يتميَّزُ كتاب «On Writing» بأنَّه (في الغالب) الكتاب الوحيد الذي خصَّصهُ مؤلّف مشهورٌ، باعَ عشرات الملايين من القصص والروايات، ليُسَاعِد غيره على تعلُّم مهنته. يروي هذا الكتاب تجربة ستيفن كينغ الشخصية في حرفة الكتابة، والتي بدأت عندما كان مراهقاً يرسلُ قصصه القصيرة إلى مجلات مغمورة للخيال العلمي، ويستقبلُ منها ما يكفي من قصاصات الرَّفض ليُغطِّيَ بها جدار غرفته، ولكنها تنتهي ببيعه لـ350 مليون نسخة من أعماله ليكون أنجحَ كاتب قصص رعبٍ في التاريخ. خلال رواية هذه القصة، يتحدَّثُ الكتاب عن جميع جوانب كتابة الروايات والقصص الخيالية مثلما تعلَّمها ستيفن كينغ نفسُه، بدءاً من استلهام فكرة وحتى طباعة القصة ونشرها.

ما الذي يجعلُ كتاب «On Writing» رائعاً؟

قد يكونُ الكُتّاب الجُدد من أكثر المخلوقات تخبّطاً في العالم. فقد يصعبُ كثيراً على المرء أن يَجِدَ إرشاداً واضحاً في كيفية تطوير نفسه بأيّ نوعٍ من الفنون، مثل الكتابة والرسم والتمثيل وما شابهها، يعادلُ في جودته ما يوجدُ من كتبٍ سهلة ومُبسَّطة وغزيرة تُدرِّسُ المجالات العلمية. وكثيراً ما يفترضُ الناس -لهذا السبب- أن الإبداع في الفنون هو موهبة موروثة لا يمكنُ تدريسها، إلا أنَّ ذلك خطأ جسيم. فلعلَّ قواعد الكتابة أكثر مرونةً من مسائل الجبر والهندسة، ولكنَّ هذا لا يعني أنها متوقّفة على وحيِ الكاتِب الاعتباطيّ فقط. في الواقع، إنَّ الكُتّاب غير المُدرَّبين عادةً ما يكتبُون أدباً سيئاً جداً، وإنَّ قليلاً من المساعدة قد تجعلُ كتابتك تتحسَّنُ مرات كثيرة.

يقولُ ستيفن كينغ بنفسه بأنَّه، خلافاً لما كان يعتقدُ في شبابه، وجدَ من تجربته الطويلة أن الكتابة هي (في الجزء الأكبر منها) موهبة موروثة. وما يقصدهُ ستيفن بذلك هو أنَّه لا يمكنُ لكُلّ شخصٍ في العالم أن يُصبِحَ كاتباً بمهارة شكسبير أو تشارلز ديكنز، حتى ولو قضى كُلَّ دقيقة من حياته في دراسة الكتابة وممارستها. ولكن، يمكنُ لِكُلّ شخصٍ أن يخرجَ قدراته وموهبته لمستوى جديد عندما يتلقَّى التدريب المناسب. فمثلاً، يمكنُ للكُتّاب المبتدئين أن يصبحوا كتاباً ممتازين، ويمكنُ للكاتب الممتاز أن يصبحَ كاتباً محترفاً. لا شكَّ بأن قدرة الكاتب على التطوُّر سوف تتوقَّفُ بحُكْم موهبته عند مرحلةٍ ما، إلا أنَّه لن يعرفَ أين تنتهي تلك المرحلة إلا عندما يقضي سنيناً في صقلِ قدراته واستغلالها لأقصاها.

جاءَ كتابُ ستيفن كينغ هذا، بالنسبة لي، في وقت مناسب تماماً، فقد بدأتُ منذ ما لا يزيدُ عن شهرين بكتابة أول رواية حقيقية في حياتي، وكنتُ أشعر بالضَّياع بين كل صفحة والأخرى خوفاً من أنني أكتبُ قصتي بالطريقة الخاطئة أو أنني لا أتقدَّم بحبكتها بالطريقة المناسبة. وبطبيعة الحال، لم يُقدِّم لي كتاب «On Writing» خطواتٍ إرشادية مُرقَّمة تساعدني على حَلّ المشكلات التي في روايتي (ففي الكتابة، مثل جميع الفنون، لا يمكنك كتابة خطوات مُرقَّمة لأيّ وظيفة)، إلا أنَّه لم يكُن بحاجةٍ لذلك.

فقد كان ما قرأتُهُ كافياً لأتعلَّمَ منهُ أني على الطريق الصَّحيح، ووجدتُ النصائح التي فيه عظيمة جداً، خصوصاً عندما تقترنُ بتجربتي في القصص التي حاولتُ كتابتها ومررتُ بنفس الأخطاء، في التأكّد من تجنُّبي لعددٍ كبيرٍ من المشكلات التي لا تحصى التي لا بُدّ أن يقعَ فيها كُلّ كاتبٍ مبتدءٍ وكاتبة مبتدئة. في هذا المقال، اخترتُ 8 من أهمِّ المشكلات التي واجهتُها شخصياً في كتابتي والتي وجدتُ ستيفن كينغ يتحدَّثُ عنه في كتابه، وقد رتَّبتُها من الأولى للأخيرة بحسبِ مقدار أهميَّتها للكاتب/ة الجيّد/ة الذي يسعى لتطوير نفسهِ أو نفسها.

ستيفن كينغ يوقّع لمعجبيه.

سبعة دروسٍ من الكتاب

8. كلمة “قال” أكثرُ من كافية

تتميَّزُ الروايات عن غيرها من صور الأدب بأنَّها مؤلفة من قسمين مجتمعَيْن ومتكامِلَيْن معاً، وهُمَا السَّرْد والحوار. والمقصود بـ”السَّرد” الوصفَ الذي يعطيهِ راوي القصَّة للمشاهد والشخصيات ومظهرها ومشاعرها وتصرّفاتها، وأما الحوار فهوَ الحديثُ المتبادلُ بين الشخصيات. فلا يمكن أن تمضي أكثر من صفحة من معظمِ الروايات دون أن يتخلَّلها حديث، وقد تمتدُّ المحادثة الواحدة أحياناً لخَمْس أو عشر صفحاتٍ متتابعة. وعندما تبدأ بكتابة هذه الحوارات بقلمك، قد يفاجِئُكَ أنَّ تأليفها أكثرُ صعوبةً بقليلٍ ممَّا يبدو عليه. فمتى عليكَ أن تكتفي بالسَّرد الموجَز ومتى تتوقَّفُ لعرضِ حوارٍ تفصيليّ بين شخصيات قصَّتك؟ وكيف يمكنك الانتقالُ من مقدّمة هذا الحوار إلى موضوعه الرئيسي، أو القفزُ بين عِدَّة موضوعاتٍ تريدُ لشخصياتك أن تناقشها في حديثٍ واحد؟ والأهمّ من ذلك، كيفَ يمكنك أن لا تُكرّر كلمة “قال” خمسة وخمسين مرَّة في الصفحة نفسها؟

والجوابُ هو أنَّ بإمكانك تكرارها أيَّ عددٍ تريدهُ من المرات. الحوار كما قُلْنا هو واحدٌ من المُكوِّنين الأساسيَّيْن لأيّ رواية في العالم، وبالتالي فلو أردتَ كتابة قصَّة جيدة، من المُتوقَّع أن تحتوي مئات السطور من الكلام المتبادل بين الشخصيات، ولا وسيلة لبدء أيّ حوارٍ أفضل من “قال فلانٌ لفلان”. يشعرُ الكثير من الكُتّاب المبتدئين بعدمِ الراحة عندَ تكرار كلمة “قال” مرَّات كثيرة، ولذلك يحاولون الإبداع بتبديلها بمرادفاتٍ مختلفة لها في كُلّ مرة، مثل القول: “ردَّ حسام”، و”صاح أحمد”، و”همسَت رنا”، و”نَطَقَت سَمَر”، والواقعُ أنَّ هذه المرادفات (كما ستدركُ لو قرأتها في قصة لغيرك) لا طائلَ منها سوى إضفاء الابتذال على النصِّ. لا بديلَ عن كلمة “قال”، فهي الأفضلُ دوماً. ولا بأسَ إطلاقاً، برأي ستيفن كينغ، بتبديلها بأحدِ مرادفاتها في حالاتٍ نادرةٍ وخاصَّة جداً، ولكن لا داعي لأن تُثْقِل على نفسك وعلى قُرَّائك بأكثرِ من ذلك.

7. أتقن فنَّ الوَصْف

بما أن الرواية تتألَّفُ من حوارٍ وسرد، فإنَّ النصف الثاني من نجاحها يكمنُ في السَّرْد الناجح، والوظيفة الأساسية للسَّرْد هي قصَّ أحداثِ الرواية على القارئ، ولكن من السَّهل يستغرقَ الكاتبُ فيه فيجدُ نفسهُ استرسل بثلاث صفحاتٍ كاملةٍ تتحدَّثُ عن جمال أزهار الرَّبيع. والوصف جزءٌ لا يتجزّأ من كُلّ رواية، فهو الوسيلة التي يستدعي بها الكاتبُ خيال القارئ وينقلُ له صوره الفنية والجمالية، إلا أنَّ الوصف الجيّد (بحسب ستيفن كينغ) هو مهارة صعبة، فلا بُدَّ أن يقتصر على تصوير ما هو مهمٌّ ولهُ أثرٌ على القصة، لا أن يكون عبثياً.

على سبيل المثال، لو صرفتَ نصف صفحة من روايتك في وصف مظهر مطعم، فلا بُدَّ للقارئ أن يتوقَّع أن ثمى أحداثاً مهمَّة ستدورُ في هذا المطعم في مرحلةٍ ما من القصة. ولو كتبتَ باقي قصَّتك ووجدتَ أن المطعم لم يكُن ذا أهمية، فلا بُدَّ لكَ من تقليص وصفه إلى جملة أو جملتين على الأكثر. أيضاً، يميلُ الكُتّاب المبتدؤون للإكثار من التفصيل في وصفِ الشخصيات، فتراهُم يسهبُون في الحديث عن شكل الأنف ولون العينين وطول الشعر ونوع الملابس بدءاً من ربطة العُنُق إلى الحذاء والجوارب التي بداخله، مما قد يكون مصدراً للضجر للقارئ لا أكثر. ويعتقدُ ستيفن أن وظيفة الكاتبِ هي توصيل طبيعة الشخصية للقارئ وتركُ الباقي لخياله، فبحسب قوله: “لو أخبرتُك أن (كاري وايت) فتاة منبوذة بالمدرسة ولا تجيدُ اختيار ملابسها، ألن تستيطع تخيُّل مظهرها بنفسك؟”.

عن سكوت فيتزجيرالد، مؤلّف The Great Gatsby.

6. نجاح القصَّة ليس بالأفكار المبدعة

لو حضرتَ صفاً بالأدب في جامعة محترمةٍ بأحدِ الأيام، فسوفَ يبدأ المُدرِّسُ بشرحِ عناصر العمل الأدبي، ومن أهمِّ هذه العناصر الشخصيات والمشاهد والسياق الزماني والمكاني، وقد يكونُ أهمُّها جميعاً هو القصة. لذا، من الطبيعي أن يشعرَ أيّ هاوٍ للكتب والروايات بأنَّ مفتاحهُ ليصبحَ كاتباً ناجحاً هو تأليفُ قصة مُبْدِعَة، بل ورُبَّما قصة لم يرَى العالمُ مثيلاً لإبداعها وتميّزها قَطّ. وهذه هي أكبرُ كذبةٍ في تاريخ التأليف. فالروايات الأكثر مبيعاً ليست مليئة بالأحداث المبدعة وغير المُتوقَّعة بالضرورة، بل إنَّ الكثير منها لا تروي سوى أحداث الحياة العادية والرتيبة جداً. يرى ستيفن كينغ أن القصة الناجحة لا يختلُقها المؤلّف، بل يتركُها للشخصيات. فوظيفة المؤلّف، بنظره، هي صُنْع شخصيات واقعية جيّدة، ومن ثمَّ بإمكانهِ أن يتركَ هذه الشخصيات (بحسب الصِّفات والطِّباع التي وضعها لها) تُقرّر مجريات القصة وأحداثها وكأنَّها تُمثّل بشراً حقيقيِّين. بدلاً من تأليف قصَّتك بنفسك، يمكنُ لعملك أن يكونَ توفير البيئة والتربة الخصبة لقصَّتك لتنموَ بها بطريقةٍ عفوية وطبيعية.

5. اروِ الحاضرَ بدلاً من الماضي

أحدُ الأجزاء الأكثر متعةً من كتابة رواية هو أن تنسجَ عالماً خيالياً متكاملاً بتفاصيله وشخصياته وتاريخه، وأن ترويَ كُلَّ شيءٍ عنه لقارئك، ولذلك يبدأ الكثيرُ من المؤلّفين الهواة قصَّتهم بعشر صفحاتٍ تتحدَّثُ عن تاريخ بطل أو بطلة القصة وعن مُلخّص لحياته وعائلته ومدينته منذُ مائة عامٍ وحتى الوقت الحاضر. والحقيقةُ أن كتابة ماضي القصة، وما يُسمَّى أيضاً “الخلفية” (Backstory) ممتعٌ بالفعل، بالنسبة للكاتب، ولكن لا أحدَ تقريباً يمكنُ أن يكترثَ بقرائته. ينتظرُ القارئ معرفة ما يحدثُ الآن وما سيحدثُ في المستقبل، فهو مهتمٌّ بالحكاية التي ترويها له، ولكنَّه ليسَ مهتماً بقراءة كتاب تاريخ (وليته تاريخٌ حقيقيّ). يقول ستيفن كينغ: “عندما أقرأ، فأنا أشعرُ بتشوّق اكبرَ بكثيرٍ لمعرفة ما سيحدُث وليسَ ما حدثَ سابقاً”. بالطبع، سردُ ماضي القصة ضروريّ، ولكنهُ يجبُ أن يأتي بصورة طبيعية وفي وقته المناسب. ذلك لا يعني أنَّ لك الحُريَّة في الإسهابِ به. كُنْ سريعاً ووجيزاً، والأهمُّ من ذلك، لا تروي للقارئ إلا الماضي الذي سيؤثّر على حاضرِ الحكاية أو مستقبلها. فإذا أسهبتَ في الحديث بصفحةٍ عن كيفية طلاق بطلة القصّة من زوجها السابق، احرِص على أن تكون لهذه المعلومة قيمة لتطوير الحبكة فيما بعد.

4. العبرة ليست بالمفردات المُنَمَّقة

لسببٍ ما، عادةً ما يشعرُ هواة الكتابة بأن سمة أساسية للقصص هي أن تكون مكتوبة بلُغة مُنمَّقة، فالسَّماءُ “بَغَرَتْ” بدلاً من “أمطَرَتْ”، والأمواج “جائشةٌ” بدلاً من “هائجة”، والأمرُ “لا محيصَ عنهُ” بدلاً من “لا مناصَ/مفرَّ منه”، والبنايات “رابضةٌ” لا “ثابتة”. ولا ضيرَ ببعضٍ من هذه الاصطلاحات في سياقاتٍ نادرةٍ من باب التنوّع اللغويّ والاصطاحيّ، ولكنَّ ما يفوتُ الكاتبَ الذي يملأ كلَّ صفحةٍ وجملة من قصصهِ بها هو أنَّ القارئ لا يرغبُ بقراءة روايةٍ وبين يديه معجمٌ لتحرِّي معاني الكلمات. فواحدةٌ من الصّفات الأساسية في القصة أن تكون سهلة ويسيرة القراءة. يشتهرُ بصورة خاصَّة الروائيّ الأمريكي إرنست همنغواي (الحائزُ على جائزة نوبل في الأدب وأحدُ أكثر الروائيّين تأثيراً بالتاريخ) بقدرته على الكتابة بأسلوبٍ سهلٍ وبسيطٍ جداً رُغْم بلاغته الأدبية الشديدة، مثل قوله في إحدى قصصه: “مشى الرجل نحو النهر. ووجدَ النَّهر أمامه”. إذا كنتَ تشعرُ بأن مفرداتك أقلّ ممَّا يلزم، فعليك بقراءة المزيد من الكتب والروايات وسوف تتحسَّنُ بصورة طبيعية، ولكن إيَّاك وأن تجعلَ هذا سبباً لاختيار الكلمات المُنمَّقة والمندثرة بدلاً من الكلمات المألوفة لك، فقُرَّاؤك لن يكونوا ممتنّين لك أبداً على هذا.

3. تحلَّى بالشجاعة لحَذْفِ كلماتك

واحدٌ من أصعب القرارات التي على الكاتب أن يتّخذها هي، عند الضرورة، حذفُ كلماتٍ بذل جهده ووقتهُ في كتابتها. فلو أضفتَ مشهداً إلى روايتك ولو كان من سطرٍ واحدٍ أو من عِدَّة سطور، ثُمَّ وجدتَ لاحقاً (لأيّ سببٍ كان) أنَّهُ لم يعد ضرورياً لهذه القصة، فمن الصَّعب جداً أن تساوركَ نفسُكَ للتخلِّي عنه. ستشعرُ -بالواقع- وكأنك تحاولُ قتلَ طفلك الذي بذلتَ عمرك بتربيته وتنشئته. إلا أنَّ عدمَ التحلِّي بهذه الشجاعة هو أحدُ أهمِّ الأسباب لامتلاء أيّ قصة بالمشاهد الزائدة الطويلة والمملّة وعديمة الفائدة للقارئ. إذا كنتَ قد استمتعتَ بكتابة مشهدٍ من أربع صفحات يتحدَّثُ فيه بطلُ القصة عن القيمة العاطفية للعبة التي كان يمتلكها منذ طفولته بالنسبة له، فهذا لا يعني أن أيَّ أحدٍ قد يرغبُ بقراءة كلامه.

كان ستيفن كينغ فتى شغوفاً بالكتابة في بداياته، فقد أمضى سنواتٍ وهو يرسلُ قصصاً لمجلات الأدب والخيال العلمي كُلَّ بضعة أسابيع دون أن يتلقَّى رداً عليها سوى قصاصات الرَّفض من الناشرين. ولكنه تلقَّى، في واحدةٍ من هذه المرات، ورقة فيها ملحوظة صغيرة مرفقةٌ مع رسالة الرفض. كانت الملحوظة تقول: “قصّتك ليست سيّئة، لكنَّها مليئة بالتفصيلات الزائدة. عليك أن تجعلها أقصر. المعادلة هي: المسوَّدة الثانية= المسوَّدة الأولى – 10%. بالتوفيق”. ألصقَ ستيفن كينغ هذه القصاصة فوق مكتبه، ولا زال يلتزمُ بما فيها في كُلّ مرة يكتبُ قصة لهُ منذ بداية مسيرته المهنية. ويجدرُ بك أن تقومَ بالمِثْل. عندما تنتهي من كتابة قصة، أَعِدْ مراجعتها بالكامل وحاول أن تنقصَ من عدد كلماتها بنسبة عشرة في المائة على الأقلّ. لا تخَف من حذف كلماتك، فمن المُرجَّح أن قُرّاء قصتك سيكون ممتنّين جداً لك على ذلك. كما يقول سكوت فيتزجيرالد، أحدُ أشهر الأدباء الأمريكيين في القرن العشرين: “لن تندم قطّ على حذفِ شيء من كتابك”.

عن وجهة نظر إرنست هيمنغواي.

2. لا تسرد الأحداث بل صوِّرها

إحدى أشهر القواعد في التأليف، والتي يكادُ يذكرها أيّ كتاب جامعي في الكتابة الأدبية هي: “صوِّر القصَّة بدلاً من سردِها” (أو بصورته الأصلية: Show, don’t tell). وهذه القاعدة ذهبية لدرجة أنَّها تضعُ الخطَّ الفاصل بين معظم الإنتاجات الأدبية الهاوية والجيّدة، فهيَ تظهرُ الكاتبَ الذي يعرفُ ما يقومُ به من الكاتب المبتدئ. وما يعنيه تصوير القصَّة هو أن تشعرَ القارئ وكأنَّه يعيشُ أحداثَ القصة ويراها أمامه، وأمَّا سردُ وقائعها يجعلُها أقربَ لكتاب مُملّ عن سيرة ذاتية.

يستعينُ ستيفن كينغ بمثالٍ مستوحى من تجربته بهذا الخصوص، ففي واحدةٍ من قصصه كان يريدُ أن يرى القارئ أن واحدةً من شخصياته الرئيسية، واسمها آني ويلكس، مصابةٌ بجنون عقليّ. ولكنَّ ستيفن يقولُ أنَّه سوفَ يفشلُ في عمله لو اضطرَّ أن يخبرَ القارئ صراحةً بأن “آني ويلكس مصابةٌ بمسٍّ عقليّ”. بدلاً من ذلك، وجدَ أنَّه لو قال عن آني أنَّها امرأة متّسخة الشعر وقليلة الكلام وتلتهمُ الحلويَّات طوالَ الوقت، فقد ينجحُ بإظهارِ شخصيتها الفعليَّة لقُرَّائه. وحينها لن يكون القارئُ قد فهمَ آني ويلكس مثلما يتخيَّلُها ستيفن كينغ فحسب، بل سيكونُ قادراً على رؤيتها تقفُ وتتحدَّثُ أمامه بواقعية تامَّة لدرجة كفيلةٍ ببثّ الفَزَعِ فيه. وهذا هو الأدب الحقيقيّ.

1. الطريق إلى جهنَّم مُعبَّدٌ بالصِّفات

مثلما قلتُ سابقاً، لقد رتَّبتُ النصائح التي انتقيتُها لهذا المقال بحسبِ أهميَّتها وقيمتها للكاتب المبتدئ، ولذا فقد تركتُ أبرزها وأكثرها جوهريَّة وأكثرها تكراراً وتوكيداً واعتباراً في كتاب ستيفن كينغ وفي مُقدّمات الكثير من رواياته لنهاية هذا المقال، ألا وهي التَّحذيرُ من الحال والصّفات، والتي، بحسب مقولة ستيفن المتُكرِّرة، قد “عُبِّدَ بها الطريق إلى جهنَّم” (“The road to hell is paved with adverbs“).َ

المقصود بالحال هو الأوصافُ التي تترافقُ عادةً مع الأفعال والجمل الفعليَّة في اللغة لتوضيحِ كيفيَّة أداء الفعل أو شدَّته أو سرعته أو ما شابهَ ذلك. من الأمثلة غير المبدعة على استخدام الحال: “فتح رامي الشبّاك مسرعاً” و”أعطى داود الكتاب لأخيه غاضباً” و”نظرت سمرُ إلى السَّماء عابسة“، وينطبقُ ذلك أيضاً على الصّفات المُضَافة للأسماء والتي لا تتَّسِمُ بإبداعٍ أكثر، ومنها: “طلعَ الصَّباح المشرق“، و”انقشعت السّحب الكئيبة“، و”هبَّ النسيم المنعش“. ولو كانت هناك سمةٌ واحدةٌ اتَّفقَ عليها جميعُ الكُتّاب المبتدئين والسيّئين في العالم، فهي الإسرافُ غير المحدود بإغداق الصفات والحال على كُلّ جملةٍ في ما يكتبُون. بل لعلَّ بعضهُم يظنّون أن هذه الأوصافَ هي ما يصنعُ الأدب. وذلك مصدرٌ كبيرٌ للحُزْن والأسى. وكان اشمئزاز ستيفن كينغ من هذا الأسلوب شديداً بعد نُضْجه واكتسابه للخبرة الأدبية لدرجة أنَّهُ عادَ لتحرير معظم رواياته القديمة وإزالة “آلاف الصّفات” منها لمعالجة أسلوبها.

رأي ستيفن كينغ بالصّفات والحال.

ويرى ستيفن كينغ أن الاعتماد على الحال والصّفات في رواية القصص هو وسيلة لتسهيل عمل الكاتب. فعلى حدّ وصفه، إن الحديث عن “عيون البطل الزرقاء المتّقدة بالذكاء” و”ووجنة البطلة الحادَّة” يُعبّر عن كسل الأديب فقط، فالكاتبُ المبتدئ -عند استعمال هذه الألفاظ- يحاولُ أن يختصرَ الطريق على نفسه بسَرْد صفات الشخصيَّات للقارئ بدلاً من عرضِ تصرّفاتها وأفعالها التي تُعبِّر عن هذه الصّفات. على سبيل المثال، بدلاً من الحديث عن ذكاء البطل الشديد، يمكنُ للمؤلّف أن يكتبَ مشهداً يعتمدُ البطلُ فيه على “ذكائه المتّقد من عينيه” ليحلَّ لغزاً صعباً أو يخرجَ من مأزقٍ مُعقَّد، وبالتالي يكونُ قد صوَّر الصفة المطلوبة للقارئ. وبالمثل، فإنَّ استخدام التشبيهات المستهلكة والمعروفة لا يُثْري اللغة الأدبية للرواية، بل يجعلُها تبدو رخيصة فحَسْب. على سبيل المثال: “جرى الفتى مثل المجنون” و”سطع النور مثل الشمس المتوهّجة” و”ترقرقت دموعها مثل المَطَر“، كُلّها تشبيهات لا تساعدُ في تحسين أيّ رواية، بل تثبتُ قلَّة إبداع المؤلِّف وكثرة ما قرأهُ من الأدب الرَّديء الذي تظهرُ به مثل هذه العبارات.

هل أنتَ مهتمّ بقراءة المزيد؟

إذا شوَّقك أيٌّ ممَّا في هذا المقال لقراءة المزيد من النصائح الذهبية التي بإمكانها أن تُغيّر من كتابتك، فسوف أسألُكَ الآتي: لو عرضتُ عليك نسخةً كاملةً مترجمةً إلى اللغة العربية من كتاب “On Writing”، فهل سيلفتُ ذلك انتباهك؟

إذا كنتَ مهتماً بالحصول على هذا الكتاب باللغة العربية، فإنِّي أدعوك لأن تُسَجّل في النشرة البريدية المرفقة أدناه. لو وجدتُ عدداً كافياً من المشتركين في النشرة خلال الأيام القادمة، سوف أبدأُ بترجمة كتاب ستيفن كينغ بنفسي إلى اللغة العربيَّة بأسلوب أدبي سليم سهل القراءة، وسأنشرُهُ دورياً من خلال هذه المدوّنة. أتطلَّعُ لمعرفة رأيك وأرجو أن لا تتردَّد بالتسجيل لو وجدتَ نفسك مهتماً.