صاح الربان: “واحد، اثنان، واحد، اثنان”، وانهمك طاقم البحَّارة المتطوّعين أمامي يسحبون الحبال بدفعاتٍ جهيدةٍ على إيقاع كلماته، فانفرجت أشرعة زورقنا ونفختها الريح لتدفعنا نحو غمار نهر الهدسون، فرأيتُ أمامي صوب اتجاه الريح تمثال الحرّية الذي كان من أول ما وقعت عليه عيون روَّاد العالم الجديد وهم يَفِدُون إلى هذه المدينة منذ مئات السنين، ثم التفتُ خلفي نحو ناطحات سحاب نيويورك الشاهقة وعمرانها الممتدّ على مرأى البصر، وانتابني ذات الذهول الذي أكاد أشعرُ به كل يوم: وهو كيف أن هذه المدينة (ألتي كانت في ذهني محض مكان خيالي لا وجود له إلا خلفية في مشاهد هوليوود وحلقات مسلسل “فرندز”) غدت مسكنًا لي، وكيف أن مكتب العمل الذي أركبُ القطار إليه بضعة مرات في الأسبوع يقع على قمّة برجٍ شاهقٍ يسهل تبيُّنه من على متن زورقنا. وقد انتهى المطاف بي هنا إثر سلسلة أحداث بدأت حينما قبل عامين ونصف، وتغيَّرت خلالها حياتي أكثر من أي مرحلةٍ عشتُها سابقًا.
وبسبب هذه التغيّرات الحياتي الكثيرة وقلّة استقراري فقد فوتُ في السنة الماضية عادةٌ بدأتُها قبل 10 سنوات والتي داومتُ فيها على نشر تدوينة سنوية عن تجاربي الحياتية باتت -تقريبًا- إنتاجي الوحيد على هذه المدونة بعد أن أبعدتني عنها مشاغل الحياة، والآن أعودُ لها أخيرًا لأصف عامًا مزدحمًا جدًا: فبدأتهُ بتسفارٍ خضتُ فيه إحدى أفضل رحلاتي (إلى اليابان)، وعملتُ خلاله على أحد أكبر مشاريع المحتوى العربي التي انخرطتُ بها (أداة معجميَّة لتوحيد المصطلحات المُعرَّبة)، وانتهى بأكبر نقلةٍ مهنيةٍ خضتُها (في انضمامي إلى شركة أوبر كصانع لأدوات الذكاء الاصطناعي)، وتخلَّلتهُ تجارب شتّى أنتقي بعضها في مراجعتي السنوية هذه.

تورونتو
افتتحتُ اللحظات الأولى من عام 2025 على إطلالة تورونتو البحرية المتجمدة. كنت آنذاك في زيارة لابن عمي بعد تخرجي من جامعتي في نيويورك بأسابيع وامتلاء حياتي بالفراغ، وقد ظننا لسبب ما أن افتتاح السنة الحديدة بالسير لخمس ساعات في حرارة ناقص 15 إلى 20 مئوية سوف يكون افتتاحية مبشّرة، وهي -والله العليم- أخفض حرارةٍ عشتُها في حياتي حتى ذلك الحين.
بدأتُ عامي هذا رحَّالة بلا مستقر ولا منزل أعود له، كما تؤول بي الحال كثيرًا لأسباب عديدة، فقد أنهيتُ دراستي في مدينة نيويورك، ولم أدري لو كانت لي رجعة إليها واستقرار فيها رغم عشقي الفائق لها، ولم أكن حينذاك قد ارتبطتُ بأي وظيفة لها موقع فيزيائي، لذا قررتُ أن أوفر بضع شهور من إيجاري باهظ الثمن في مانهاتن، فنقلتُ كل ممتلكاتي الدنيوية إلى غرفة مستودع ضئيلة وحزمتُ حقيبة متواضعة وبدأتُ جولة ترحال سوف تستمر لأربعة شهور، وكانت أولى محطاتها في كندا.

تعلمتُ في تورونتو كيفية لعب السكواش لأول مرة بحياتي، ولو أن كلمة “تعلمت” قد تنطوي عليها مبالغة نظرًا لأني أصبتُ واحدة من كل عشر كرات، فقد شعرتُ وأنا أطارد تلك الكرة المجهرية بالمضرب بنفس شعوري وأنا أطارد ذبابة بمضرب الحشرات لنصف ساعة بلا حيلة. وأما باقي زيارتي لابن عمي فقد كان مزيجًا من مباريات لكرة الطائرة (الأكثر إمتاعًا بمرات) وأفلام كونغ فو باندا وحلقات مرايا وأكثر بكثير من الكمية التي قد ينصح بها خبراء التغذية من الدجاج الكوري المقلي الشهي. كما أني أمضيتُ جل الزيارة مكنبًا على مشروع للتأليف لأول مرة منذ سنوات.

بحثٌ عن أصل أسطورة الفينيق والعنقاء
كنتُ محظوظًا بكسب زمالة في البحث بتاريخ الفنون قبل عامين مع مؤسسة تراثية أمريكية، فنتج عنها مقال طويل عن تاريخ الأسواق (البازارات) في مدن العالم الإسلامي، وقد عرضَتْ عليّ نفس المؤسسة كتابة بحث جديد لسنة 2025، وبحكم فلسفتي الحياتية (التي تقضي بعدم رفض أي فرصة أرزق بها إلا في أقصى حالات الاضطرار واليأس، وغالبًا بعدم رفضها حتى وقتئذٍ) فلم يكن عندي خيار سوى القبول حتى ولو كنتُ بصدد بدء وظيفة جديدة والمقابلة لوظائف أخرى والعمل على ثلاثة مشاريع جانبية. وقد انهمكتُ في هذا المشروع طول الشهر الذي أمضيتهُ وأنا أتأمل غابات تورونتو المتجمدة الأشبه -بالنسبة لي- بسيبيريا من شباك شقة ابن عمي.

اخترتُ موضوعًا أثار فضولي بحق: فالفينيق هو طائر مشهور بالأساطير اليونانية، وقد تعرفهُ مثلًا من فينيق دمبلدور في هاري بوتر، فهو مخلوق ينقلب لهيبًا في نهاية حياته فيولد فرخه من رماده، لكن له اشباهًا موازية في عشرات الثقافات، منها مثلًا أسطورة “العنقاء” العربية، فما العلاقة بينها؟ استغرقني الجواب بحثًا مضنيًا في نحو 3,000 صفحة من كتب التراث وما يرنو على 100 ساعة عمل متعبة، ولو أثارت فضولك الخلاصة فهي أن أصل طائر الفينيق هو من أسطورة مصرية فرعونية لطائر بحجم الحمامة، وأما “العنقاء” العربية فهي طير عملاق يشبه ما يظهر في قصص السندباد، ولعلها مرتبطة بطائر الرخ الفارسي الذي زعم رحالة (منهم ابن بطوطة، الذي في رحلاته للأسف اختلاق كثير) أنهم رؤوه يغرق سفنًا كاملة في البحار. حينما انتهيتُ من مشروعي البحثي هذا، قررتُ أني أثقلت على ابن عمي المضياف في كندا، وأن الأوان قد حان لأستفيد من حسن ضيافة قريبٍ آخر لي.
تماسيح فلوريدا
انتقلتُ من صقيع تورونتو القطبيّ خلال ساعات إلى مناخ رطبٍ حارّ ذكّرني بمدينة جدة السعودية التي ترعرتُ فيها، لولا أن نخيل جدّة (القليل) حلّت مكانه أشجار مستنقعات عجيبة ذات أغصان متدلية تبدو وكأنها من فلم للهالوين. زرتُ في فلوريدا أخي الأكبر الذي انتقل إلى تامبا قبل سبع سنوات، فحصلتُ على إقامة مجانية أخرى معه، وحياة يومية رائعة كنتُ أركبُ فيها الدراجة نهارًا إلى الحديقة وأعمل أو أقرأُ كتابًا (كان كتابي آنذاك: “أن تقتل طائرًا مغردًا”، وهنا مراجعتي التي تُفصِّلُ إعجابي الشديد به) على ضفة النهر البديعة إلى مباريات الكرة الطائرة ليلًا في الجو اللطيف بملاعب الهواء الطَّلْق. لكن رحلتي في فلوريدا غصّت بمغامرات أفضل بمراحل من هذه التجارب المتواضعة اللطيفة.

من أكثر الجدالات حماوةً وحدّة بيني وبين أخي هو الآتي: هل تفضّل حديقة مزروعة منسّقة في وسط المدينة، أم غابة في قلب الطبيعة لم تعبث بها يد الإنسان المفسدة؟ فأما أخي فهو يختار دومًا حديقة المدينة وممشاها المعبَّد المقيت، وأما المخلصون للكوكب والطبيعة أمثالي (وأصحاب الذوق طبعًا) فهم يختارون الثاني دومًا، فكيف لي أن أستعيد طاقتي وأفرغ ضغطي النفسي من حياة المدينة لو لم أحظى بعزلة عن معمورة الإنسان؟ وقد فطنتُ إلى استغلال معاملتي الخلصة كزائر وثقافة إكرام الضيف في فرض وجهة نظري وترتيب رحلة ممتعة إلى رحاب مستنقعات فلوريدا.

عليّ أن أقول هنا أني كنتُ محظوظًا بالسفر والترحال إلى أماكن شتى خلال حياتي غير الطويلة، وقد رأيتُ كثيرًا من معالم الطبيعة المذهلة (بل وسوف يرد ذكر أحدثها بعد قليل)، لكن قلما نلتُ من الحظ ما نعمتُ به في زيارتي الخاطفة هذه إلى طبيعة فلوريدا، فقد رأينا بين ظهيرة يوم واحد ومسائه كل أعاجيب الحياة البرية في هذه الولاية: فرأينا على ممشى واحد نحو 20 تمساحًا (أو قاطورًا، للدقة العلمية) من كل حجم وشكل تستجمّ بحرارة الشمس، فمنها البالغة التي يناهز طولها طولي ومنها أطفال تماسيح أصغر من كف اليد، لكن هذه لم تكن إلا لمحة من تجارب هذا اليوم، فقد رأينا -كذلك- أرماديلو وأفعى وسلاحف ونسورًا بأسراب هائلة وطيور أبي منجل ولقالق، وأما تجربتي المفضلة ربما فهي بومة التقيناها في ساعة الغسق لنختم بها رحلتنا!

جبال الدخان
لم نكد نرجع من هذه التجربة الرائعة حتى انطلقنا في مغامرتنا التالية، فشددنا الرحال إلى ولاية جورجيا للإقامة في كابينة خشبية (تذكرني بأفلام الهالوين كذلك، أو ربما بفلم أبوكاليبسي لثلة ناجين يختبؤون في وسط الغابات) بقلب إحدى أشهر معالم الولايات المتحدة الطبيعية: “جبال السموكيز”. عبرنا على الطريق مدينة جورجيا، التي حالما دخلنا الطريق السريع المؤدي إليها تذكرتُ المشهد الافتتاحي لسلسلة The Walking Dead المرعبة، ومنها صعدنا جبالًا وغابات لعشر ساعات أمضيناها بلعبة أسئلة مسلية وبمباريات شطرنج ضد بعضنا البعض. أحاط بالكابينة ما قد أزعم أنه مئات التحذيرات والتهويلات من خطر الدببة السوداء، وقد تناسب مع عدد هذه التحذيرات مقدار شوقي ولوعتي للقاء أحد هذه الدببة اللطيفة في البراري، فصار شغلي الشاغل للأيام الثلاثة المقبلة، لكن الدببة لم تشرفنا بزيارتها هذه قط.

أمضيت طريقة عودتنا وأنا منكب على حاسوبي، فأحمد الله دومًا على القدرة الخارقة التي رُزِقتُ بها للعمل في أي بيئة من البيئات، فرحتُ أبرمج على شاشة حاسوبي المهتزة وبين ضربات مكابح السيارة بوت ذكاء اصطناعي: فقد أيقنتُ وقتئذ أن أيامي في الولايات المتحدة قد تكون معدودة، وأن لا بد لي من بناء مشروع مبهر لتأمين وظيفة تفتح لي أبواب الهجرة. ومن الأصح أن أقول هنا أن تشات جي بي تي قد برمج بنفسه بوت الذكاء الاصطناعي مع مساهمات قليلة مني (معظمها تعديلات لسطرين أو ثلاثة تدمّر آلاف الأسطر التي كتبها لي)، فصنعتُ مع الذكاء الاصطناعي غريمًا لنفسه، واكتسبتُ أثناء تجربتي هذه على طريق سفر في فلوريدا (وبمئات الساعات من التجربة والخطأ من بعده) خبرة غيّرت مسار حياتي المهنية، وهي تغيّرات بدأت في مكان غير متوقَّع بتاتًا.

رحلة إلى اليابان
لو كنتَ قد شاهدتَ من الأنمي بقدر ما شاهدتُ أنا، لربّما ارتسمت في ذهنك صورةٌ لمباني طوكيو مترامية في الأفق أمام جبل فوجي الهائل المهيب، وربما لو زرتَ طوكيو يومًا ما فسوف تهمُّ -مثلي- بالالتفات يمنةً وشمالًا بحثًا عن هذا الجبل المزعوم، فدعني أُقدِّمْ لك نصيحة مجانية توفّر عليك المجهود الضائع: فقد وقعنا -كلانا- ضحيَّة خدعة كبيرة، وهذا الجبل لا أثر يُرَى لهَ في أي مكانٍ بمدينة طوكيو ولا أحيائها الرئيسية التي قد يزورها أي سائح، وأما لو شددتَ الرحال وركبتَ القطار المكتظَّ ساعة أو ساعة ونصف إلى ضواحي المدينة النائية (التي يسكنها جلُّ من يعملون في العاصمة)، فربما تلمحُ لطخةً بعيدةً على الأفق، ثم قد ترى شخصًا يؤشِّر نحوها بحماسةٍ فائقةٍ ليخبرك بأن تلك المسحة البيضاء التي لا تبدو أقرب من كوكب المشتري هي قمَّة الجبل المتجمّدة، وحينئذٍ ستُدْركُ أن من الأجدى لك أن تركب الحافلة لساعتين إضافيَّتَيْن وترى الجبل الحقيقي.

لكن دعني أرجع بالزمن قليلًا لأفسِّرَ هذه الرحلة العجيبة، فقد كنتُ أتنقَّل بعد تخرّجي من الجامعة كالمشرَّد بين مدن وبيوت عديدة، وذلك لأتجنَّب الارتباط بعقد إيجار في نيويورك لأطول مدّة ممكنة، فأرخص غرفها المؤجّرة (التي تشترك بمطبخها وحمامها مع زميلَيْن إلى ثلاثة يحتمل بنسبة 20% أن يكونوا من المرضى النفسيّين) تتراوح أسعارها بين 1,500 إلى 2,500 دولار شهريًا، ولذا حينما طرحت عائلتي الرحلة كانت ردَّة فعلي الأولى أنها “فكرة مجنونة”، وأما ردة فعلي الثانية بعد إجراء الحسابات اللازمة فهي أنها قد لا يكون لها أثرٌ يُذْكَرُ على ميزانية حياتي قاصمة الظهر في “بلاد اليانكي” كما تدعى في مسلسل الفصول الأربعة.

وقد كنتُ مرتبطًا في هذه الفترة بعملٍ عن بعد كحالي طول السنوات السبق الفائتة، وهو ما قد يحسدني عليه كثيرون، وما لم أره شخصيًا ميزةً هائلةً قط، فقد أضجرني العمل من المنزل طول هذه السنين حتى صرتُ أتمنَّى الخروج ولقاء زملائي وجهًا لوجه، ولكن تبادرَ لي الآن أني قد أستطيع استغلال هذه “الميزة” التي يعشقها الناس ذات الاستغلال الذي يتمنَّاه جلُّهم ربما، إذ يمكنني العمل وأنا أسافر، بل ومن مدينة أحلامي: طوكيو! كنتُ وقتها في وظيفة مع مؤسسة صغيرة غير ربحية تعملُ لأجل الديمقراطية لم أرى لها مستقبلًا باهرًا، وحينما أخبرتُ مديري أني سوف أعمل من اليابان لثلاثة أسابيع “دون أن أُفوِّتَ أي اجتماعات” ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة، لكنه قال لي أني لو كنتُ مستعدًا للاستيقاظ في منتصف الليل بتوقيت طوكيو -حينما تبدأ اجتماعاتنا اليومية المكثَّفة بتوقيت نيويورك- فلي “أن أفعل من شئت”، وهكذا بدأت واحدةٌ من أكثر مغامرات حياتي متعةً وفرادة.

مقر عمل في طوكيو
انطلقتُ من فلوريدا في الثالثة صباحًا بعد يوم عملٍ طويل وركبتُ أطول رحلة طيرانٍ في حياتي ( 15 ساعة)، وقد كنتُ فيها من الإرهاق إلى درجة أني نهضتُ من مقعدي مرة واحدةً طول هذه المدة. وقد كان وصولي بعد هذه الرحلة الشاقَّة من أكثر تجارب السفر المربكة قط، فرحبَّت بي هذه البلاد أولًا بطابورٍ للجوازات مدَّته لا تقل عن ساعة ونصف، ثم بطابورٍ ثانٍ لصرافة الين الياباني، ثم طابور ثالثٍ لشراء تذكرة القطار بالين المصروف، ثم طابور لشراء الطعام بعد الجوع القاتل من الطوابير السالفة، وهذا كلُّه تلخيصٌ ممتازٌ لتجربة الحياة في اليابان: فهي في جوهرها سلسلةٌ أزلية من الطوابير. وصلتُ إلى غرفة Airbnb بعد 25 ساعة من بداية رحلتي، فنمتُ لأربع ساعات ثم استيقظتُ كميّت نهضَ من القبر لأبدأ يوم عملي الممتع.

بدأتُ يوم عملي مع زملائي في الولايات المتحدة في منتصف الليل، فتجرَّعتُ كؤوس القهوة مثلما يتجرَّع الماء من ضاع في الصحراء شهرًا بلا مفعول، وقد تظنُ أن وتيرة حياتي هذه هي ضربٌ من الجنون، وأعذرك في هذا الظن لأني لم أتخيَّل سواه قبل أن أخوض هذه التجربة، لكني سرعان ما اعتدتُها وأحببتُها -بعد ليلتي الأولى العصيبة- حبًا جمًا. فقد كنتُ أنال ما أحتاجه من النوم نهارًا ثم أستيقظ في ساعات الصباح الباكرة، فأوظِّبُ أغراضي وأخرج من شقتي (التي لا يفترض فيها أن “أثير أدنى ضجيج” كحال اليابان كلّها، فهي بلاد تُحرِّمُ االضوضاء وتُقدِّسُ الصمت المُطْبِقْ)، فأبتاعُ قهوةً رخيصةً وإفطارًا متواضعًا من محل “سفن11” أو “فاميلي مارت” الذي يفتحُ 24 ساعة، والذي أقسم أنك لن تسير أكثر من ثلاث دقائق لبلوغها من أي مكان عشوائي في طوكيو بأسرها، ثم أذهب إلى “مقهى المانغا” الذي يفتحُ على مدار الساعة كذلك لأعمل منه، وأما جزئي المفضَّل من اليوم فهو طبعًا بعد انتهاء العمل، إذ أكمل دوامي في نحو الثامنة صباحًا: حالما تفتحُ كل المحلات أبوابها، فأبدأ جولةً سياحيةً مبكرةً في وضح النهار (بدل الليل القاتم والمحلات المغلقة في وجهك التي أراها بعد ساعات عملي المعتادة)، وقبل أن تصل حشود السياح أي مكان.

و”مقهى المانغا” هذا الذي غدا مقرَّ عملي هو نوعٌ عجيبٌ من الأماكن قد يصعبُ تفسيره بأي كلمةٍ نعرفُها، فهو مفهومٌ متكاملٌ لا وجود له في عالمنا ولا خارج كوكب اليابان، وهو عبارةٌ عن مكتبة للمانغا فيها آلات قهوة وعصائر بأي كميةٍ تشاء، فتستأجرُ فيها غرفةً مستقلًة بنحو دولار على الساعة فيها جهاز حاسوب مع إنترنت، والمكان مُجهَّزٌ بمرافق متكاملةٍ للسكنى من حمامات وغرف استحمام ومطبخ وسوى ذلك! وكنتُ في خضمِّ اجتماع عملٍ من هذا المكان الجميل في ثالث يومٍ لي في اليابان حينما رأيتُ إشعارًا بإيميل جديد، وحينما رأيتُ نصَّ العنوان كادت تأتيني سكتةٌ قلبية: “Next Steps with OpenAI”.

مقابلة مع OpenAI
أمضيتُ الأيام العشرة التالية وأنا لا أعمل ولا أسير في شوارع طواكيو ولا أتنفَّس أو أخلد إلى النوم دون التفكير في كل لحظة بمقابلتي القادمة لوظيفة أحلامي في العمل كـKnowledge Management Architect مع الشركة التي صنعت تشات جي بي تي، ودون أن أتصبَّبَ عرقًا وأنا أتدرَّب على أجوبة شتى الأسئلة التي قد أتوقَّعها. وعلى هذه الشاكلة زرتُ متحف الساموراي في طوكيو، وتعرفتُ إلى تاريخ هذه البلاد الخطِّي وكيف كانت شعوبًا متفرِّقةً ثم وحَّدها الشوغَنْ “إياياسو” قبل نحو 500 عام، وبهذه النفسية كذلك زرتُ “مقهى البوم” العجيب الذي تحتسي فيه القهوة برفقة حديقة حيوانات مصغَّرة، وأخيرًا جاء يوم المقابلة في صباح رحلتنا إلى جبل فوجي.

استغرقت المقابلة التي طال انتظارها وقتًا قصيرًا جدًا مقارنةً بتحضيراتي الطويلة، وقد كانت أسرع وتيرة مقابلةٍ خضتُها قبلئذٍ أو بعدها، فقد بدأت الـrecruiter المكالمة بـ”مرحبًا” ثم قفزت إلى سؤالها الأول دون تضييع ثانيةٍ أخرى بالتحمية أو السؤال عن الحال (الذي لم يبدو عليها الاهتمام به بأدنى الدرجات)، ثم انصبَّ عليَّ وابلٌ من الأسئلة أسرع من طلقات الرَّشاش، فلا أكاد أنهي جوابي المُفصَّل وألتقطُ نفسي حتى أكون قد قُصِفْتُ بالسؤال التالي، وقد سارت الأمور على ما يرام -بتصوّري- حتى جاء سؤالٌ عن خبرتي بالعمل في وظائف دعم العملاء (customer support)، وقد فطنتُ إلى أنه أحد الأسئلة التي يتحقَّق بها الـrecruiter من متطلَّبات الوظيفة، فأجبتُ عن خبراتي المتعلّقة، واعترفتُ بأمانةٍ بأني لم يسبق لي العمل بوظيفة دعم عملاء -بالمعنى الحرفي- سابقًا، وبعد هذا السؤال اختفت كل الطاقة من المقابلة، وانتهت بعدها بقليلٍ بمدّة لم تتجاوز 20 دقيقةٍ إلا نيّفًا. حينما وصلتني نتيجة المقابلة المؤسفة، كنتُ أنظر إلى أبهى إطلالة رأيتها في هذه الرحلة.

رحلة الأهوال إلى فوجي
لم أكد أنهي أهم مقابلة في حياتي المهنية حتى عدتُ للشقة لأوظب أغراضي وأستعد لرحلتنا إلى فوجي. استغرق حزم الحقائب أكثر مما توقعنا (وهو ما حصل مئات المرات في حياتي دون أن تتحسن توقعاتي فميا يبدو)، فغادرنا الفندق قبل موعد الحافلة بـ45 دقيقة، وأخبرني غوغل أن وقت وصولنا المقدّر إلى موقف الحافلات بعد موعد انطلاقها بخمس دقائق، وكنتُ أعرف بالخبرة الطويلة أن تقديرات غوغل دومًا على حق، فبحثتُ خيار ركوب سيارة الأجرة، فإذا هي أبطأ من القطار، فعلّقتُ آمالي على أن الأساطير اللانهائية المتداولة عن دقة المواعيد في اليابان فيها قسطٌ من المبالغة، وبينما هذه الأفكار تعتصر رأسي وضعتُ يدي في جيبي فإذا بها مفتاح الشقة الذي نسيتُ إعادته، وهنا شتمتُ نفسي على هذا الخطأ الذي لا يغتفر، وكانت تلك بداية طريق الأهوال المقبل.

نزلتُ في المحطة التالية وركضتُ كالمجانين نحو القطار المعاكس الذي سأعود به إلى شقتنا، فقفزتُ في اللحظة التي فتح بها أبوابه كما قفزت “ليلي” في القطار أثناء سباقها مع “تيد” و”مارشال” و”روبن” لإثبات أسرع وسيلة نقل في نيويورك، ثم جلستُ على كرسيه 15 دقيقة وأنا أنتظره ليتحرَّك (فقد تبيَّن أن تلك هي محطته الأولى)، وبعد إعادة المفتاح والعودة للقاء أمي وأخي تابعنا طريقنا نحو محطة الحافلات، فإذا بقطارنا يتجه شمالًا بدلًا من جنوبًا، فعدنا وبدلنا القطارات لنبلغ محطة “شينجوكو”، أكبر محطات طوكيو، وهذه المحطة هي أعجوبة من الأعاجيب تُحِيل التايمز سكوير ومحطة رمسيس إلى مهازل مقارنةً بها، فأرصفتها أخطر من طريق سريع مليءٍ بالسيارات، وإن لم تصدّقني فإن المحطة كانت طافحةً بشرطة مرور لتنظيم حركة سير المشاة (نعم، كما قرأت)، وبرأيي المتواضع فإن هذه أعظم وأكثر وظيفة شحيحةٍ في دولة اليابان، فقد كاد المشاة “يدهسوننا” بين الأرجل مرّات لا تحصى ونحن نبحث عن بعضنا وعن طريقنا في المحطة التي أعجزت طوابقها الست كل قدرات خرائط غوغل، وحينما بلغنا رصيف حافلتنا بعد معاناة هائلة كانت قد مضت على رحيلها ساعتان كاملتان، وضحكتُ وأنا أذكر أني كنتُ متوترًا لتأخرنا خمس دقائق.

استمتعنا في رحلة الحافلة براحة بالٍ قصيرة الأمد، فما إن نزلنا منها وهممنا بالسير إلى فندقنا حتى أدرك أخي أنه نسيَ هاتفه فيها، وحينها بدأ مسلسلٌ جديدٌ من التخبُّط والركض في أرجاء المحطة وتبادل الحوارات غير المفهومة على Google Translate، توصَّلنا في نهايتها إلى نتيجةٍ غائمةٍ توحي بأن الهاتف ربما يكون في محطة أخرى على مسافة بضعة كيلومترات. في الصباح الآتي، استأجرنا أنا وأخي درَّاجتَيْن وانطلقنا بهما إلى هذه المحطة، وانبهرتُ حينما خرجنا من المحطة بعد 3 دقائق وفي يدنا الهاتف، فقد كانت نهاية سلسلةً جدًا لمغامرتنا المأساوية! قُدْنَا الدراجتين في طريق العودة على شاطئ بحيرة خلاَّبة مطلةٍ على فوجي، وتوقفنا في الطريق قربَ رصيفٍ للزوارق لنسأل عمَّا لو كانوا يؤجّرون أي زوارق، فوجدنا المكان مهجورًا كأنه قرية أشباح، ما عدا أن عجوزًا أجنبي المظهر جلس على إحدى الطاولات قربنا، وما إن رآنا حتى سألنا عمَّا نفعله هنا، وحينئذٍ بدأ حوارٌ عجيبٌ ذكَّرني فيه هذا الرجل بشخصيات الـQuest givers في ألعاب الحاسوب الذين ينفردون بأنفسهم طول اليوم في بقعةٍ معزولةٍ بقلب البراري بانتظار اللاعب الذي سوف يدخل مرأى بصرهم للدردشة معه، فقد روى لنا وهو يدخِّن سيغارته قصَّة حياته منذ انتقاله شابًا إلى هنا من الولايات المتحدة وحتى أصبح دليلًا سياحيًا مختصًا بهذه المنطقة قرب فوجي، وحينما سألناهُ عن جولاته -من باب اللطف- أكَّد لنا أنه محجوزٌ بالكامل لشهر للمستقبل، وحينما فتحتُ جولاته على Trip Advisor من باب الفضول تبيَّن أن جولات هذا العجوز الغريب تُكلِّف نحو 2,000 دولار على الشخص لبضع ساعات من وقته الثمين!

رحلة إلى هوغوورتس والديزني لاند
كنتُ محظوظًا عبر حياتي بأني سافرتُ ثلاث مرات إلى مدن فيها ملاهي الديزني لاند الشهيرة، وقد دارت في ذهني بكل واحدةٍ من تلك المرات سلسلة الأفكار الآتية: “لماذا أضيّع وقتي بالذهاب إلى الديزني لاند وأنا في هذه المدينة المميّزة إن كنتُ أستطيع أن أراها في مكانٍ آخر؟”، وقد قادتني هذه المحاججة إلى أن أنتظر ثمانية وعشرين عامًا حتى أدركتُ حقيقة أن الديزني لاند هي أسعد مكانٍ على الكوكب.

ما إن دخلنا هذه “البلاد” (أو “البحار” للتصحيح، فقد اخترنا الذهاب إلى “الديزني سي” التي تختصُّ بها طوكيو وحدها) حتى استقبلنا بحرٌ عظيمٌ وسفينة قراصنة بالحجم الحقيقي وقلعةٌ بحريةٌ وقصرٌ وبركان شامخ يُطِلُّ على الحديقة بأسرها، فقد بلغ الجنون بمصمِّمي هذا المكان أن بنوا جبلًا كاملًا على هيئة بركان، ولو لم تقتنع بحقيقته فسوف تراهُ ينفثُ الدخان والحمم الملتهبة على مدار الساعة، ولم لم يُقْنِعْكَ كل ذلك فلكَ أن تدخله وتكتشف بنفسك، ففي أعماقه أعظم تجربةٍ في هذه الملاهي كلّها، ألا وهي: “رحلة إلى باطن الأرض”!
لم نَكَدْ نخرجُ من هذا البركان حتى وصلنا إعادة بناءٍ لميناء نيويورك من القرن الثامن عشر، وما أبهرني بالميناء وبالملاهي بأكملها هو أنها مبنيَّة وكأنها مدينةٌ متكاملةٌ تدبُّ الحياة في زواياها كافَّة، ففي الميناء باخرةٌ كاملةٌ على الرصيف ومخزنٌ فيه مطعم ومسرح فيه عروض متوالية ومتاجر ومحلاّت شتى، وأزياء الزوَّار وموظَّفي الحديقة تُضْفِي شعورًا سحريًا بحتًا على المكان، وما هذه إلا البداية، فمنها ذهبنا إلى عالم Frozen بقلعتها المتجمّدة الكاملة، وبرج Tangled الذي يتدلَّى منه شعر “ربينزل” الذهبي وهي تُغنِّي “When will my life begin?”، وبجانب برجها مقهى متكاملٌ يُقدِّم الطعام يُطَابِقُ حانةً من الفلم. وقد ضعنا في تفاصيل هذا العالم حتى شعرتُ -حقًا- وكأني انتقلتُ إلى أرضٍ خيالية بعيدةٍ لاثني عشرة ساعة من المتعة الخالصة.

كان من حظّنا كذلك أن اكتشفنا في طوكيو مدخلًا أقل شهرةً -فيما يبدو- إلى الرصيف 3 وثلاثة أرباع، فلم نتوانى عن زيارة خاطفةٍ ومدهشةٍ إلى هوغوورتس كانت تغصُّ بالتفاصيل المدهشة، فقد رأينا فيها أدراج المدرسة المتحرّكة وشارع التسوّق الرئيسي في قرية السحرة وزرنا صالة الطعام الشهيرة التي اختارت فيها القبَّعة منزل غريفندور لـ”هاري بوتر”، وقد كانت أكثر المراحل المبهرة في الزيارة هي الغابة المُحرَّمة، إذ قابلنا فيها ملك العناكب العملاق صديق هاغْرِدْ، بل واكتشفنا أنه يتحدَّث اليابانية بطلاقة، وكذلك البركة السحرية التي رأينا فيها ماضي دمبلدور ولورد فورد… عفوًا، الذي لا يجدر بنا تسميته.

توقفنا في طريق العودة بزيارة سريعة لمركبة “الصفر” من أجنحة الكاندام، ولم نرى قائدها “هيرو يوي” في الجوار، لكن كان عبقور وأصحابه هناك لسببٍ ما، وكذلك نسخةٌ من برج إيفل وأخرى لتمثال الحرّية ذكرتني بطول فراقي عن نيويورك.
أول ورقة بحثية لي: “مسرد الويكي”
قبل سنواتٍ وأثناء عملي على كتابي في “فن الترجمة والتعريب”، راودتني فكرةٌ حول أداة لتوحيد المصطلحات المستخدمة في تعريب محتوى ويكيبيديا وغيرها من مصادر المحتوى العربي بتقنيةٍ تشبه ذواكر الترجمة. نضجت هذه الفكرة الهزيلة وتحوَّلت إلى مشروع بعد نقاشات مطوَّلة مع زميلي الويكيبيدي “ميشيل بكني” الذي تبيَّن أن عنده أفكارًا شبيهة جدًا أثناء زيارةٍ له في فرنسا، فكونَّا في سنة 2023 فريقًا عظيمًا لإطلاق المشروع برفقة الزميل “وائل تلاّت” الذي أصبح مستشارنا التقني، وقد كُلِّلَ عملنا في بداية سنة 2025 بإطلاق النسخة الأولى من أداة “مسرد الويكي” (يمكنك تجربتها بنفسك) بعد عامٍ ونصفٍ من التطوير. تضمُّ الأداة بنسختها الحالية أكثر من 300,000 مصطلح بالعربية والإنكليزية والفرنسية من 50 معجمًا، ويستخدمها حاليًا مئات المحرّرين على ويكيبيديا العربية. قرَّرنا أن نُتوِّج عملنا بتوثيقه بورقة بحثية نُشِرَتْ في ملتقى ورشة الويكي بشهر مايو، وبنشرها تحقَّق أحد أهداف حياتي الأزليَّة بنشر بحث أكاديمي. حصلنا في منتصف العام على دورتي تمويلٍ جديدتَيْن بمجموع 15,000 دولار، والمشروع مستمرٌّ بقوة إن شاء الله.

أسوأ يوم تخرّج في التاريخ
بدأتُ يوم تخرّجي من درجة الماجستير في شقَّة جديدة أشبه بصحراء جرداء؛ بعد أن قضيتُ أسابيع ضيفًا على أريكة ابن عمّي في نيوجيرزي، الذي لا بد أن أشيدَ له بأنه أطول من صبرَ على حِمْلي (أو “سلتحتي” كما يُقَال باللهجة النجدية والسعودية). كانت عندي مشكلتان عليَّ حلُّهما خلال ساعتين قبل بدء مراسم الحفل: 1. قميصي غير مكويّ وليست عندي مكواة، و2. معطف بدلتي عالقٌ في مستودع بنيويورك، مثله في ذلك كمثل 90% من ممتلكاتي الدنيوية. تبيَّن إثر جولة سريعة في حيّي الجديد أن المكواة تعتبر من فئة المعدَّات الثقيلة في هذه المدينة البائسة، وأن محلات غسيل الملابس لا يمكنها كيُّ قميصٍ دون إرساله إلى مصنعٍ للمكاوي (أيًا كان ذلك). لا بأس إذًا، ركبتُ القطار نحو مانهاتن، ووضعتُ يدي في جيبي لأطمأنَّ أن مفتاح المستودع فيها بأمان، فانتابتني عوضًا عن أحاسيس الاطمئنان سكتةٌ قلبية مصغَّرة؛ وتذكرتُ المفتاح وهو رابضٌ على المنضدة قُرْب الباب وأنا أخرج، ولن ألومك لو رأيت تشابهًا بين هذا الحادث المؤسف ونسياني لمفتاح شقتي في طوكيو واستنتجت -منطقيًا- أن الخطأ فيَّ وليس في حظِّي العاثر.

عثرتُ قرب المستودع على متجر للغسيل عنده -ويا للأعجوبة- مكواة، وشعرتُ لأول وهلة بأن صاحب المحل نظر إلى طلبي لكيِّ قميصي “خلال 10 دقائق” بازدراء، لكنه سرعان ما تنازل حينما تبيَّن له مقدار يأسي، فهرعتُ بسعادةٍ نحو المستودع متأملًا أن يكون عندهم مفتاح احتياطي لغرفتي يحلُّ باقي مشكلاتي، لكن هيهات. فحينما شرحتُ موقفي لبوَّاب المستودع وسمعتُ الجواب شعرتُ بمسمارٍ يُدَقُّ في نعش حفل تخرُّجي: “ليست عندنا أي مفاتيح احتياطية، وكسر قفلك يُكلِّفُ 100 دولار” (بدون الضرائب، مرحبًا بك في الولايات المتحدة). فكرتُ بأن الإنسان يتخرج مرة في العمر (رغم أن هذا تخرجي الثاني)، فوافقتُ بمرارة بالغة على دفع المبلغ، وحينئذ بدأ مسلسل غير مضحك أخرج فيه الرجل عِدَّته بسرعة الحلزون، ثم أمضى ربع ساعة يناور مع السلم عبر ممرات المستودع الضيقة، وأنا بجانبه أغلي صامتًا وأتفقد الساعة كل خمس ثوانٍ وأتعذَّبُ ندمًا على كل لحظة من يومي التعس.

وصلتني تذكيرات من الجامعة بأن الوقت قد حان لوقوفي في صف الخريجين، وراسلني زميلي بالجامعة ليسألني: “أين أنتَ بحق السماء؟”. بدأ الرجل يعمل على أول قفل بوتيرته نفسها، وراح يعمل ويعمل وتتصبَّب جبهته عرقًا، وأنا أكاد أفقد عقلي وتتصارع في دماغي الـ100 دولار والحاجة لتبديل البذلة وكيف سأصل للجامعة قبل فوات الأوان، فقلتُ له أخيرًا أن الوقت يفوت، ورد علي الرجل بأن لا رجعة بعد الآن، فقد دمَّر قفل مستودعي سلفًا وعليه تبديله. بعد دقائق تلو دقائق وعذاب عقلي مستمر ولا تقدّم يذكر في خلع القفل، نظرتُ إلى ساعتي وقلتُ له وأنا أكاد أذرف الدموع هزيمةً وبؤسًا أنه لا بد من إجهاض العملية. نظر إليَّ الرجل بشفقةٍ بالغةٍ وربما رقّ قلبه وهو يراني ألبس عباءة التخرج أمامه، فقال لي أن عليّ الذهاب وأنه لن يأخذ مني فلسًا واحدًا.

سار يوم التخرج على ما يرام بعدئذ، إذ ام تتعثَّر قدمي وأنا أستلم شهادتي (أعترف بأني اندهشتُ من نفسي على هذا الإنجاز)، وخرجتُ مع أصدقائي لغداء لطيف جدًا بعد ذلك، ثم التقطنا بضعة آلاف من الصور قبل أن ننطلق إلى حفل تستضيفه الجامعة ولنا أن ندعو إليه ضيوفنا الشخصيين، فانضمّ لي أخي وزوجته وابن عمي، وبعدها ذهبت مع أصدقائي إلى كاريوكي (لأول مرة في حياتي). وأنا في طريق العودة تلقيتُ إشعارًا يؤكد لي أن مرتبتي قد وصلت من أمازون إلى نيوجيرزي، وحينئذٍ أدركتُ أني طلبتُ توصيل المرتبة خطأ إلى بيت ابن عمي (بدلًا من شقتي الجديدة في كوينز)، وأن سأنهي يوم تخرجي العظيم بليلة أنام فيها على البلاط القاسي كالمتسول. ولكن أيامًا أفضل كانت بانتظاري.
موسم مقابلات العمل
يزعمُ أخي بين الحين والآخر أننا نعيش في محاكاة، وذلك حينما تقعُ سلسلة أحداث متوالية تبدو وكأنها تخرقُ قانون الاحتمالات، ولعل هذا ليس بالأمر الغريب لكثرة الأمثال التي تدل على أن البشر ألِفُوا هذه الغرائب منذ قديم الزمان (“حينما تُمْطِرُ تفيضُ” كما يقول الإنكليز)، لكني لو أردتُ تصديقه ذات يوم فكنتُ لأصدّقه حينما كدتُ أبلغ الدرك الأسفل من يأسي من معاناة البحث عن عمل، حينما انتهت ست شهور من القحط الخالص في هذه المحاولات الفاشلة إلى تهافتٍ لمقابلات العمل لم أرَ له مثيلًا قبلئذٍ ولا بعده، فحصلتُ خلال أسابيع معدودة على مقابلات مع شركات عملاقة منها OpenAI وAmazon وMorgan Stanley وFox وStochasticAI وTuring، وكانت خاتمتها العظيمة هي أوبر، التي حصلتُ منها على عرض العمل الوحيد بالنتيجة.

لا أزعم بأن عندي جوابًا على كيفية تحقّق هذه المعجزة، لكنها تزامنَتْ مع إضافةٍ واحدةٍ كبرى لسيرتي الذاتية، وهي خبرة صناعة “تشاتبوت” (دردشة آلية) عبر رَبْط ChatGPT مع قاعدة بيانات تخصُّ شركتي، وقد أدَّتْ إلى تحقيق هدفٍ خلته من المستحيلات وقد غدوتُ من اليائسين لأي عمل: وهو تحويل مهنتي نحو العمل في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي وجدتُ فيها شغفًا لا يوصف لجمعه بين اللغة (وأنا من خريجي اللغات) والتقنية. لن يتسنَّى لي هنا وصف الرحلة المتعبة والمقابلات الثمانية التي خضتُها مع أوبر وحدها، لكني حصلتُ أخيرًا على وظيفة أحلامي، وغدوتُ أعمل منذ شهر يوليو الماضي من ناطحة سحابٍ لها إطلالة بهيَّة على نيويورك بأسرها، ويصعبُ عليَّ وصفُ امتناني واستمتاعي بوظيفتي كل يوم، ودعواتي بألا أعتاد المنظر المدهش من شباكي.

نيروبي: مدينة التجار المتسوّلين
نظرتُ لوهلة في حيرة إلى رسالة التهاني التي وصلتني على إيميلي وأنا أسير في شوارع طوكيو وعقلي غارقٌ بالتحضير لمقابلة عملٍ مهمّة، ثم تذكرتُ أني قدمتُ قبل شهورٍ طويلة لمنحة لحضور مؤتمر ويكيبيديا السنوي، وأن مؤسسة ويكيميديا سوف تتكفَّل بمصاريف رحلتي إلى كينيا لحضور هذه المناسبة العظيمة. وبذلك انتهى المطافُ بي في شهر أغسطس الماضي (بعد رحلة طيرانٍ مدّتها 20 ساعة بطائرات لم يُفكِّر مصمّموها بحاجة الركاب لمقابس كهرباء لشحن هواتفهم) في أفريقيا للمرة الرابعة بحياتي، ولأغرب هذه الزيارات الأربع كافّة، وأوحت لي بدايتها غير الإيجابية بأن التسوّل هو المهنة الأساسية فيها.

لا أخفيك بأن شعور “السائح الأمريكي” النموذجي قد راودني في هذه الرحلة (وهي من أولى رحلاتي بعد عامَيْن في الولايات المتحدة)، وأني شعرتُ بقدرٍ هائلٍ من السوء وأنا أتجوَّلُ في بلدٍ لا يخْفَى فَقْر وتعاسة جلّ سكانه، لكني سرعان ما فقدتُ احتمالي من النظرات التي لاحقتني في كل مكانٍ بصفتي “حقيبة نقود متنقّلة” كوني -دومًا- الإنسان الوحيد غير الأفريقي في كل شارع سرتُ فيه؛ حتى أني لا أكاد أذكرُ مكانًا زرتهُ في نيروبي دون أن يُطْلَبَ مني المال.
فقد لمَّحت له خمسة عشر مرَّة حارسة خزانة الحقائب في متحف كينيا وأنا أحاول استعادة حقيبتي منها، وكنتُ حينما أسير في الشارع أشعرُ بمئات العيون تترقَّبني، ولو توقفتُ على الرصيف لأتحقَّق من خرائط غوغل على هاتفي -وهو إجراءٌ خطير بحد ذاته- لا تمضي خمس ثوانٍ حتى يتوقف غريبٌ بجانبي ليضايقني، بل وركض أحدهم نحوي بحماسةٍ ذات مرة ليخبرني أن شكلي “نسخةٌ طبق الأصل عن هاري بوتر” (وهو استنساخٌ قائمٌ كليًا فيما يبدو على أن كلانا يرتدي نظارة دائرية) قبل أن يحاول جرّي إلى متجره، بل وأُقْسِمُ أني كنتُ في متجر “سوبرماركت” محترمٍ داخل مول للتسوّق أشتري القهوة حينما اقترب شخصٌ مني وهمس لي وكأنه يبيح بسرٍ خطيرٍ بأن عنده “لبنًا طازجًا من المزرعة” لا يمكنني أن أفوِّتَ فرصة شرائه! وكانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير، التي عدتُ بعدها مرهقًا نفسيًا وجسديًا إلى فندقي وقد اكتفيتُ من تجربة استكشاف نيروبي الشاقة جدًا.

ملك السافانا
كنا أنا وإخوتي نُحِبُّ في طفولتنا أن نًصحِِّحَ لكل من سمعناه يذكر لقب الأسد “ملك الغابة” أن الأسود لا تعيش في الغابات قط، وإنما في سهول السافانا، ولذا فمن الأدهى والأدقِّ علميًا أن نلقِّبها: “ملوك السافانا”، ويسعدني أن أُعْلِنَ الآن (بعد عشرين عامًا أو نحوها من النقاشات المحتدّة مع أولاد عمي) أني تحققتُ أخيرًا بنفسي من هذه الحقيقة بما لا يدع مجالًا للشك، فقد شددتُ الرحال خصيصًا إلى براري “الماساي مارا” الشهيرة لأشاهد ملك السهول بأم عيني في مملكته.

وصلت سيارة “السفاري” لتقلّني من فندقي في تمام السادسة صباحًا، وحينما دخلتُها تبيَّن أني آخر الواصلين من بين نحو عشرة ركاب سرعان ما غدوا أصدقائي، جلّهم من مجموعة أصدقاء من الهند وكذلك فتاتان صينيتان من هونغ كونغ. بدأت المغامرة المدهشة برحلة سيارة غير مثيرة لمدة ست ساعات على طرقٍ سريعة وترابية متعبة، وكانت مكافأتنا في نهايتها مشهدًا مطابقًا لما يراه “موفاسا” حينما يعتلي قمَّة الصخرة المطلَّة على مملكته وأغنية “دايرة الحياة” تصدحُ بالخلفية في فلم الأسد الملك، فقد ترامَتْ على مرأى بصرنا قطعانٌ تبدو لا نهائية من غزلان الإمبالا وحمير الوحش و”النو”، وأعدادٍ أقل من العلند والجواميس بل والزرافات والفيلة، وفكرتُ مرارًا وأنا أتأمَّل غزارة الحياة حولنا كيف أن هذه التجربة السياحية التي تزاحمَتْ فيها مئات سيارات السفاري هي محضُ عيّنة متواضعة من البراري التي مثَّلت سائر عالمنا قبل زمنٍ غير طويل، فحتَّى صحارى بلاد الشام -مثلًا- ازدحمت بقطعانٍ هائلة من الغزلان والمها والنعام وحيواناتٍ شتى حتى دمَّرتها أولى حضارات الإنسان قبل آلاف السنين.

كان أول ما شاهدناه في جولتنا قطيعًا هائلًا من مئات الجواميس احتشدت تحتَ تلَّة على رأسها أطلَّتْ منها نحو عشرين لبؤة تراقب القطيع عن كثب. وقفت سيارتنا قبالة هذا المشهد لنحو ساعتَيْن وجميعنا نحبسُ أنفاسنا بانتظار اشتعال فتيل معركةٍ طاحنةٍ في أي لحظة، ثم قرَّر سائقنا إجهاض المهمة بضجر. رأينا فهدًا مضرَّجًا بالدماء يلتهم “إمبالا” قد اصطادها توًا، وقطيعًا من الخراتيت تتزاحَمُ في نهر شبه جاف، وأما أعظم ما شهدناهُ فهو أننا وقفنا جُلَّ النهار أمام قطيعٍ هائلٍ من “النو” -مثل ذلك الذي دهس موفاسا- في خضمِّ هجرته العظيمة التي شاهدتُها طول طفولتي على ناشيونال غرافيك، وعايشنا معه أزمته الوجودية وهو يبحثُ فرصته في عبور النهر على قيد الحياة، فيدنو منه تارةً ثم يرتدُّ على أعقابه هلعًا من التماسيح المتربِّصة به تارةً؛ وقد رأينا فيما بعد شواهد قوية تُعضِّد هلعهم هذا. وقفت سيارتنا في آخر النهار بجوار فهدٍ ربضَ يستجمُّ في الظل على مسافةٍ ليست أبعد بكثيرٍ من ذرعي، فقاومتُ رغبةً عارمةً في التربيت على رأسه كقطٍ أليف، وما إن تحرَّكت سيارتنا بعد برهةٍ حتى وقف الفهد ممتعضًا كمَنْ راعه أمرٌ وقد أغرقته أشعة الشمس الحارة، فقام يحبثُ عن ظلّ آخر في السهل العاري من الشجر.

ويكيبيديا والذكاء الاصطناعي
حضرتُ أول مؤتمر ويكيبيديّ لي منذ 13 عامًا ومضى عليَّ في هذا المجتمع قرابة 17 عامًا، حتى صرتُ أشعر بأني من طبقة الكهول فيه، لكني اكتشفتُ في هذا المؤتمر أن حضوري قد اكتسبَ نكهةً جديدةً بالنظر إلي وظيفتي التي بدأتُها مع أوبر قبل حضوري إلي بأسبوعين، فقد غدوتُ “خبيرًا بالذكاء الاصطناعي” (ولا أزعم أن خبرتي الفعليَّة أعمق بكثيرٍ من “خبراء اللنكدإن” عاشقي هذه الألقاب)، واكتشفتُ في هذا السياق أن موضوع الذكاء الاصطناعي قد غدا على قمة الأجندة وفي كل غرفة وملتقى حول المؤتمر، ولا جديد هنا عن كل مؤتمر آخر في العالم. كانت لنا بضعة اجتماعات منتجةٍ للويكيبيديين العرب، وسهراتٌ مطوَّلة على شرفة فندقنا الجميلة مع الزملاء فرح وعلاء (ويكيبيدي العام) ورافان وإبراهيم وآخرين، وقد مثَّلتْ الويكيبيديَّات العرب المجتمع غير تمثيل في فقرة “الكاريوكي” بأداء جريءٍ لأغنية “حلوة يا بلدي”.

جزيرة الدكتور مورو
ارتكبَ والدي غلطةً قبل نحو 10 سنوات حينما أسند إليَّ بحماسٍ وتفاؤلٍ مهمة ترجمة رواية لسلسلة قادمة لدار النشر التي يمتلكها ويديرها، وارتكبتُ أنا غلطةً أكبر بكثير حينما وافقتُ وزعمتُ بتفاؤلٍ أني سوف “أنتهي منها خلال بضعة شهور”، وكما يقول آينشتاين، فإن الجنون هو: “أن تكرِّرَ الشيء مرةً تلو الأخرى وتأمل نتيجةً مختلفة”، وكانت آخر وعودي الخاوية هذه حينما بدأتُ درجة الماجستير، إذ خانتني الذاكرة -كما يبدو- في ضغوطات الدراسة القاتلة. تفرغتُ أخيرًا لهذا المشروع حينما تكلّلت رحلة بحثي الطويلة عن عملٍ بحصولي على وظيفة مع أوبر، وفي الأسبوعَيْن اللَّذَيْن سبقا بدأ الوظيفة صرتُ أكرِّسُ كل لحظة فراغٍ في يومي لترجمة هذه الرواية، وغدا روتين نهاية الأسبوع عندي هو أن أذهب إلى متحف التاريخ الطبيعي (مكاني المفضَّل في نيويورك) وأجلس في مقهى المتحف لأنكبَّ بالعمل على الرواية حتى تفرغ بطارية حاسوبي، ثم أكافئ نفسي بجولةٍ بين عظام الديناصورات المنقرضة والحيوانات المدهشة. انتهيتُ من هذا العمل المضني والممتع أخيرًا في نهاية الصيف بعد تسع سنواتٍ متواضعة على بدئه، ولك أن تقرأ مراجعتي التفصيلية لهذه الرواية المميزة على غوريدز.

إبحارٌ على نهر الهدسون
من أهدافي أن أُتْقِنَ الإبحار ذات يومٍ وأن أمتلك مركبًا شراعيًا وأن أُبْحِرَ فيه برحلة لا نهائية نحو شمس المغيب، لكني أكتفي حاليًا بإشباع شيءٍ من توقي الفائق للبحار برحلة متواضعة مرة كل بضع سنوات، وقد آن أوانها هذه المرة بعد عامين من مغامرتي الشيّقة الماضية في غمار البحر المتوسّط. وقد افتحتُ هذه التدوينة بمشهدٍ من هذه الجولة البحرية الوجيزة مع ابن عمي العزيز “مأمون” لا بسبب ذكراها المميَّزة فحسبُ (والحق أنه أصيبَ بدوار بحرٍ أقعدهُ لسائر الرحلة بعد دقائق من فقرة رفع الأشرعة الممتعة)، لكن لأن رحلة الساعتَيْن هذه على متن زورقٍ من القرن التاسع عشر كانت فرصة تأمّل فريدةً فعلًا حيال تطوّرات حياتي.

من متع الإبحار بالنسبة لي أنه فسحة استرخاء لا يشغلك فيها شيء؛ فحتّى القراءة أو العبث بالهاتف يغدو عصيبًا بسبب خطر البحر القاتل المُحْدِق، فتُجْبَرُكَ للحظة نادرةٍ في حياة نيويورك الجنونية على أن تختلي بأفكارك. وقد تأملتُ مشهد هذه المدينة الرائعة من هذا البَحْر نفسه قبل عامَيْن وشهرٍ من هذه اللحظة حينما زرتُ “جزيرة المحافظ” في أيامي الأولى هنا، وما زلتُ أذكر تمامًا شعوري في تلك اللحظة: فهو إحساسٌ بأني دخلتُ بوابة إلى بُعْدٍ ثانٍ فخرجتُ من حياتي الرتيبة في الأردن إلى مدينة كانت بالنسبة لي محضَ مشهدٍ خيالي مكانه خلف شاشة التلفاز، وبأن عندي رغبة عارمةً بأن أستقرَّ في هذا المكان المدهش. وها أنا ذا بعد عامَيْن صرتُ أعمل في مكتب أوبر بمركز التجارة العالمي الشامخ فوق مانهاتن بأسرها، وكلِّي امتنانٌ لكل ما منَّ الله عليَّ به في هاتين السنتين.
استنساخ تحرير والدي بالذكاء الاصطناعي
أمضى والدي حياته في تجارة الكتب، ومنذ طفولتي وأنا معتادٌ على سماع مديحٍ باهرٍ وقراءة مراجعاتٍ برَّاقةٍ من قُرَّائه عن إصدارات دار الأجيال للنشر التي أسَّسها قبل نحو ثلاثين عامًا، فاشتُهِرَتْ بين جمهورٍ واسعٍ بترجمتها المتقنة لروايات أغاثا كريستي وشيرلوك هولمز وغيرها، وهي سمعةٌ اكتسبتها الدار من تحريره المتأنِّي والمخلص لكل كتابٍ ينشره. وقد جاء والدي قبل عامَيْن كاملَيْن باقتراحٍ أدهشني: فماذا لو درَّبنا ذكاءً اصطناعيًا على هذه الأعمال الأدبية التي كرَّس لها حياته، فنصنعُ “نسخةً” منه أو محرِّرًا ذكيًا يختصرُ عمله؟
سحرتني الفكرة، فقد استغرقني فورًا فضولٌ عظيمٌ لأرى ما يمكنُ للذكاء الاصطناعي أن يتعلَّمه من مئات الكتب التي حرَّرها والدي على مر السنين، وسرعان ما تحوَّلت إلى مشروعٍ هائلٍ استغرق مني وقتًا هائلًا وكان جزءًا ضخمًا من رحلة تعلّم الذكاء الاصطناعي التي حزتُ بفضلها وظيفتي الحالية. درَّبتُ على مرّ هذا المشروع عشرات النسخ من “تشات جي بي تي” بأسلوب الـfine-tuning، وأمضيتُ مئات الساعات في تحضير البيانات وتنظيف وصفِّها من كتب والدي قبل التحرير وبعده، وكانت النتيجة غريبة جدًا، فخلاصتها أن كل النماذج المُدرَّبة تدهورَ أداءها عن الأصل!

توسَّع هذا المشروع إلى عددٍ جنوني من الأفكار والتجارب والتحليلات التي انكببتُ عليها واحدةً تلو الأخرى على مر السنتين الماضيتين على أمل أن أفهم الخطأ الذي وقعتُ فيه، لكني استسلمتُ أخيرًا وقررتُ أن الخطأ ليس مني، وعزمتُ على أن أكتب ورقةً بحثية عن هذه التجربة أمضيتُ شهورًا في العمل عليها، وأسعى الآن لنشرها مع سلسلة مقالات “لنكد إن” تُوثِّق هذا العمل.
تدريبات الكرة الطائرة
جلستُ ذات يومٍ قبل ثلاثة وعشرين عامًا على حافة باحة مدرسية في شمس مدينة جدّة الحارقة وأنا أعاني لأتنفَّس، ونظرتُ نحو ملعبٍ تسابقَ فيه صبيةٌ يلاحقون كرةً وقد ظهر من قمصانهم المبتلَّة ووجووهم المقطَّرة وكأنهم رموا أنفسهم توًا في بركة سباحة بكامل ملابسهم. وقد قررتُ حينئذٍ أن الرياضة لم تُخْلَق لي ولم أُخْلَقْ لها، إذ إني لم أُطِق العودة إلى بيتي حتى ألعب بالبليستيشن بدلًا من هذه المعاناة، ولزمتني تلك القناعة بثقة لا متناهية حتى عامَيْن من الآن، حينما ذهبتُ إلى لعبةٍ للكرة الطائرة مع أولاد عمّي ذات يومٍ، فانتابتني صدمةٌ فائقة عمَّا فاتني كل هذه السنين من أدرينالين وحماسٍ ومتعةٍ فائقة!

غدت الكرة الطائرة -منذ انتقالي إلى نيويورك- نشاطي المفضَّل في كل وقت فراغ ولا فراغٍ يتسنَّى لي أن أُكرسِّهُ لها، حتى صارت شعارًا لي ومعرِّفًا بين الناس، فقد أدركتُ أن السبب الوحيد بأني فضلتُ ألعاب الحاسوب على الرياضة هو قلَّة لياقتي البدنية، لكن تجاوُزَ هذه العقبة -الصعبة- قدَّم لي قدرًا من المتعة لم أكُنْ لأتصوره قط. رغم ذلك، لا أخفيك بأني سرعان ما وجدتُ تطوير مهاراتي في هذه الرياضة صعبًا جدًا إلى مستوى يوازي من ألعب معهم، فقرَّرتُ أخيرًا في هذا العام أن أبدأ بأخذ دروسٍ رسمية لأول مرة في حياتي.
أخذتُ 6 دروسٍ فحسبُ اختلف مستواي بعدها اختلافًا لم أكن لأتصوره، وصادقتُ لاعبين كونتُ معهم فريقًا دخلنا به دوريًا للمنافسات لسنة 2026، ولا أريد أن أفسد تدوينة العام القادم… لكننا فُزْنا ثلاث مباريات متوالية حتى الآن!
رواية جديدة
حينما بدأتُ سلسلة تدويناتي السنوية هذه قبل عشر سنوات، كان هدفها هو أن أُجْبِرَ نفسي على تحقيق هدفي الأسمى وشغف حياتي بتأليف الروايات، وقد نجحتُ بالتسويف بهذا الهدف مرارًا وتكرارًا بطرقٍ مدهشة وحيلٍ بديعة، فحشوتُ قائمتي بأهدافٍ ومهام تافهة عامًا بعد عام حتى شتُّتُ نفسي بنجاحٍ شبه تامٍّ عن غايتي الحقيقية. وفي ذلك ظلمٌ بسيطٌ لي ربما، فقد أكملتُ روايتَيْن في السنوات الأخيرة، وإحداهما -برأيي المتواضع وآراء جمهورٍ من القُرَّاء المختارين- ليست بعيدة عن أن تكون جديرةً بالنشر، وقد انكببتُ في هذا العام المنصرم على روايتي الثالثة، التي تختلفُ في فكرتها وعالمها عن أي شيء كتبتهُ سابقًا، فهي رواية فانتازية تدورُ في عالمٍ هزليٍّ موازٍ تحاكي مخلوقاته من الحيوانات الناطقة جوانب شتى من عالمنا، والتي قررتُ تأليفها هذه المرة باللغة الإنكليزية، وهو تحدٍّ هائلٌ بالنسبة لي. ما زالت الرواية في مراحلها المبدئية، لكني أكملتُ منها نحو 15,000 كلمة أو نحو 20% من القصة التي خططتُ لها، وقد حصلتُ وأنا أكتبُ هذه التدوينة على بعض الآراء الإيجابية جدًا عن فصولها الأولية هذه.

ملحمة غلغامش
اهتماماتي كثيرةٌ ومتنوّعة وتتضمَّن ما قد يبدو أعاجيبًا في نظر معظم الناس، ومنها شغفٌ بزغ منذ طفولتي بحضارات الشرق الأدنى القديمة التي أرست أولى أسس حضارة الإنسان، حتى أني حينما كنتُ في المدرسة الابتدائية ألَّفتُ “كتابًا” عن الحضارة الكنعانية (وأعترف أخيرًا لجمهور قرَّائي المتواضع بأنه كان نسخًا ولصقًا لمحتوى قليل الجودة من منتديات الإنترنت العربي وحفنةٍ من الكتب الرخيصة، فتقبَّلوا اعتذاري رجاءً)، ومنذ ذلك الحين وعندي فضولٌ كبيرٌ بالاطلاع على أدب تلك الحضارات، فقرَّرتُ في إجازة نهاية العام أن أًخصِّصَ -أخيرًا- فقرة صباحية لقراءة أشهر أعمالها وأقدم ملحمة شعرية في التاريخ، وهي: “ملحمة غلغامش”. كانت قراءة الملحمة تجربةً فريدةً جدًا وثقتُها بمراجعة مطوّلة على غودريدز، وقد قادتني لأقرأ -كذلك- أسطورة الخليقة البابلية وشريعة حمورابي ولأشاهد عشر وثائقيات أو نحوها عن إنجازات هذه الحضارات المدهشة، التي اخترعت نظام الكتابة الذي وُلِدَتْ منه الأبجدية العربية والأبجديات اللاتينية كافَّة، بل واخترعت العجلة والأوزان وأنظمة قانونية وسياسية واقتصادية مدهشةً، وأطمح في الفترة القادمة لتطوير مقالات ويكيبيديا العربية الضعيفة عن هذه الحضارات لأُوثِّق إنجازاتها الهائلة.

خاتمة عائلية لعامٍ عظيم
كما قال حكيمٌ ما، فلا قيمة للحياة دون مشاركتها مع الآخرين، وقد كنتُ محظوظًا جدًا بأن عامي الحافل اختُتِمَ خاتمةً عظيمة ودافئة بجدارة: فقد التقيتُ مع ابني عمّي وأخي المقيمين جميعًا -بمعجزة إلهية- على مسافات متقاربة من نيويورك، واحتفلنا بنهاية العام احتفالًا مكونًا من عشرات الساعات أمام التلفاز وكمية هائلة من الدجاج المقلي والبيتزا وأداء عجيب للعبة “إلقاء الشعر مثل النياندرتال” (وهي لعبة عجيبة عليكَ أن تتحدث فيها بكلماتٍ من مقطع صوتي واحد، على شاكلة إنسان “النياندرتال” المنقرض!).



Comments 1
Pingback: أنا لم أنساكم: إحياء جائزة المحبوب (38) - مدونة م.طارق الموصللي