ضياعٌ في غابات ألمانيا، الجزء 2

[ملخّص أحداث الجزء الماضي: سافرتُ أثناء ترحالي إلى مدينة صغيرة اسمها باد شانداو في شرق ألمانيا، وانطلقتُ منها على قدميَّ قاصداً غابة طبيعية مشهورة بجروفٍ صخريَّة خلاّبة يقطعُ السياح مسافاتٍ طويلةً لرؤيتها. عبرتُ في طريقي عدَّة قرى صغيرة وضللتُه عدداً من المرَّات، ثُمَّ التقيتُ امرأة ألمانية وافقت -أو عرضت- مرافقتي لها في رحلتها عبر الغابة نفسها. أخذتني هذه المرشدة السياحية المجانيَّة إلى سفح جبلٍ تعلوه سلسلةٌ كبيرةٌ من الأدراج والسلالم المحفورة في الصّخور، وبدأ -هناك- الجزء التالي من مغامرتي الشّيقة. أكملتُ هذا الجزء -أخيراً- بناءً على طلب وتشجيع الصّديق علاء النجّار، والذي أذكرُ اسمه هنا استجابةً لإلحاحه المستمرّ!].

مضت علينا عدَّة ساعات (رغم أن هاتفي قالَ أنها لا تزيدُ عن نصف ساعة) ونحنُ نصعدُ آلاف السلالم الحديدية والدرجات الصخرية التي حفرها قبلنا متسلّقو الجبال لتيسير عناء الرّحلة علينا، وأخيراً وصلنا إلى القمَّة، وهي صخرةٌ شاهقةٌ تُطلّ على الغابة بأكملها (واسمُها غابة «سويسرا السكسونية») من الشمال والشرق، وعلى وادي «نهر الإلب» من الجنوب، وعلى مدينة باد شانداو -التي باتت بعيدة جداً الآن- من الغرب. وأودّ القول أن المشهد الذي رأيتهُ من هناك كان يستحقّ كل العناء الذي تكبَّدته، لولا أنَّ هذه مسألةً تحتملُ النقاش.

ارتميتُ على إحدى الصخور هناك وشرعتُ بإخراج مؤني من السندويتشات والعصير والتهامها بنهم. وجلست مرشدتي السياحية بجانبي وتناولت طعامها أيضاً، ثُمَّ تحدثت إليَّ قليلاً، ثُمَّ وقفت وأخذت تتمشّى جيئة وذهاباً من الضجر، بينما أنا مشغولٌ بمنح ساقيَّ فرصةً للتعافي من رحلة الصّعود. وقالت لي رفيقتي، بعد يئسها من أن أفهم مقصدها، أنَّ الوقت قد حان لكي تفارقني وتتابع رحلتها بنفسها. وألقينا على بعضنا وداعاً مرتبكاً لا يتناسبُ مع رفقتنا الطويلة تمنَّت لي فيه “رحلة آمنة” (وهي أمنيةٌ لم تتحقّق تماماً)، وبعدها نزلت إلى السلالم المشؤومة مرَّة أخرى، بينما بقيتُ أنا لأتأمَّل المشهد الخلاّب الذي أمامي.

ظللتُ لنصف ساعة جالساً في مكاني أرتشفُ العصير، أو أنهضُ كُلَّ بضعة دقائق لأشاهد المنظر وألتقط بعض الصور، ثُمَّ شعرتُ بأن الوقت قد حان لأستئنف المسير أنا كذلك. فقد عرفتُ من مرشدتي وهي تعطيني تعليماتها الأخيرة، قبل فراقنا، أن ما صعدناهُ للتوّ كان طريقاً فرعياً يسلكهُ المتسلّقون ليشاهدوا الغابة من إطلالة جميلة “إضافية”، وأما الطريق “الرئيسي” فقد تركناهُ عند مفترقٍ مررنا منهُ قبل ساعات، عندما بدأنا بصعود الأدراج والسلالم. وبما أنّي كنتُ عازماً على أن أرى هذه الغابة بحقّ، فقد قرَّرتُ أن أعود للطريق الرئيسي وأكتشف ما ينتظرني فيه.


القمَّة الثانية

لم يكُن مشهد الدرج الثاني -من سفح الجبل- مختلفاً عن الدرج الأول الذي صعدتهُ منذ ساعة. وقفتُ أمام مفترق الطرق لبرهة أفكّر فيما إذا كان عليَّ أن أعود إلى المدينة التي أتيتُ منها وأوقف الرحلة هنا، ثُمَّ نظرتُ إلى ساعتي فوجدُتها لم تتجاوز الواحدة ظهراً، ولا زالت لديَّ ست ساعات كاملةٍ قبل غروب الشمس. ثُمَّ تذكرتُ أمراً أخيراً ذكرتهُ لي مرشدتي السياحية قبل رحيلها.

الإطلالات الصخرية التي خاطرتُ بحياتي لرؤيتها.

“لستَ مضطراً لأن تعود الآن إلى باد شانداو”، قالت لي ونحنُ نتباحثُ معاً أمام خريطتي المُلوَّنة، “يمكنك بدلاً من ذلك أن تتابعَ السير في الغابة بطريقٍ نصف دائريّ بحيثُ يتسنَّى لك أن ترى كُلَّ ما فيها، ومن ثمَّ تنزلُ هذه الأدراج إلى بلدة صغيرة على شاطئ النَّهر اسمها «شموكا». ستجدُ هناك عبَّارة تأخذُكَ إلى باد شانداو، من حيث أتيت، ومن هناك تركبُ القطار لتعود إلى المدينة الرئيسية”. سألتها كم من الوقت تحتاج هذه الرحلة كُلّها. “أنا سيّئة في تقدير الوقت”، قالت لي، “ولكني متأكّدة أنها لا تأخذ أكثر من ساعتين. ساعتان أو ثلاث ساعاتٍ على الأكثر”.

كانت هذه الخُطَّة جذّابة جداً، فمن يُفكّر بالعودة إلى الوراء وهو قادرٌ على السير إلى الأمام؟ قرَّرتُ أن أعملَ بنصيحتها وبدأت -وحدي- بصعود السلالم الحديدية إلى قمة شاهقة ثانية، ووصلتُ إليها بعد ثلاثين أو أربعين دقيقة ووجدتُ إطلالة لطيفة لم تختلف بشيءٍ يذكر (أو لا يذكر) عن الإطلالة التي رأيتهُا من القمَّة الأولى، عدا عن أنَّها كانت مزدحمةً بعددٍ أكثر بقليلٍ من الناس، فأخذتُ استراحةً قصيرة ومن ثمَّ تابعتُ المسير بين المزيد من القمم المرتفعة والإطلالات الأخّاذة.

خريطة تقريبيّة لمسار الرحلة بأكملها.

الضّياع

لم تختلف المشاهد التي أمامي عمَّا كانت عليه من قبل، ولكن عدد الناس حولي تناقصَ شيئاً فشيئاً. في البداية، كنتُ ألتقي مجموعةً من الأشخاص كُلَّ خمس دقائق تقريباً (وهو ليس عدداً كبيراً، فقد كان الطقس بارداً نسبياً في الغابة)، إلا أنَّ عددهم تقلَّص باستمرار. إذ أصبحتُ أمشي لعشر دقائق أو خمسة دقيقة دون أن ألتقي بأحد، ثُمَّ تباعدت الفجوة أكثر وأكثر.

وفي هذه الأثناء، كنتُ أبذل قصارى جهدي كي أستمرَّ بالسَّير في الطريق الصَّحيح، والذي أصبحَ تمييزهُ صعباً جداً: فعلاماته وأدلَّته لا تتجاوز -في معظم الأحيان- شقاً صغيراً بين حجرين أو فجوة ترابية باهتة بين الأشجار، وأما العلامات المُلوَّنة على الصّخور التي أخبرتني مرشدتي أن أبحثَ عنها (والتي يفترضُ أن ترشدني إلى المسار الصحيح) فلم أكُن أراها إلا مرَّة واحدةً كُلَّ نصف ساعة على الأقلّ، ولم تكُن لها أيّ فائدةٍ لأنّي -بالواقع- نسيتُ معانيها ودلالاتها كُلَّها.

وقعت عيناي، بعد فترةٍ طويلة، على عائلةٍ صغيرة من أب وأم شابَّين (معهما فتاةٌ صغيرة لا يتجاوزُ عمرها العشر سنوات) يسيرون إلى جانبي في الطريق نفسه، واطمأنَّ قلبي حينها، إذ لا بُدَّ أني لا زلتُ على الطريق الصحيح إذا كان الأطفال يأتونَ إليه أيضاً.

بقيتُ أسير مع هذه العائلة (أسبقهم حيناً ويسبقونني حيناً) لنصف ساعة تقريباً، ثُمَّ تجاوزتهم عند أحد المنعطفات لأنهم أصبحوا بطيئين جداً. وبتلك الأثناء، كان الطريق الذي أسيرُ فيه ينتقلُ تدريجياً من مسارٍ بين الأشجار الكثيفة أو بجانب إطلالات صخرية إلى طريق ضيّق يلتفُّ -دائرياً- حول حوافِّ الجبال، بحيثُ أنَّ الجبل يكون على يدك اليسرى بينما تبقى هاويةٌ سحيقةٌ على يدك اليمنى، لا تفصلُكَ عنها سوى بضعة أشجار مائلة. وقد أدهشني هذا الأمر كثيراً لأني وجدتُهُ خطيراً نسبياً، ولكنَّ رؤية العائلة التي تسيرُ فيه بصحُبة فتاةٍ صغيرة شجَّعني على الاستمرار.

أعني أنَّه شجَّعني عندما كنتُ أراهم.

الطريقُ يضيق.

ومن ثمَّ مضت فترة طويلة بعد أن تجاوزتهم ولم أرَ إنساناً آخر -سواي!- يسيرُ في الغابة. مضت عشر دقائق، ثم عشرون، ثم ثلاثون، ثم أربعون، ثم خمسون، ولم ألتقِ بأيّ شخصٍ على قيد الحياة (أو دونها) يحاولُ خوضَ هذه المغامرة مثلي. من جهةٍ أخرى، صارَ الطريق الذي أسيرُ فيه أضيقَ وأضيَقْ، والأشجار التي تحميني من الهاوية أقلّ.

كانت قد مضت عليَّ أكثر من ساعةٍ -في هذا الوقت- وأنا أسيرُ بجانب هاويةٍ لا يقلُّ ارتفاعها عن خمسين متراً، ولا شيء يحولُ بيني وبينها سوى صفّ من أشجار الصنوبر. وأما الآن فقد اختفت تلك الأشجار شيئاً فشيئاً، ولم يعد يفصلُني شيءٌ عن الهاوية التي إلى يميني سوى حُسْن تدبيري باختيار موطئ قدمي. إلا أنَّ موطئ قدمي قد اختفى هو الآخر، إذ لم تبقى على الطريق مساحة إلا لقدمٍ واحدة، وأما الأخرى فعليها أن تبقى مُعلَّقة في الهواء.

كيف يفترضُ بي أن أتجنَّب السّقوط إلى موتي المحتوم إذاً؟ كانت الإجابة بسيطة جداً: بالقضبان الحديدية!

تسارعت دقَّات قلبي حقاً لدى هذا المشهد. فقد كنتُ واقفاً أمام هاوية حقيقية بإمكاني أن أسقُطَ فيها (دون وجود أحدٍ لإنقاذي) بمُجرَّد أن أخطوَ خطوةً غير مناسبة، وأما الضَّمانة الوحيدةُ لي لتجنّبها فهي قُوَّة قبضتي وقدرتي على التشبّث بعمودٍ حديديّ دقَّهُ أحد المتسلّقين إلى جدار الجبل منذ شهور أو سنوات (بطريقةٍ ما، كان لديَّ ما يكفي من راحة الذّهن والبال لألتقط صورةً دقيقة للمشهد، كما يظهرُ أدناه).

الطريق يختفي …


اليأس

كنتُ شبه متأكّد، في هذه المرحلة، أنِّي ضللتُ طريقي. فكرتُ مراراً بالرّجوع إلى الخلف والعودة إلى باد شانداو، ولكنِّي أمضيتُ خمس ساعاتٍ في الغابات منذ رحيلي عنها، ولو عدتُ من الطريق نفسه فقد أصلُ إليها بعد غروب الشمس.

في الوقتِ نفسه، أصبح لديَّ اعتقادٌ حقيقيّ أني سوف أبقى في هذه الغابات -بجميع الأحوال- حتى غروب الشمس، ورُبَّما أقضي الليل بطولهِ فيها. والأسوأ من ذلك كان أن عليَّ ركوب حافلةٍ إلى مدينة براغ، عاصمة تشيكيا، في الساعة العاشرة مساءً، وأما الأسوأ من ذلك -أيضاً- فهو أن عليَّ ركوب الطائرة والعودة إلى بلادي بعد أقلَّ من 48 ساعة. وتساءلتُ بجدية إذا كنتُ سوف أضيّعُ كلتا الرحلتين.

استجمعتُ ما لديَّ من جرأةٍ وتمسَّكتُ بقُوَّة بالعمود الحديديّ وتجاوزتُ الهاوية، ومن ثمَّ سرتُ قليلاً على طريقٍ شبه مستوٍ، وقابلتُ بعده مجموعة أخرى من القضبان الحديدية التي عليَّ التشبّث بها لمتابعة طريقي. وبينما كنتُ أتأمَّلُها، اشتعلت بقلبي رغبةٌ عارمةٌ لأن أغادرَ هذا المكان بأيّ ثمنٍ وأهبط إلى الأرض المستوية الملساء، مثل الشعور الذي يراودُكَ لدى ركوب لعبة مخيفةٍ جداً ومرتفعةٍ جداً في مدينة الملاهي.

خطوة الحياة والموت.

ومن ثمَّ تذكَّرتُ ابن عمي، الذي يشتهرُ في العائلة بجَلَدِهِ وقُوَّة احتماله ولا مبالاته بالمصاعب، وفكَّرتُ بماذا كان سيحدثُ لو كان معي في مكانٍ مثل هذا: لا بُدَّ أنّي كنتُ سأقفُ متردّداً وخائفاً أمام كُلَّ هاويةٍ بينما يصيحُ بي قائلاً أن عليَّ أن أستجمع رباطة جأشي وأتابعَ السَّير قُدُماً. وها أنا الآن أسيرُ وأجتازُ الهاويات واحدةً تلو الأخرى، دون شخصٍ ليجبرني أو يشجّعني على ذلك، وإنَّما لأن عليَّ استجماع رباطة جأشي بنفسي أو فقدانها للأبد.

مضى وقتٌ طويل، ووصلت الساعة إلى الرابعة أو الخامسة عصراً، ولم أعُد أنتظرُ إلا أمراً واحداً: وهو أن أقابلَ إنساناً آخر يخرجُني من هذا المكان بأيّ ثمن. كنتُ متأكداً الآن أني لو قابلتُ شخصاً في هذا المكان، ومهما كان شكله أو جنسيته أو لغته، فإنِّي سأجدُ وسيلةً للتحدّث إليه: سواءٌ بالإنكليزية أو بالألمانية أو بلغة الإشارة أو بنقوشِ رجال الكهف، إذ لن أتركَ ذلك الشخص ولن أفارقهُ حتى يخرجني معهُ من هذه الغابة ويعيدني إلى حضارة الإنسان.

ووقتها، بالتّحديد، رأيتُ شخصاً يقفُ على مسافة مائة مترٍ أمامي فوق مجموعةٍ من الصخور المُطلَّة على المنحدر الذي أسيرُ فيه. كنتُ أحاول أن أُقرِّرَ ما عليَّ فعله: هل أصرخ أم أقفز من الفرحة أم أستجديه لمساعدتي أم ماذا؟ ولكنِّي ميَّزتُ هويَّته خلال لحظات. كانت مرشدتي السياحية السَّابقة، وكان أول ما قالتهُ لي – صائحةً من تلك المسافة: “Oh my goodness! You’re very, very lost!”.

الهاوية التي كانت ترافقني أثناء رحلتي.

«سُلَّم السَّماء»

كان لمّ الشمل بيننا مليئاً بالبهجة والسعادة ودموع الفرح والكثير من المشاعر الجيَّاشة الأخرى غير المتبادلة (والتي لم تبدُر إلا مني أنا)، وأما مرشدتي فلم يكُن يشغل بالها سوى أمرٌ واحد: وهو، كيف أمكنَ لي أضلَّ طريقي إلى هذا الحدّ؟

فسَّرتُ لها ما حدث لي بدءاً من الصّعوبات التي واجهتُها في تمييز طريقي بالغابة وإلى تناقُصِ عدد الناس حولي وصولاً للصفر، إلا أنَّ تفسيري زادَ من دهشتها أكثر. “كُلّ ما عليك هو أن تتبع الرّموز المُلوَّنة!”، قالت لي باستغراب، وكأنَّ تلك الرموز كانت لوحاتٍ إعلانية كبيرة مُضَاءة بسبعة مصابيح.

أمضينا فترةً نتحدَّث، عرفتُ خلالها أنها وصلت إليَّ بصُدفة بحتةٍ ومستبعدةٍ جداً. كانت تسعى مرشدتي السياحية، بالأصل، لأن تأخذَ الطريق الذي أخبرتني عنهُ سابقاً، والذي يلتفّ بنصف دائرةٍ في الغابات نزولاً إلى بلدة شموكا. ولكنَّها غيرت رأيها في منتصف الطريق وقرّّرت أن تسلُكَ مساراً جديداً بين الجبال، وقد قادها هذا المسار قريباً منّي.

إلا أنَّ المفارقة هي أنَّ اللحظة التي التقينا فيها كانت الفرصة الوحيدة -تقريباً- كي نلتقي في الأساس: فقد كانت مرشدتي تخافُ خوفاً شديداً من المنحدرات والأماكن الخاطرة، ولذلك فإنها تتجنَّب السير في الطرق التي سلكتُها أنا تماماً. “كنتَ أنتَ تمشي في المسار الأسود”، قالت لي، “وهو مسارٌ مُخصَّص لمتسلّقي الجبال المحترفين، الذي يحملون معهم حبالاً ومسامير ليتجنّبوا بها السقوط. من المستحيل أن أسلكَ هذا المسار دون عِدَّة خاصَّة”.

في الواقع، كانت فرصة اللقاء بيننا محدودةً بدقيقة أو دقيقتين قضتهم رفيقتي فوق الصخور تراقبُ المنحدر الذي أتيتُ أنا منه، وأما بعد ذلك فكانت ستعودُ من حيث أتت، ولم أكُن لألتقي بها قط، ورُبَّما لم أكُن لألتقي بأيّ شخصٍ آخر على الإطلاق. فقد اصطحبتني بعد ذلك نزولاً وصعوداً عبر عددٍ من التلال والأدراج والطرق الصعبة، والتي سرنا فيها لمُدَّة أربعين دقيقة متتالية، وخلال هذه المُدَّة -بأكملها- لم أرَ إنساناً سوانا يسيرُ في الغابات. لو لم ألتقِ بها بهذه الصّدفة، لا أدري حقيقةً ماذا كان سيحلّ بي.

أخيراً، وصلنا إلى قمَّة سلّم حديدي مرتفعٍ جداً. قالت لي مرشدتي أن علينا أن نفترقَ هناك، لأنها تريدُ أن تسلكَ طريقاً مختلفاً، وهي لم تبتعد عنهُ إلا لأنَّها أراد أن تتأكَّد من أنِّي لن أضلَّ في الغابات مرَّة أخرى.

“تُسمَّى هذه الأدراج المُمتدَّة أمامك «سُلَّم السَّماء»، أو «Holy Stairs»”، قالت لي، “كُلَّ ما عليك هو أن تنزلها كُلَّها وتسير في خطّ مستقيم، وستبلغُ -بعد نصف ساعة- بلدة شموكا”.

«سُلَّم السَّماء»، أو الـ(Holy Stairs).


«شموكا»

جلستُ على قمَّة «سُلَّم السَّماء» لفترة طويلة وأنا أرتاح وأرتشفُ الماء وأراقبُ المشهد الغريب أمامي، المُكوَّن من سُلَّم حديديّ ينزلُ بين الجبال والغابات إلا ما لا نهاية. ومن ثمَّ حملتُ أغراضي وشرعتُ بالنزول، وظلَّ يراودني شكّ مستمرّ فيما إذا كنتُ سأخرج من هذه الغابات حقاً أم سأدخلُ في متاهةٍ جديدة، رغم أني جعلتُ مرشدتي تؤكّد لي -مراراً وتكراراً- أن كُلَّ ما عليَّ هو النزول بخطّ مستقيم.

لا أدري كم درجةً نزلت، لكنَّها قد تصلُ إلى الألف. بعد فترة طويلة جداً، بدأت أشعرُ باقترابي من الأرض مرَّة أخرى. اختفت السلالم الحديدية وصرتُ أمشي على درجات محفورة بالصّخر، ثُمَّ درجاتٍ ترابّية، ثُمَّ رأيتُ أرضَ الغابة المنبسطة، وكم كانت سعادتي غامرةً برؤية هذا المشهد، فقد كنتُ راغباً بالنّزول إلى الأرض وتقبيلها بسعادة. ولم تخنّي تعليمات مرشدتي في هذه المرَّة، فبعد ثلاثين دقيقة بدأت الأشجار تتناقصُ وظهر طريقٌ مُعبَّد ورأيتُ عدداً من الناس.

وبعدها بدقائق شاهدتُ أول منزلٍ من منازل قرية شموكا.

مشارف حضارة الإنسان.

كانت هذه اللحظة مؤثّرة بدرجةٍ غير عاديَّة، فقد شعرتُ -بحقٍّ- وكأنّي عدتُ إلى حضارة الإنسان بعد فراقٍ طويلٍ عنها. أحسستُ فجأة بالراحة والأمان والدفئ، وتساءلتُ (ولا زلتُ، منذ ذلك الحين) كيف أمكنَ لأسلافنا أن يسافروا لأيام وأسابيع في البراري دون أن يقابلوا إنساناً أو حاضرة.

وقد ساعدني مشهدُ البلدة على الاحتفاظ بتلك الأحاسيس. فبمُجرَّد دخولي إليها تحوَّل الطريق المُعبَّد تحت قدميَّ إلى طريقٍ حجريّ يشبهُ أراضي مدن العصور الوسطى، ثُمَّ رأيتُ حولي منازل من الخشب يجري بينها نهرٌ وتدور فيه نواعيرٌ صغيرة، وقد عُلِّقَت فوقها لافتاتٌ منقوشة تشبهُ كثيراً ما قد تتوقَّعه في مدينة أوروبية إذا زرتُها إبان عصر النهضة. وبما أني كنتُ أحملُ أمتعتي فوق ظهري وأسافرُ عبر الغابات منذ سبع ساعات، فقد خُيِّلَ إليَّ أني عشتُ تجربة الأوروبيين القدماء بالسَّفر والتنقّل (قبل خمسمائة عام) إلى درجةٍ مقنعةٍ جداً.

شوارع شموكا

لم يحتج عبور البلدة بـ”أكملها” إلا لثلاث دقائق، إذ ليس فيها أكثر من ثلاثين أو أربعين منزل، وبعدها وصلتُ إلى ضفّة النهر، حيث كانت بانتظاري (أنا وبعض السُيَّاح الآخرين) عبَّارة لتقلّنا إلى مدينة باد شانداو، والتي تقعُ فيها محطّة قطارات جيّدة.

تحرَّكت العبارة قُبَيْل غروب الشمس. اقتربنا بسرعة من محطة القطارات، حيثُ بدأت رحلتي في الصَّباح، ثُمَّ جلستُ على المنصَّة أنتظر قطاري بسعادة غامرة، وأنا أُفكّر -بامتنانٍ- بأني لستُ عالقاً في قمم الجبال الشاهقة أو وسط الغابات الكثيفة، وبأنَّ لديَّ قصة مثيرةً أستطيعُ أن أضجرَ أحفادي بها حول مدفأة الشتاء بعد خمسين عاماً، إذا لم تخنّي ذاكرتي حينها. وأما الأهمّ من ذلك، فهو أنِّي أُقدِّرُ الآن قيمة الكثير من الأشياء البسيطة، مثل الأرض المنبسطة والمستوية والطّرق المُعبَّدة وغيرها من مظاهر الحضارة الحديثة.

الرَّحيل.


التعليقات 1

اترك تعليقاً