنا لدراسة الكون تقريباً هي الضوء الذي نلتقطه منه، الضوء الذي يسافر مئات وآلاف السنوات ليَصل إلينا فقط. قد تعتقد أن تنوُّع مصادر الضوء يُمكن أن يصنع فرقاً، لكن الواقع هو أنَّه وبعدم وُجود وسيلة للنظر إلى الكون سوى الضوء يجعلنا محدودين بخواصه، ومن هذه الخواص أنَّه لا يسير سوى بخطوطٍ مستقيمة، وأنه يمكن أن ينعكس أو يمتصَّ بسهولة إذا ما اصطدم بمادة ما أثناء مجيئه إلينا.

mount_pleasant_radio_telescope

مع أنَّ الوقت مُبكِّر قليلاً لتخمين نتائج هذا الاكتشاف، لكنَّه قد يحدث ثورة نوعيَّة في علم الفيزياء الفلكية، وقدرتنا على دراسة الكون من حولنا.

أحد أبرز الأمثلة على الحالات التي نعجز فيها عن جمع معلومات عن الفضاء هي الثقوب السوداء. هذه الأجسام لها كتلة ضخمة وكثافة شديدة جداً بحيث أنَّها تمنع أي مادة نعرفها من الهرب من مجال جاذبيتها، بما في ذلك أشعة الضوء. كما أنَّ رصد الكثير من المجرات والنجوم يُمكن أن يكون صعباً أو مستحيلاً بسبب وُجود أجسام أخرى أمامها تحجب ضوئها عنها. هذه العقبات تجعل فهمنا للكثير من الأجسام الغريبة في كوننا محدودة، إلا أنَّ اكتشاف موجات الجاذبية – وتطور قدرتنا على رصدها – يُمكن أن يفتح مجالاً جديداً أمامنا. على عكس الموجات الكهرومغناطيسية، لا تتأثر موجات الجاذبية على الإطلاق بالوسط الذي تمرُّ من خلاله، لذلك عندما تصلنا موجة جاذبية مُنبعثةٌ من ثقب أسود يُمكننا التأكد من أنها تحمل معلومات دقيقةً عنه. كما أننا، على فرض أن تقنياتنا ستتطوَّر مستقبلاً، قادرون على التقاط موجات الجاذبية الصادرة عن أي جسمٍ في الكون، بغضِّ النظر عن طبيعته أو موقعه في الفضاء.

الأمر الآخر الذي يجعل العلماء متحمسين كثيراً لاكتشاف موجات الجاذبية هو أنها الحلقة الأخيرة غير المُؤكَّدة بعد في نظرية آينشتاين للنسبية العامة. فقد نجح العلماء حتى الآن بإثبات جميع المفاهيم المُهمة التي طرحتها هذه النظرية، وكانت هذه الموجات هي آخر مفهوم جوهري فيها لم يُثبَت تجريبياً بعد. إنَّ اكتشاف أمواج الجاذبية يعني أنَّ تصور آينشتاين عن قوة الجاذبية كان صحيحاً تماماً، ومع أنَّ معظم العلماء كانوا يتوقَّعون تحقيقه عاجلاً أو آجلاً، فذلك لا يُقلِّل من أهميته الكبيرة لتعضيد فكرتنا عن الكون الذي نعيش فيه. مع أنَّ نظرية النسبية العامة أثبتت نجاحاً تاماً حتى الآن في جميع الاختبارات التجريبيَّة التي أمكن إجراؤها لها، إلا أنَّ طبيعة قوة الجاذبية وعدم سُهولة اختبار تأثيرها إلا في الفضاء الخارجي جعلت إمكانية تجريب نظرية آينشتاين فرصةً نادرةً جداً، لكننا الآن.. قد نكون حصلنا على مفتاحٍ جديدٍ ممتاز لدراسة هذه النظرية، ولفهم فيزياء الكون بأكمله.

إطلاق مُنظَّمة ويكيميديا الشام


شعار ويكيميديا في بلاد الشام.

شعار ويكيميديا في بلاد الشام.

في نهاية الأسبوع الماضي، أعطتنا مُؤسَّسة ويكيميديا (الجهة المسؤولة عن إدارة وتمويل موقع ويكيبيديا) موافقتها على تأسيس منظمة الويكيميديِّين في بلاد الشام (Wikimedians of Levant) لتصبح واحدة من أولى المؤسسات الرسمية التي تمثل ويكيبيديا في العالم العربي، والأولى في منطقة الشام والمشرق العربي كلِّه. من المثير للاهتمام أن هذا الإنجاز لم يأتي وحده في هذه الفترة، بل هو جزءٌ من موجة لتنظيم العمل الويكيبيدي في المنطقة العربية بدأ منذ عامٍ تقريباً، وانتهى حتى الآن بتأسيس أربع منظمات لتمثيل ويكيميديا في ثلاثة بلدانٍ هي: تونس ومصر والمغرب، إضافةً إلى آخر المُنضمِّين وهي منطقة بلاد الشام ببلدانها الأربعة.

ظهرت فكرة المُنظَّمات التي تمثل ويكيبيديا إقليمياً للمرَّة الأولى في ألمانيا سنة 2004، تحتى مُسمَّى Wikimedia Deutschland أو ويكيميديا ألمانيا، ومُنذ ذلك الحين انتشرت وتزايدت حتى أصبحت تشغل أكثر من 50 دولة من دول العالم. الهدف من هذه المؤسسات (التي تسمى “فروع ويكيميديا”) أن تكون هياكل تُنظِّم الأنشطة المتعلِّقة بويكيبيديا في كل بلدٍ وتجمع الناس المُهتمِّين بفكرة موسوعة ويكيبيديا. تحظى هذه الفروع بتمويلٍ عالٍ من مؤسَّسة ويكيميديا لتساهم بنشر فكرة المعرفة والثقافة الحرة في بلدانها، وهي تقوم بنشاطاتٍ كثيرة ومتنوِّعة جداً، منها إقامة ورشات تحريريَّة جماعية لإضافة وتحسين المقالات على ويكيبيديا، أو ورشات تدريبية لتعليم الجُدد على ويكيبيديا كيفيَّة كتابة المقالات، ورحلاتٍ جماعية لالتقاط صور لمدن أو مواقع سياحية وإضافتها إلى مقالات ويكيبيديا، وأشياء عديدة أخرى، فضلاً عن أنَّها تجمُّعات تستقطب كل من يؤمن بفكرة حريَّة المعرفة ومفهوم المصدر المفتوح.

مع أنَّ فكرة فروع ويكيميديا موجودةٌ منذ 11 عاماً الآن، إلا أنَّ مجتمع الويكيبيديِّين في العالم العربي كان صغيراً ومحدوداً جداً طوال هذا الوقت ليستفيد منها. كان هُناك عدد قليل من الأشخاص المتحمِّسين للفكرة، الذين حاولوا اقتراح تأسيس فروعٍ لتمثيل ويكيبيديا في بلدانهم، لكنهم لم يتمكَّنوا من تحقيق شيء. في خلال مُعظم السنوات العشر الماضية، لم تكن هناك أي محاولةٍ جديَّة لتأسيس مثل هذه المنظمات في المنطقة إلا عام 2008، ففي ذلك العام اختيرت مدينة الإسكندرية بمصر لتكون موقع مؤتمر ويكيميانيا العالمي السنوي، وأراد بعض الويكيبيديِّين المصريِّين أن يستغلوا فرصة المؤتمر لإعلان تأسيس مُنظَّمة “ويكيميديا مصر”. مع أن الكثيرين تشجَّعوا للفكرة، إلا أن هذه المنظمة لم تظهر على الواقع قط، ومن الصَّعب معرفة السبب الآن لأن كل من كانوا يعملون عليها هجروا ويكيبيديا منذ سنواتٍ عديدة.

خريطة لبُلدان العالم التي فيها فروعٌ لتمثيل مؤسَّسة ويكيميديا. البلدان المُلوَّنة بالأزرق الفاتح لا زالت في مرحلة التخطيط والتأسيس.

لم يظهر أي اهتمامٍ جدي في مُجتمع ويكيبيديا العربية بهذه المسألة إلا قبل سنتين تقريباً، عندما بدأ يهتم عدد من الويكيبيديِّين بإقامة منظمة تجمع كل أقطار العالم العربي وتعمل في جميع البلدان العربية بآنٍ واحد. كانت الفكرة جذابة وعرضت مرات عديدة لكن تطبيقها بالحقيقة أصعبُ بكثيرٍ ممَّا قد يبدو. فقد كانت مجتمعات الويكيبيديِّين بالبلدان العربية تفتقر لأدنى مقدار من التنظيم، وعدا عن بعض الاجتماعات المحدودة التي عقدت في مصر والأردن، لم يكن هناك أي تواصلٍ واقعي يذكر بين المساهمين العرب في ويكيبيديا، ولم تكن هناك أي خبرات أو تجارب سابقة ذات قيمة بتنظيم أنشطة في العالم الحقيقي عن الموسوعة. فضلاً عن ذلك، فإنَّ إنشاء مؤسسة تُغطِّي هذا العدد من البلدان يحتاج كادراً ضخماً ومستعداً لاستثمار الكثير من الوقت بجدية والتزام، وهو ما لم يكن متوافراً لدينا بتاتاً. نُوقشت المسألة كثيراً، وكانت موضوعاً أساسياً للحوار في فرص الاجتماع القليلة التي حظي بها الويكيبيديُّون العرب خلال السنوات الماضية. لكن مع الوقت، بات واضحاً أنها لن تُطبَّق في المدى القريب على الإطلاق.

مُنذ ذلك الحين بدأت مُجتمعات الويكيبدييين المحلية في كل دولة عربية بتنظيم نفسها والعمل على إنشاء مؤسساتها الخاصة. كانت البداية بمنظمة ويكيميديا تونس في سنة 2014، والتي استغلَّت تمويلها على الفور لإقامة أول مؤتمرٍ عربي خاصٍّ بويكيبيديا وهو مؤتمر ويكي عربيَّة في مدينة المنتسير. بعد ذلك ظهرت منظمات شبيهة في مصر والمغرب. منذ شهرٍ تقريباً، بدأنا العمل على إنشاء منظمة مماثلة في الأردن، لكن رأينا أن مُجتمع الويكيبديين لدينا صغير جداً (حوالي 10 أشخاص)، من جهةٍ أخرى.. نحن على تواصلٍ عالٍ مع الويكبيديين في البُلدان المجاورة، ونظراً لتقارب بلاد الشام الجغرافي والثقافي، قرَّرنا أن نجتمع معاً في منظمة واحدة. الآن أصبح لدينا تمثيلٌ رسميٌّ لويكيبيديا في 4 بلدانٍ عربيَّة جديدة، عدا أن هذه الخطوة قد تُسهِّل تأسيس ويكيميديا العالم العربي المأمول مستقبلاً.

إن تأسيس ويكيميديا الشام ليس إنجازاً عظيماً بحدِّ ذاته، لأن إنشائها لوحده لا يقدم شيئاً جديداً، إنما الأمر المهم هو استغلالها فعلياً لتحقيق تحسُّن في العمل والنشاط الويكيبيدي ببلاد الشام. لكن كبداية، أرجو أنها ستكون خطوة نحو مستقبلٍ أفضل للمعرفة الحرَّة!

عن أسطورة الكاميرا والقُمرة


ليس دعاية لشركة كانون، لكنَّها أول نتائج غوغل!

منذ بضعة أسابيع وهناك نقاشٌ ساخن على ويكيبيديا العربيَّة حول قواعد تسمية المقالات، وكيفية التعامل مع المصطلحات التقنية أو العلمية التي تكون ترجماتها المُعتمدة (من قبل مجامع اللغة العربية) مختلفة عن ما هو متداولٌ بين الناس. أثناء إحدى المناقشات، استشهد أحدهم مثالاً بمقالة الكاميرا، وأبدى ارتياحه لأنَّ أحد المساهمين أعادها إلى عنوانها الأصلي بعد أن ظلَّ اسمها “قُمرة” لعدَّة سنوات. أرجعت لي هذه المناقشة ذكريات برنامج الشقيري (في موسم سنة 2010 على ما أعتقد؟) وزوبعة “القمرات” التي أثارها في كل أنحاء الإنترنت العربي… والتي لم نَسمع بعدها بلفظة “كاميرا” مرَّة أخرى قبل انقضاء بضعة سنوات. أعتقد أنها مناسبة جيِّدة لكتابة تدوينة عن إحدى مآسينا الأخرى!

أذكر أنَّني كنت قد قمتُ ببحث سريع حول هذه الشائعة منذ ظهورها في سنة 2010، لكنني فضَّلت إعادة التقصي الآن بتفصيل أكبر للتوثُّق. حسب برنامج الشقيري (الذي أحبُّ فكرته كثيراً بالمناسبة… لكنني لا أثق بدقته كثيراً من الناحية العلمية) فإنَّ مصطلح “كاميرا” الحديث في اللغات اللاتينية مأخوذ من الأصل العربي “قُمرة”، حيث كان العالم العربي ابن الهيثم يُجري تجاربه في قمرات . الدليل هو… أمممم… لا أحد يدري على وجه التحديد. صحيحٌ أنَّ برنامج خواطر يستضيف آدم هارت – وهو صحفي وباحث بريطاني معروف – للحديث عن “القمرات” التي كان يُجري فيها ابن الهيثم تجاربه عن الضوء، إلا أنَّ من ادعى فعلياً أنَّ أصل كلمة “Camera” هو “قُمرة” كان الشقيري نفسه ولا أحد سواه. أما من أين جاء بتلك الأسطورة العجيبة، فهذا هو الأمر الذي قد لا نعرفه أبداً!

كان ابن الهيثم عالماً عظيماً، لكن لا يبدو أنَّ له علاقة كثيراً بمصطلح “الكاميرا” الحديث.

على أيَّة حال، يبدو أنَّ تأثير برنامج الشقيري على الإنترنت هائلٌ جداً. الأمر لم يتوقَّف عند تداول هذا المصطلح على كافة مواقع التواصل الاجتماعي وظُهور ملايين النتائج له على غوغل، بل لقد وصل إلى أماكن غريبةٍ مثل مدخلة Camera في ويكاموس الإنكليزي (وهو موقع شبيه بويكيبيديا لكنَّ وظيفته أن يكون معجماً لغوياً عوضاً عن موسوعة). اللافت للنَّظر أن ادعاءات الأصل العربي للكلمة لم تظهر قط حتى إذاعة برنامج الشقيري في 2010، وبعد سنة أو اثنتين من إذاعته… نُسِيَ الأمر ودفن تقريباً، وتوقَّف المستخدمون المجهولون عن محاولة تعديل مدخلات ويكاموس.

جسناً…. من أين نبدأ؟ أعتقد أن القواميس العربيَّة القديمة نُقطة جيِّدة للبدء. فالسؤال الأول الذي تطرق إلى ذهني بصراحة كان، هل تعني كلمة “قُمرة” فعلاً – كما يقول برنامج الشقيري – “الحجرة المظلمة”؟ بحسب كتاب لسان العرب، فإنَّ معنى “القُمْرَة” هو “خُضْرَة اللون”، مثل “شيء أقمر” أي أخضر. بحثتُ على هذا الموقع المُمتاز، الذي فيه قاعدة بيانات كاملة لمحتويات خمسة معاجم عربيَّة هي: لسان العرب والصحَّاح في اللغة والقاموس المحيط والعباب الزاخر ومقاييس اللغة، ولم يذكر أحدٌ منها شيئاً عن الحجرات ولا عن الظلام. المعنى الوَحيد الذي وجدتُه هو “خضرة اللون” أو “بياضه”. لست خبيراً كثيراً باللُّغة، لكن هذا كل ما أمكنني الوُصول إليه، وليس لي إلا افتراض أن معنى الغرفة والحجرة معنى مستحدث.

على العُموم…. فلنَعُد الآن إلى ويكاموس والأصل الحقيقي لكلمة “كاميرا” الحديثة. سأذكر بدايةً أن ويكاموس – مثل ويكيبيديا – أصبح مشروعاً مكتملاً وناضجاً كثيراً، ومع أنَّه قد يحتوي أحياناً بعض الأخطاء بصورة طبيعية… إلا أنَّه في الغالب يتوخى الدقة. بحسب ويكاموس، جاءت كلمة Camera الحديثة من عبارة Camera obsucra اللاتينية… بمعنى “الحجرة المظلمة”، وقد جاءت هذه بدورها من كلمة Camera اللاتينية القديمة، والتي تعود في الأصل إلى καμάρα، التي تعني باللغة الإغريقية “الحُجرة المقنطرة” (حجرة قوسيَّة الشكل). بعد تقصي عدد من المعاجم المشهورة والموثوقة جداً، مثل قاموس أكسفورد (الذي دلَّني من قبل، للمناسبة، على الأصول العربية للعديد من المصطلحات الإنكليزية… لكن ليس هذه المرة) وقاموس كولنز وقاموس ماكميلان لم أجد إلا اتفاقاً على نفس الشيء: الكلمة أصلها لاتيني ثم إغريقي. ومن الوَاضح أن الثقافة الإغريقية (الموجودة من قبل بدء التاريخ الميلادي) وخليفتها اللاتينية سبقتا بزمنٍ طويلٍٍ جداً مولد ابن الهيثم في سنة 965م، ومن الصَّعب تخيُّل كيف تمكَّنتا من السفر إلى المستقبل لسرقة مصطلح “قُمرة” العربي العظيم منه.

بالعودة إلى بداية حكايتنا، لا زالت مقالة كاميرا على ويكيبيديا العربية تُساهم بنشر الأكذوبة نفسها أكثر وأكثر على الإنترنت العربي. هناك نقاش دائرٌ حالياً، وأرجو أنَّه سينتهي خلال أيام بإزالة هذه الأسطورة من على صفحات ويكيبيديا. من الجميل أن يعتزَّ المرء بتاريخه… لكن ذلك ليس دافعاً لنا لاختلاق الأساطير والأكاذيب (أو اتباعها دون مراجعة وتحقُّق) لمجرَّد أنها تعطينا إحساساً بالفخر بحضارتنا. وعلى كلِّ حال…. لا أعتقد أن المرحلة التي تمرُّ بها الأمة العربية الآن من تاريخها هي المرحلة التي نحتاج فيها للعودة إلى تاريخ عُمره ألف عام والتباهي به. لقد انقضت مئات السنين على آخر مرَّة كانت فيها للعرب قيمة بتقدُّم العلوم على هذا الكوكب، لذا فلستُ أظنُّ أن الفخر والإشادة بالماضي لها أي قيمة الآن، بل العمل لبناء شيء في الحاضر له فائدة حقيقية، وإنَّ الانشغال بالماضي والحُزن عليه لن يزيد الحال إلا سوءاً.