لماذا أعملُ في المحتوى العربيّ؟

بدأتُ بكتابة المحتوى العربي في موسوعة ويكيبيديا عندما كان سنّي اثني عشر عاماً، وصرتُ أمضي منذ ذلك الحين ما لا يقلّ عن خمس أو ست ساعاتٍ يومياً في الكتابة، حتى أن مجموع ما كتبتهُ من مقالات وأبحاثٍ على الموسوعة وصل إلى نحو الألف وخمسمائة مقال. ولم أكن أتخيل إذ ذاكَ أن مسيرتي التطوعية ستتحوَّل إلى عمل ومهنة ولا أن ما انكببتُ عليه من أعمال مُطوَّلة سيأتي لي بأيّ مكسبٍ مادي، وإنَّما كان لي شغفٌ باللغة والثقافة العربية ما يزالُ الأساس في كُلّ دراسة أو مهنةٍ أخذتُها وفي كلّ مشروع أصنعُه، وهذا الشغف هو ما يُحرّكني الآن وما يدفعني للأمام دوامً.

كان يُلِمُّ بي في صغري فضولٌ كبيرٌ لاكتشاف العالم، فقد كنتُ مسحوراً بشتّى أنواع العلوم والمعرفة وكنتُ أتحرَّقُ شوقاً لأعرف أشياء “تافهة” مثل الطريقة التي تحيى بها الضفادع ولماذا فاز الرومان في الحرب على إمبراطورية قرطاجة وما هو عدد وأسماء الدول في قارة أفريقيا. وقد كانت وسيلتي لأكتشف إجابات هذه الأسئلة هي الكتب، إذ كان والدي يصطحبني معه إلى كلّ مكتبة ومعرض كتاب (وهو مجالُ عمله) لأستعرض ما فيها وأشتري ما أشاء، إلا أني كنتُ أبحث المرَّة تلو الأخرى وأطوف بين الكتب لساعاتٍ دون أن أجِدَ ما أبتغيه. فقد كنتُ أنتظرُ شهوراً لأجد كتاباً عن الديناصورات، وهي من أكثر الموضوعات المُحبَّبة إليَّ، حتى أعثرَ على دفتر رسمٍ للأطفال فيه سطورٌ مقتضبة معدودةٌ عنها، وكنت أُضيّع يوماً كاملاً في التفتيش بمحرّك “غوغل” بحثاً عن معلوماتٍ ترضي شغفي عن تاريخ الفينيقيين دون أن أقابلَ شيئاً سوى المنتديات المحشوَّة بالترّهات والتفاهات.

ولكن حياتي تغيَّرت تماماً فيما بعد، وقد وقع هذا التغيّر لسبب واحد: وهو أني أتقنتُ (في نهاية المرحلة الابتدائية) اللغة الإنكليزية بدراسة وتعلّم ذاتي طويل، ولن أنسى قطّ ما أصابني من دهشة وسعادة وحماسة لأبواب المعرفة الواسعة التي انفتحت أمامي وللمقالات والكتب والأفلام العصيَّة على أن تُحصّى التي باتت في متناول يدي. وأدركتُ بعد فترة قصيرة أن بيدي هبةً عظيمة، فقد أصبحَ بإمكاني أن أُصحّح الخطأ الذي وقعتُ ضحيَّته وأن أساعدَ في بناء محتوى عربي ثريّ بمختلف موضوعات المعرفة ليرضي شغف أمثالي ومن بعدي من الضحايا ممَّن لا يتقنون لغةً سوى لغتهم الأمّ، وكانت الأداة المثالية لي في تحقيق هذا الهدف هي “ويكيبيديا”، فهي موسوعة حُرّة يمكنُ لأي شخص -مثل طالب في المدرسة الابتدائية- أن يساهمَ في كتابتها وبنائها.

أنا أؤمن بأن إثراء المحتوى العربي هو مفتاحٌ أساسيٌّ لنهضة العرب وبلدانهم ثقافياً واقتصادياً وحضارياً، وهو برأيي المتواضعُ الغاية الأجدر والأهمّ للاستثمار في مستقبلنا. فالمعرفة هي أساس التقدّم، واللغة هي أساس الانتماء والارتباط بالثقافة والتاريخ، واجتماعهما أمرٌ جوهريٌّ جداً لنهضة أيّ أمة. فإذا تعلَّمت البرمجة أو الهندسة أو الطب باللغة الإنكليزية فإنَّك تخسرُ صلتك بثقافتك، ولن تجد سبباً وقتئذٍ لإعطاء شيء لثقافتك (وهي لم تعطكَ شيئاً لتردّه إليها) ولن يكون لديك سببٌ للبقاء في وطنٍ عربيّ أو لإهدار وقتك في بناء هذه البلاد وإعمارها، واللغة العربية وحدَها باقيةٌ وراء التاريخ ومتّصلة مع التأخر والتخلّف إذا ما لم تجتمع مع أسباب الحضارة والمعرفة والعلوم الحديثة، وجمعُ وجهي العملة هذين معاً هو التحدّي الأكبر الذي على الأمة العربية أن تجتازَه، فهي الآن إمَّا تستورُد المعرفة من غيرها أو تظلّ مأسورةً في موروثٍ ثقافي عتيق وبائد.

ما أتطلَّع لهُ في حياتي هو أن أسهمَ ببناء أدب فنيّ ومعرفيّ قويّ باللغة العربية. أكثرُ ما استثمرتُ فيه وقتي وجهدي حتى الآن كان موسوعة ويكيبيديا، والتي أتمنَّى بصدقٍ أن أراها تضمّ كلّ أطراف المعرفة باللغة العربية وتعرضُها للقارئ في مكانٍ واحدٍ بدقّة علمية ومتانة لغوية، وهو حلمٌ كبيرٌ بعيدٌ عملتُ عليه لأكثر من عشر سنينٍ وما زلتُ عليه. ولديَّ أهدافٌ كثيرة غير موسوعة ويكيبيديا، إذ أتطلَّع لوضع الكتب وأبحاث اللغة وأدب الرواية والقصّة بلغتي العربية، وهي كلّها أعمالٌ شديدة الأهمية للثقافة والعلوم والقطاع الأكاديمي وما تزالُ حالها تعيسة في لغتنا، فالروايات العربية سيّئة لا تستحقّ القراءة والكتب هي “مقالات رأي” لا يعرفُ أصحابها شيئاً عن الكتابة والسبك الأكاديمي وكلّم حتوى باللسان العربي لا ثقةَ أو أمان له.

نشرتُ لهذه اللحظة -رقمياً- إسهامي الأول في المكتبة العربية، وهو كتاب “حكاية ويكيبيديا”، وأعملُ حالياً على كتابٍ آخر وعدّة مجموعات قصصية ورواية آملُ طرحهم في القريب للجمهور، وأما خططي ومشاريعي لمستقبل المحتوى العربي فهي كثيرة ومتنوّعة، ويمكنك أن تقرأ المزيد عنها أدناه.