قبل سنة ونصف دخلتُ كلية اللغات الأجنبية في الجامعة الأردنية لأبدأ بدراستي لاختصاص اللغة الإنكليزية وآدابها. كانت هذه أول تجربة أكاديمية لي خارج فصول المدرسة، و -على ما يفترض- في واحدةٍ من أفضل جامعات بلدي بعلوم اللغة. وبالفعل، كانت النقلة في مستوى وآلية التدريس مذهلة بالنسبة لي. فلأول مرة في حياتي وجدتُ نفسي أمام أساتذة مُتعلّمين ومتعمقين جداً في مجالاتهم، ومتشوقين لنقل ما يعرفونه إلى طلابهم بكل حبّ وشغف.

منذ ذلك الحين، بدأتُ أدرك – بالتدريج – كم كانت تجاربي الدراسية السابقة، في كلّ المواد والعلوم تقريباً، حزينة إذا ما قورنت بأسلوب التدريب الحداثي الحقيقي. ولكن الأسوأ من هذا (بالنسبة لي) هو أني رأيتُ لأول مرة الطريقة الصحيحة والرائعة لتلقين جمال اللغة، وتبيَّن لي بصورة جليَّة سببُ كرهي للغتي الأم، وهي اللغة العربية، طوال سنين دراستي الماضية. في الحقيقة، يدهشني أن أفكر بكمّ الإجرام الذي وقع بحقّ هذه اللغة على مر المائة سنة الماضية في أسلوب الاعتناء بها وتلقينها، في عصر يفترض أنه عصر “التقدم والتكنولوجيا”، ويؤسفني أكثر أن مجامع اللغة العربية، التي تحبّ التفاخر بأهمية عملها، لم تؤدّ حتى الآن أي دور إيجابي في تحويل اللغة العربية إلى لغة عصريَّة صالحة لزمنها.

لغة كل زمان ومكان

لا أدري لو كنتَ واحداً من قرائي الذين يتبنون مثل هذا الرأي، لكني لو تخيَّلتُ نفسي وأنا أروي الفقرة السابقة أمام جمعٍ من الناس، فمن البديهي أنه – بعد ذكري لضرورة جعل اللغة العربية عصرية – سيقفزُ أحدٌ من الجمهور ليُوضّح لي خطئي الجسيم. فعلى ما يفترض أن اللغة العربية لا تقبلُ التغيير، فهي لغة القرآن الخالدة. أهذا صحيح؟

بعد سنة ونصف من دراسة علوم اللغة بشغفٍ واهتمام، يمكنني القول بثقة أن ما من لغويّ في العالم يسمعُ عن “لغة لكلّ زمان ومكان” إلا وسيقعُ ضاحكاً، فاللغة هي كيان ديناميكي لا يتوقَّفُ عن التغير لأي سبب. تظهر دراسات التاريخ اللغوي أن جميع لغات العالم المحكية – تقريباً – مختلفة جوهرياً عن اللغات التي كانت متداولة قبل أربعمائة أو خمسمائة عام، فقد أصابها من التغير ما يجعل مثيلاتها القديمة غير مفهومة الآن لأحد في العالم. وقد يزعم البعض أن ثمة لغات، مثل العربية، مستثناة من هذه القاعدة، لكن هذا خطأ جسيم آخر.

مع أن الكهنة السنكسريتيين نجحوا بالحفاظ على لغتهم المكتوبة، لأهميتها الدينية، حتى يومنا هذا، إلا أن عموم الناس توقفوا عن التحدث بها منذ ما يقارب 2,000 عام.

فصحيح أن العربَ نجحوا بالحفاظ – إلى درجة ما – على لغتهم المكتوبة من التغيير، مثلما نجح الهنود بحفظ اللغة السنسكريتية لألفي عامٍ بعد انقراضها من على ألسنة الناس، إلا أنَّ تمرَّد اللهجات العربية واختلافها الشاسع في عصرنا يثبت أنه ما من سبيلٍ للسيطرة على اللغة الحقيقية، وهي اللغة المنطوقة. ولن تكون المسألة إلا مسألة وقتٍ حتى تتأثر بها وتتبعها اللغة المكتوبة أيضاً، وهو أمرٌ نعاصره الآن مع انتشار ظاهرة تأليف الكتب بالعامية. ما من لغةٍ في العالم يمكنها النجاة من عنصر التغيير، لأن منبعه يكمنُ في طبيعتنا أنفسنا، فنحنُ كائنات مدركة تتغير أفكارها وعلومها على مرّ الزمن.

وقد يبدو وجود مجامع اللغة، إذا ما سلَّمنا بحقيقة حلول اللغة الجديدة مكان القديمة بصورة متعاقبة، أمراً عديم المعنى، لكنه ليس كذلك. والسبب هو أن اللغة، لكي يفهمها جميع الناس الناطقين بها، يجبُ أن توضع لها قواعد راسخة يلتزم بها الجميع في زمانها. فربَّما تختلفُ قواعد اللغة الإنكليزية التي تُدرَّسُ الآن عن قواعدها قبل مائتي عام، لكن هذا لا يعني أنَّ أساتذة اللغة الإنكليزية في المدارس سيتغاضون عن أخطاء الإملاء والنحو في أوراق تلاميذهم لأن “قوعد لغتهم ليست ثابتة”. طالما أن ثمة قواعد متفقاً عليها الآن، فمن الضروريّ أن يلتزم بها الجميع. ولهذا السبب، فحتى لو اختلفت اللغة العربية في هيئتها وقواعدها عمَّا كانت عليه في أزمنة سابقة، إلا أنَّه لا بُدَّ من وضع أسسٍ منهجية لاستعمالها بين الناس.

ما الذي يجعل اللغة العربية غير عصريَّة؟

سواءٌ كنتَ تتفق تماماً مع كون اللغة العربية “غير عصريَّة” أو تجده محضَ هراء، فعليك الإقرار – على الأقل – بأن القول بمثل هذا الرأي أصبحَ سائداً في أيامنا. فسماعُ الاعتراضات عن مشكلات اللغة العربية متكرّر، إلا أنَّه، في معظم الأحيان (وليس جميعها) يفتقرُ إلى التحديد، لذا فأجدُ من المُهمّ أن نستغرض عدداً من المشكلات الأساسية التي تجعل العربيَّة لغة غير قادرة على مواكبة زمنها. ولا يعني هذا أن لغتنا محكومة بصورة أبدية بحالها الآنية، إلا أنَّها ستكونُ بحاجة لتغييرات جذرية لتتجاوزه.

تكمنُ إحدى أولى وأكبر المشكلات للغة العربية في عجزها الاصطلاحي. والعجز الاصطلاحي هنا لا يعني، بالضرورة، أنَّ المصطلحات التي نحتاجُ إلى استعمالها في حياتنا اليومية، أو دراساتنا الأكاديمية، مختفية من اللغة العربية، فقد تكونُ الكثير من هذه المصطلحات موجودة بالفعل في معاجم يبلغُ عمرها مئات السنين، ولكنَّ عجزنا عن أن نألفها ونحفظها وندخلها في استعمالنا اليومي يجعلها عديمة الفائدة بالنسبة إلينا.

ولكن العجز الاصطلاحي يعني أيضاً عجزَ علماء اللغة عن الإتيان بمرادفات جديدة لكلّ المصطلحات التكنولوجية التي أصبحت تغرق مناهجنا التعليمية وحياتنا اليومية. والغريب في الأمر أنَّه يمكن تعريب أعدادٍ هائلة من هذه المصطلحات بأسلوب بسيط وعمليّ جداً يُسمَّى الاستعارة، وهو اقتباس اللفظ الأجنبي على هيئته مع تغييره بدرجةٍ بسيطة ليوافق لفظ لغتنا، مثل الكيفية التي تحوَّلت بها كلمة Television إلى تلفاز. إلا أنَّ الإصرار على اختراع مصطلحاتٍ غريبة عن أذهان الناس، مثل ترجمة اسم الحاسب المحمول (Laptop) على هيئة “حاضون” في واحدٍ من قرارات اجتماعٍ لمجامع اللغة العربية الكبرى، يُجبر الناس على الانتقال إلى اللغات الأجنبية تماماً.

مجمع اللغة العربية في الجامعة الأردنية.

ثانياً، قد تحتاجُ اللغة العربية إلى إعادة هيكلة للكثير من قواعدها بحيثُ تجاري ما درج على ألسنة الناس. هذا واقع لا بُدَّ من الإقرار به عاجلاً أم آجلاً. فاللغة ليست كياناً مُقدساً وحفظها من التغيير أمرٌ مستحيل. قواعد اللغة العربية نفسها ليست موجودة منذ الأزل، بل هي في جوهرها وليدة عمل أبي الأسود الدؤليّ (المتوفى سنة 689م)، والذي لم يكتُب أحدٌ من قبله شيئاً ذا قيمة في علوم اللغة العربيَّة.

وفي الواقع أن الكثير من اللغات الحديثة الناجحة اتجهت، في فترات نهضتها الفكرية، نحو تنظيم قواعدها وإعادة بنائها بأسلوب مُنظَّم بحيثُ تصبح أبسط وأسهل للمُتعلّمين، سواء من أبناء اللغة أنفسهم أم من الأجانب. فعلى سبيل المثال، أجرى علماء اللغة تغييرات جوهريَّة في قواعد اللغة السويدية خلال القرن التاسع عشر لجعلها أكثر بساطة. وفي المقابل، تعتبر اللغة العربية الآن واحدة من أصعب اللغات التي يمكن للمرء أن يحاول تعلّمها في العالم، وهذا الأمر ليس مدعاةً للفخر بأيّ طريقة، على عكس الطريقة الغريبة التي يُشير البعض إليه بها. في الحقيقة، لا تدلّ صعوبة اللغة العربية سوى على أنها لغة غير عمليَّة، وعلى أن قواعدها المُعقَّدة أصبحت تحولُ عائقاً دون انتشارها في العالم.

وأما ثالثاً، فاللغة العربية تواجه أزمة حادَّة في تدريس علومها. فالغالبية العظمى من الناطقين باللغة العربية يحصلون على شهاداتهم الجامعية وهُم لا يعرفون شيئاً من قواعد لغتهم سوى أقسام الكلام والأسماء الخمسة وبضعة أشياءٍ أخرى. في الحقيقة، مناهج المدارس العربيَّة التي ألفتُها في حياتي لم تُدرّس شيئاً يذكر من علوم هذه اللغة سوى الإعراب والنحو بصورته الأعمّ، وهو قسمٌ واحد فقط من الأقسام الأساسية الخمسة في كلّ لغة (وهي علوم النحو، والصرف، والأصوات، والمعنى، والخطاب).

محاضرة عصريَّة في الأدب الإيطالي بجامعة بنسلفانيا.

الطريقة الصحيحة لتعليم اللغة

عندما دخلتُ كلية اللغات في جامعتي كنتُ متردداً لشعوري بأني على وشك أن أبدأ دراسة طويلة عديمة الفائدة. كنتُ أعرف، بالطبع، أني سأستمتع بقراءة الروايات الإنكليزية القديمة والتعرف على مختلف صور الأدب، إلا أني كنت مقتنعاً بأنني لن أتعلَّم شيئاً مفيداً حقاً في سنيني الجامعية الأربعة. وهو أمر يحزنني جداً مُجرَّد تخيّله الآن، بعد أن صرتُ أعرف الفائدة المذهلة لدراسة علوم اللغة.

يمكنني أن أستوعب الآن أن انطباعي الكارثي السَّابق لم يكُن سوى نتيجة تجربتي المدرسية (رغم أني لا أعتبر نفسي شخصاً اعتمد في تعليمه على المدرسة بالمرَّة). فمثل أغلب طلاب المدارس العربيَّة، لم يسبق لي وأن تعلَّمتُ شيئاً مهماً عن اللغة من خارج مناهجي وكتبي، ومثل معظم هؤلاء الطلاب أيضاً، فقدت تخرجتُ وأنا مقتنع بأن الدرجات الجامعية الأدبية لا قيمة لها، وبأنَّ ما من سبب لوجودها أصلاً. وهذه ليست سوى نتيجة للأسلوب المأساويّ الذي تلقَّنتُ فيه العلوم الأدبية في سنين دراستي الماضية.

قد يبدو من البديهي بالنسبة لمعظم الناس أن المناهج المدرسية في بلادنا ليست على مستوى قديرٍ جداً، فقليلون من يتخرَّجون من مدرسة عربيَّة وهُم راضون عن أساتذتهم وشغوفون بموادهم. إلا أنَّ هذه المشكلة يمكن تجاوزها بسهولة – نسبياً – في معظم مجالات العلوم والمعرفة، لأنَّ أي شخص يستطيع التوسّع في الفيزياء أو الجغرافيا، مثلاً، من خلال الإنترنت لتعويض ما لم يتعلَّمه على مقاعد الدراسة. إلا أنَّ هذه المشكلة تصبح كارثية في حالة اللغة العربية، لأنَّها مجال لا تتوافرُ فيه مصادر أجنبية أو عالمية للتعلّم، وبالتالي فإنَّ كل معرفتنا عن لغتنا الأمِّ محكومة بالمناهج المحزنة التي تضعها لنا وزارات التربية والتعليم.

دمشق في العصر الإسلامي.

وهنا سوف آتي إلى أكبر مشكلة بالنسبة لي، كشخصٍ محبّ للقراءة، في عصرية اللغة العربية، وهي انعدام تدريس تراثها الأدبي في المدارس والجامعات، أو انعدام تدريسه بالأسلوب الصحيح. فما لا تفهمه اللجان التعليمية حيالَ الأدب أنه ليس حفظاً للأشعار والقصائد عن ظهر قلب، بل هو في الواقع علم تحليليّ جميل جداً، تُدرَّسُ فيه نصوص أدبية تحملُ أفكاراً معقدة كانت لها أهمية في تشكيل تاريخ اللغة وثقافتها. الهدفُ الحقيقي من قراءة نصوص الأدب ليس حفظها بطريقة عمياء وكأنَّها نصوص مُقدَّسة، وإنما تفسير معانيها العميقة وانعاكساتها على حياة الناس في زمنها وكيفية استقبالهم لها.

إلا أنَّ عدم استيعاب مؤسَّسات التعليم لهذا الأسلوب الصحيح والرائع في تلقين علوم الأدب يضمنُ لنا الآن عدم تخريج طالبٍ واحد من المدارس وهو راغب بسماع كلمة “الأدب” لمرَّة أخرى في حياته. وبما أن اللغة وجدت لتستعمل، وبما أن الأدب هو التجلي الأكثر جوهرية ورقياً لاستعمال أي لغة في العالم، فإنَّ عدم إلمام الإنسان بآداب لغته يعني أنه لا يعرف لغته جيداً، و- على ما يحتمل – أنه قد لا يجد سبباً لينتمي إلى لغته أو ليعتمد عليها في حياته.

رسم فني لبغداد القديمة.

إن ممَّا يفاجئني، على المستوى الشخصي، أن أدرك أني (أنا نفسي) أواجه مشكلة متزايدة في التعامل مع لغتي. فمنذُ بدأت دراسة اللغة الإنكليزية وأنا أشعر بازدياد دورها بحياتي في صورة كبيرة، وكوني كاتباً، فقد بتّ أشعر في الكثير من الأحيان بأني مضطر لتدوين أفكاري باللغة الإنكليزية عوضاً عن العربية إن أردتُ التعبير عنها بالطريقة الصحيحة. قد تنطبقُ هذه الحالة على العديد من أبناء جيلي الضليعين باللغات الأخرى، لأن أي شخصٍ يعيشُ في هذا العصر سيجدُ صعوبة كبيرة باستعمال لغة لا زالت عاجزة عن التعبير عن آلاف المصطلحات والمفاهيم الجديدة التي صار الناس يتحدثون عنها في هذه الأيام.

من الطبيعي أن بلداناً نامية وفقيرة نسبياً، مثل الدول العربية، لن تكون قادرةً على تكريس مؤسسات متطورة للاهتمام بأي مجال من العلوم، ناهيك عن اللغة تحديداً. لكن الأمر الجوهري يكمنُ في أن بلادنا هي موطن لغتنا، اللغة العربية، وإذا لم تستطع هي نفسها أن تخلق بيئة حديثة لدراسة هذه اللغة وتعليمها وتحديثها، فإنَّ دورها في العالم سيتضاءل سريعاً جداً، وستحلّ مكانها اللغات الأجنبية – المواكبة للعلوم والتكنولوجيا – على ألسنتنا نحن وأبنائنا من بعدنا، لتصبح لغتنا مُجرَّد عينة تراثية من التاريخ.