عدتُ قبل ساعات من رحلةٍ مرهقةٍ وطويلة جداً إلى كندا، حيث كنتُ، قبل أسبوعين تقريباً، قد حظيتُ – مرة أخرى – بالتجربة الرائعة لحضور مؤتمر ويكيمانيا، وهو المؤتمر السنوي الرسمي لموقع ويكيبيديا حيث يلتقي الويكيبيديّون من كلّ أنحاء العالم لمناقشة كيفية إثراء هذا الموقع وتطويره. امتدَّت فترة المؤتمر لخمسة أيام، بدءاً من 9 وحتى 13 أغسطس الماضي، وكان انتهاء تلك الأيام الخمسة محزناً جداً، فقد كانت من أفضل وأروع الفترات اللي حظيتُ بها – مؤخراً – في حياتي.

كانت هذه تجربتي الثالثة في السفر إلى الخارج لحضور مؤتمراتٍ لويكيبيديا. في التجربتبتين السابقتين، اللتين وثَّقتُهما أيضاً على هذه المدونة، ذهبتُ في رحلة إلى هونغ كونغ في سنة 2013، ومرة أخرى إلى لندن في سنة 2014، إلا أنَّ تلك الأخيرة كانت منذ ثلاث سنين، فبعدها توقَّفتُ لعامٍ عن التقدم للمنح، ومن ثم تلقَّيتُ رفضاً (للمرة الأولى في حياتي) في العام الماضي، عندما أقيم المؤتمر بمدينة إزينو لاريو في إيطاليا. هذه المنح هي عبارةٌ عن تمويل كامل يُغطّي مصاريف السفر والإقامة والمواصلات، تُقدّمها مؤسسة ويكيميديا في كاليفورنيا بالولايات المتحدة (وهي مؤسَّسة تُمثّل الكيان القانوني الذي يرعى ويكيبيديا) سنوياً لمساعدة بعض الويكيبيديين على حضور المؤتمر السنويّ، ويكيمانيا. الهدفُ الأساسي من المنح هو زيادة تمثيل الدول الفقيرة، التي لا يستطيع سكانها في الغالب تحمّل تكاليف السفر والإقامة للمؤتمر، فقبل تبنّيها كان التمثيل العربي والأفريقي والآسيوي في مؤتمر ويكيمانيا أقربَ إلى العدم.

الصورة الجماعية لحضور مؤتمر ويكيمانيا 2017 في مونتريال، كندا.

الوصول إلى مونتريال

بدأتُ رحلتي من مطار الملكة علياء في عمّان، الأردن صباح الثامن من أغسطس الماضي، حيث كان عليَّ أن أبدأ مشواري لقطع ما يزيدُ عن 8,000 كيلومتر وصولاً إلى مدينة مونتريال في شرقيّ كندا، حيث سينعقد المؤتمر. لحسن الحظّ، كانت تنتظري مفاجأة سعيدة في المطار تكمنُ في مقابلة الزميلين علاء النجار وجاك رباح، اللذين رافقاني في الرحلة من بدايتها حتى نهايتها، وكانا – بالطّبع – رفقة جيدة (رغم أننا أضعنا جاك طوال الساعات الأربعة التي قضيناها خلال تحويل طيراننا في فرانكفورت، إلا أننا عندنا للقاء به بعد هبوطنا في مونتريال). كانت الرحلة متعبة جداً، خصوصاً وأني استيقظتُ في يوم السفر الساعة 8 صباحاً، لأبدأ باتخاذ الاستعدادات النهائية لسفري، إلا أن الطائرة لم تقلع من الأردن إلا في الثالث صباحاً من اليوم التالي، مما يعني أنني، عندما بدأت رحلتي الطويلة جداً، كنتُ بالفعل على شفى الانهيار من الإرهاق.

مع ذلك، نجحتُ بإشغال ذهني المتعب برقم قياسي من الأفلام أثناء الرحلة، إذ تمكَّنتُ من إنهاء ثلاثة أفلام كاملة أثناء تحليقنا بين فرانكفورت ومونتريال فحسب. شاهدتُ أولاً فلم Beauty and the Beast (ولا أقصدُ هنا الإصدار الجديد الذي يتحدث عنهُ الجميع، بل فلم ديزني الكرتوني الصادر عام 1991)، ثم فلم Trolls (2016)، الذي وجدتهُ ممتعاً بدرجة جيدة، وأخيراً Your Name (أحد أشهر أفلام الأنمي بالتاريخ)، الذي أثبتَ أنه إنتاج ممتازٌ تماماً وممتع جداً. أيضاً، كنتُ قد اصطحبتُ معي – كعادتي – كتاباً في رحلتي، هو جزيرة الكنز أو Treasure Island، والذي قرأتُ منه عدة فصولٍ أثناء الطيران.

لقاء جاك رباح (يمين) وعلاء النجار (وسط) وأنا (يسار) في مطار الملكة علياء، عمّان.

هبطت طائرتنا في مونتريال في حوالي الساعة العاشرة صباحاً بالتوقيت الكنديّ، وبعد أن استلمتُ حقائبي وتوجَّهتُ إلى مكتب ويكيبيديا، حيث يجتمعُ كلّ حضور المؤتمر في المطار، وجدتُ مشهداً سعيداً. كان قد تجمَّع – بالفعل – حوالي عشرة أشخاص من الحاضرين إلى المؤتمر، بل وقد تبيَّن لي أن جميعهم كانوا قد شاركونا نفس الرحلة انطلاقاً من فرانكوفرت إلى مونتريال. وهكذا تحرَّكت مجموعتنا، المؤلفة من ثلاثة عرب، وهنديَّيْن اثنين، وإيراني، وأوروبي (وبضعة أشخاص آخرين لم أتعرف على جنسياتهم) إلى موقف الحافلات، لشراء تذاكر الحافلة رقم 747 التي ستُقلّنا إلى موقف بجوار الفندق تماماً.

لـ”سوء” حظي، كنتُ آخر شخصٍ في طابور الواقفين أمام آلة قطع التذاكر، فوقفتُ أنتظر دوري بتحرّق لعشر دقائق، وقبل أن ينتهي آخر شخصٍ أمام من شراء تذكرته بثوان معدودة، ظهرت فتاة شقراء ذات ملامح أوروبية ووقفت بجوارنا وقالت مُتحدِّثة إلينا: “هل وصلتم إلى مونتريال الآن؟”. تبادلنا النظرات باستغراب، ثُمّ رد أحدنا بالإيجاب، فأخرجت بطاقة مواصلات كندية من جيبها وقالت: “لديَّ هذه البطاقة، فيها مواصلات مسبقة الدفع لمدة اليومين القادمين، ولن أكونَ بحاجةٍ إليها لأني على وشك العودة إلى بلدي. هل ترغبونَ بأخذها؟”، وبما أنَّ الجميع كانوا قد انتهوا من شراء التذاكر بالفعل، فقد حصلتُ من الفتاة اللطيفة على بطاقة OPUS مع مواصلات مجانية لمدة يومين، ووفرتُ مبلغ 16$ دولاراً.

مدينة مونتريال (لا.. ليست صورتي بالتأكيد).

جولتي السياحية

لكَ أن تتخيل، عندما وصلتُ إلى غرفتي في فندق الشيراتون بعد رحلة سفر طولها 22 ساعة، أن أكثر ما كنتُ أتوق إليه هو الإلقاء بكلّ أغراضي في أقرب خزانة إليَّ، ومن ثم الإلقاءُ بنفسي على أقرب سرير.. ولا شيء سوى ذلك. ولكن ما حدث هو أني لم أكد أضعُ أغراضي، وأستلقي لأتصفح هاتفي المحمول للحظات، حتى سمعتُ هاتف الغرفة يرن مرَّات تلو مرَّات. وعرفتُ على الفور أنه أحد زملائي العرب، وأنه – بطريقة ما – حصل على رقم غرفتي بسرعة قياسية.

لا أدري كيفَ عرف علاء برقم غرفتي، فمن المفترض أنَّ مثل هذه المعلومة سرية بحسب قوانين الأمن لدى الفنادق المحترمة (إلا أنَّ موظفة الاستقبال، على ما يبدو، تجاوزت القانون لأنها اعتقدت أننا “صديقان”). على العموم، لم أكد أرفعُ السماعة وأستعدَّ للقول بأني لن أفعل شيئاً الآن سوى الاستلقاء والنوم، حتى صاح فيَّ علاء ليخبرني بأن زميلنا حلمي، وهو ويكيبيديّ تونسي يعيشُ في مونتريال، كان واقفاً في بهو الفندق بانتظارنا، وأنه يرغبُ – تحديداً – بلقائي أنا، فبيننا صداقة قديمة.

لسذاجتي، ارتديتُ ملابسي ونزلتُ سريعاً معتقداً أننا سنتبادلُ أطراف الحديث لنصف ساعة، ومن ثم سيمضي كلّ منا إلى سريره الجميل. إلا أنَّ ما حدث، في واقع الأمر، هو أنني وجدتُ مفاجأة تنتظرني في البهو: فلم أكُن على وشك الجلوس مع علاء وحلمي إطلاقاً، بل – في الحقيقة – كنتُ على وشك الخروج في جولة حول المدينة مع مجموعة متنوّعة من الويكيبيديين: محسن (من إيران)، وألكس (من أذربيجان)، وديفيد (من جنوب أفريقيا)، وعلاء وحلمي (من فلسطين وتونس). لم أحصل على حرية اختيارٍ تذكر، بل لم تكد تمضي خمسُ دقائق حتى كنا قد بدأنا جولتنا، التي لا تم تتوقَّف لأكثر من ثلاث ساعات أخرى.

كنيسة سينت جوزيف في مونتريال.

لن أقول أني لم آخذ الفُرصة لأعبّر عن اعتراضي وتنديدي الشديد بمثل هذه الفكرة السيئة، لكن ردَّ أصدقائي كان أننا يجبُ أن ننام متأخرين، حتى نستيقظ في صباح الغد، عوضاً عن أن نقومَ في منتصف الليل. كان كلامهم صحيحاً وسليماً، إلا أنَّه – بطبيعة الحال – غير مقنع. على أيّ حال، كان الأوان قد فاتَ بالنسبة لسائح لا يعرفُ شيئاً في المدينة لكي يستدير ويعود، فكنتُ سأضلّ طريقي في شوارع مونتريال لنفس المدة التي قضيناها بجولتنا. مضينا في طريقنا سيراً على الأقدام لنذهب إلى كنيسة سينت جوزيف، وهي إحدى أشهر كنائس مونتريال. تقعُ الكنيسة فوق تلّ مرتفع، والحقيقة أنها تحفة معمارية رائعة. كان التجوّل فيها والنظر إلى سقفها وجدرانها هائلة الارتفاع ممتعاً جداً بحدّ ذاته، إذ لديَّ تقديرٌ شخصيّ كبير للأبنية المعمارية الجميلة، كوني (في فترةٍ ما) كنتُ أفكر جدياً بدراسة الهندسة المعمارية.

استفدتُ من هذه الجولة في التعرّف على رفاقنا الأجانب الثلاثة. فقد تبيَّن أن ديفيد ريشتفيلد، من جنوب أفريقيا، سيكون أحد مُنظّمي مؤتمر ويكيمانيا القادم لسنة 2018 في كيب تاون، وأما محسن وألكس فقد تبادلتُ معهما أحاديثاً مطولة عن اللغة الفارسية واللغات القوقازية وعلاقتهم باللغة العربية، كما لم أفوّت الفرصة، بالتأكيد، لأتبادل حواراتي المعتادة مع حلمي عن أفكاره الثورية لتغيير طريقة إدارة ويكيبيديا العربية. عدتُ من الجولة عند مغيب الشمس تقريباً، وعندما دخلتُ إلى الغرفة، وجدتها خالية تماماً، إذ يبدو أن شريكي لم يصل إلى المدينة بعد، فاستلقيتُ على الفور وحظيتُ بنومٍ هانئ.

التطوّع مع فريق المؤتمر

استيقظتُ مرات كثيرة في تلك الليلة على أصوات شخص يدخل، وحقائب تفتح، وأبواب تغلق وتهتزّ بصورة مُتكرّرة. عندما أفقتُ أخيراً، في الخامسة صباحاً، كان شريكي بالغرفة مستلقياً على السرير المجاور، ويغطّ بنومٍ عميق. كنتُ أعرف مسبقاً أنه أمريكي، وأنه اسمه كيفن، إلا أننا لم نتعارَف بالمرَّة، وها قد أصبحنا شركَيْن في نفس الغرفة. على أيّ حال، لم يستغرقني الأمرُ كثيراً، بل فتحتُ حاسوبي وشرعتُ بتصفّح مئات الإشعارات التي وصلتني بعد يومين من الغياب عن الإنترنت، عندما وجدتُ في بريدي الإلكتروني رسالة من أحد مُنظّمي المؤتمر.

كنتُ قد قرَّرتُ – قبل أيام معدودة – أن أتطوّع للمساعدة في تنظيم المؤتمر، وكنتُ أعلم أني تقدَّمتُ بعرض التطوع في وقت متأخر جداً، لذا لم أتوقع أن ألقَ أي استجابة. ولكني وجدتُ رسالة وصلتني منذ دقائق من رجل يدعى أنطوان، يقول لي أنهم بحاجة ماسَّة إلى بعض الأشخاص لمساعدتهم في تجهيز طاولات التسجيل، وسيكونونُ سعيدين لو تمكَّنتُ من المجيء في تمام السادسة صباحاً. نظرتُ إلى ساعتي، وكانت تشير إلى الخامسة والنصف.

مكتب التسجيل في ويكيمانيا 2017، حيث يأتي الحاضرون لاستلام بطاقاتهم وتوثيق تواجدهم، وحيث كنت أتطوّع بدءاً من الساعة السادسة صباحاً.

اغتسلتُ وارتديتُ ملابسي على عجلٍ ونزلت إلى الطابق الرابع للفندق، حيث وجدتُ مجموعة من الطاولات الفارغة وقد تجمَّع حولها بعض الأشخاص، الذين بدا عليهم أنهم غير متأكّدين مما يتوجَّبُ عليهم عمله بوقتهم. التفتَ إليَّ أحدهم على الفور، وسألني لو كنتُ عبّاد، ثم بدأ بإعطائي تعليماتٍ عمَّا يفترض بي أن أفعل. كان المكانُ الذي تطوَّعتُ للمساعدة فيه هو مكتب التسجيل، وهو أول مكانٍ يتوجَّهُ إليه حضور المؤتمر عند وصولهم. فهنا يتم توثيق أسماء الحاضرين، وتعطى إليهم بطاقاتهم التي طُبِعَت عليها أسماؤهم، وتُوزَّع عليهم بعض الهدايا (قمصان مطبوعة)، كما يستطيعون الحصول على إجابات أي أسئلة أو استفسارات تتبادرُ إليهم.

بدأتُ عملي بترتيب بعض الصناديق، وطوي القمصان، وما شابه ذلك من الأعمال التافهة. لكن لم تمضِ ربع ساعة حتى جاء إليَّ أنطوان وسألني لو كنتُ مشغولاً، ثُمَّ أخبرني بأن لديهم عملاً أكثر أهمية بالنسبة لي. قال لي أنَّهم يحتاجون إلى شخصٍ يقفُ عند “مكتب المساعدة” (The Help Desk)، حيثُ يُوجِّه حضور المؤتمر أسئلتهم واستفساراتهم إلى المُنظِّمين. والحقيقة أني لم أكُن أعتقد أن لديَّ أي إجابات من الممكن أن تساعد مثل هؤلاء الأشخاص، لكني هززتُ كتفيّ وقلتُ ببساطة: “ليس لديَّ مانع”. وبعد دقائق كنتُ جالساً إلى جوار فتاة آسيوية تعملُ لدى مؤسسة ويكيميديا، اسمها مورغان، وكانت تقعُ على عاتقنا نحنُ الاثنان – لوحدنا – مسؤولية الإجابة على كلّ تساؤلٍ يتلقاه فريق المُنظِّمين.

بطبيعة الحال، اعتقدتُ أن الآنسة مورغان على دراية كاملة بعملها، وأني سأجلسُ بجانبها لأستمع وأهزّ برأسي فحسب. لكن الأمر المفاجئ، الذي اكتشفته بعد دقائق، هو أنها لم تَكُن أهلاً أكثر مني بكثير لأداء هذا الدور. فلم يكد يصلُ أول زائرينا، ويسألنا عن مكان إقامة أحد نشاطات المؤتمر (وهو ما يُسمَّى الـHackathon، وهو أشبه بورشة حُرّة للبرمجة وكتابة الأكواد)، حتى وقفت مورغان، وأخذت تنظر إليه حائرة لبعض الوقت، ثُمَّ قالت بعدم ثقة: “أعتقدُ أنه في نهاية الممر بهذا الطابق، لكن يستحسن أن تسأل أحداً ما”، ثُمّ جاء أحد المتطوّعين من خلفنا ليُقدّم لنا المعلومة الحقيقية.

للأسف.. لا تظهر جهودي البطولية في مساعدة الحاضرين الضالّين بهذه الصورة، لكنها تظهر قسماً جيداً من مساحة التسجيل والاستفسارات في المؤتمر.

وهنا أدركتُ أني كنت مضطراً للمساعدة فعلاً، ففتحتُ صفحة المؤتمر على الإنترنت، وبدأتُ بقراءة المعلومات الأساسية (أماكن القاعات والنشاطات وما شابه)، ثُمّ اعتمدتُ على خبرتي – من سماع عشرات الأسئلة المُتماثلة خلال الساعتين التاليتين – وعلى حدسي الشخصي، بحيثُ أصبحتُ أقفز بكلّ جرأة وأجيب على نصف الأسئلة الواردة وكأني أعرفُ ماذا أفعل. وعليَّ القول أن الأمر كان ممتعاً جداً، فقد أدركتُ أنني قادرٌ على مساعدة الناس و-أيضاً- على خوض جزء مُميَّز جداً من تجربة المشاركة في المؤتمر، وهو أن تكون مُنظِّماً، وليسَ محض ضيفٍ صامت.

بالطبع، كلّ شيء يأتي مع ثمنه. فلكي أقوم بدوري التطوعي البطولي هذا، اضطررتُ لتفويت وقت الفطور. ولكني لم أكن أستطيع الاستمرار بدوري إلى الأبد، فعندما حلَّت الساعة التاسعة، توجَّهتُ إلى أنطوان، وأخبرته بأني متأسف جداً، ولكني – في النهاية – واحدٌ من حضور المؤتمر، وحاصلٌ على منحة، لذا لا بُدَّ لي من الانصراف للبدء بالقيام بالعمل الذي جئتُ لأجله، ومن ثمَّ توجهتُ إلى أولى جلساتي.