أنهيتُ اليوم قراءة كتاب “خفايا الدّماغ”، وهو إحدى ثمرات معرض الكتاب الأخير الذي حضرتهُ قبل شهر تقريباً. هذا الكتاب هو جزءٌ من موسوعة فرنسيّة تُصدرها دار نشر اسمها Éditions Larousse، وهي تُقدّم خلاصات ممتازة بطبعة جميلة وأنيقة (ومليئة بالصّورة الملونة!) للعديد من الموضوعات العلميّة. وسوفَ أشارك معكم في هذا الموضوع بعض أكثر الحقائق المُثيرة التي تعلَّمتها منه.

تطوّر الدماغ

  • يتطابقُ دماغ الإنسان مع أدمغة الحيوانات الخرى القريبة منهُ في مُعظم تكوينه التشريحي، لكنَّ اختلافهُ الأساسي أنَّ إحدى مناطقه، والتي تُسمّى القشرة الدماغية (وهي المسؤولة عن عملية التفكير واتخاذ القرارات)، لها حجمٌ كبير ومُعقَّدٌ جداً مُقارنة بمعظم الحيوانات الأخرى. في الحقيقة، بعض الحيوانات البسيطة، ومن أهمِّها الأسماك، ليست لديها أيُّ قشرة دماغية تقريباً، فدماغها يتكوَّنُ في الغالبيّة العُظمى – من حجمه – من النخاع الشوكي والمُخيخ، وهُما عضوان مسؤولان عن إدارة الوظائف اللاإرادية في الجسم، وليس لهُما أي دورٍ في عمليَّة التفكير. الصّورة المُخيفة أدناه تُعبر قليلاً عن الأمر، حيث تتوضَّح القشرة الدماغية لدى الإنسان (في الأسفل) وسمك القرش (في الأعلى) باللون الأحمر، والفرق مُلاَحظ على ما آمل.

  • عندما يُولد الطفل يكونُ دماغه أكثر تعقيداً من دماغ الإنسان البالغ، فهوَ يحتوي على عددٍ أكبر بمرَّتين ونصفٍ من الروابط العصبيَّة، لكن مع مُرور الوقت، يبدأ الدماغ بإعادة تشكيل نفسه، إذ تختفي منهُ المناطق التي لا يتمُّ استعمالها في الأنشطة الحياتية للإنسان، بينما يزيد تعقيد المناطق الدماغية التي نحتاجُها بكثرة. الأمرُ يشبه كثيراً نحت التماثيل من الأحجار، ففي البداية يجلبُ النحَّات قطعة صخرة ضخمة جداً ليصنع تُحفته منها، ثُمَّ يُقلّمها ويتخلَّص من أجزائها التي لا يحتاجُها حتى يخلقَ تحفة فنية.
  • لهذا السبب، يُعتبر الدماغ البشري أداةً مرنةً وظيفتُها التكيّف مع الأنشطة التي يُمارسها الإنسان. فمن يحلُّ الكثير من المُعادلات الرياضية والأنشطة الذهنية سوف تتوسَّعُ مساحة التفكير في قشرته الدماغية، ومن يُمارس الكثير من الأنشطة البدنية سوف تتوسَّعُ مناطق التحكُّم بالحركة في دماغه، وهكذا. وفي المُقابل، عندما نترك مُمارسة أحد النشاطات فإنَّ المناطق المُتخصِّصة به في أدمغتنا ستتضاءلُ على الفور وتفقدُ روابطها العصبية، خلال أسابيع أو شهور فحسب. يستمرُّ هذا التأثير حتى لدى الإنسان البالغ، فهو ظاهرةٌ دائمة، وذلك يعني أنَّ على الإنسان تدريبَ نفسه باستمرارٍ على مُمارسة جميع أنواع الأنشطة الفكرية والذهنية ليُحافظ على أدائه فيها.
  • من النّادر جداً أن تموتَ الخلايا العصبية في دماغ الإنسان، فمهما تقدَّم العمر بالشخص، يُفترض أن تُحافظ معظم خلاياه على صحّتها، وما يجعلُ حواس الناس الكبار في السنّ أضعف أو ذاكرتهم أقل فعالية هو تناقصَ عدد الروابط العصبية التي تصلُ بين خلايا الدماغ، وليس وفاة الخلايا نفسها. بالرّغم من ذلك، تُوجد العديد من الأمراض التي تُصيب كبار السن والتي قد تُدمِّر جُزءاً من خلاياهم الدماغية، ومن أهمّ تلك الأمراض الألزهايمر ومرض باركنسون.

عمل الحواسّ

  • عندما تُصَاب بوخزة دبّوس في قدمك، تُرسل مستقبلات الألم على الجلد إشارةً للدّماغ لجعلك تُدرِكُ أنَّك تتألَّم، في المُقابل، تُوجد مستقبلات للمس يُمكنها أن تتفعَّل عندما تقوم بلمس أسفل قدمك أو تدليكها. وقد تبيَّن للعُلماء أنه رُغم وجود نوعين مُختلفين من المستقبلات للألم واللمس، إلا أنَّهما ينقُلان إشاراتهما العصبية للدماغ عبرَ شبكة عصبيّة مُشتركة. لهذا السَّبب عندما تُصَاب بالألم في مكانٍ من جسمك فإنَّ تدليكه يجعلك تشعرُ على نحوٍ أفضل، فعندها سوف يتدفَّقُ عددٌ كبيرٌ من الإشارات العصبيَة الناتجة عن التدليك بحيثُ أنها سوف تُشوّش إرسال الإشارات الناتجة عن الألم، تماماً مثلما يُمكن لمحطّات الراديو أن تُشوش بثَّ غيرها بإرسال الكثير من الموجات على نفسِ التردّد.
  • في الماضي كان من المُتَّفق على وُجود أربع فئات رئيسية من المذاق يستطيعُ دماغ الإنسان إدراكها، حيث تتخصَّصُ الحليمات التذوقية في كل منطقة من اللسان بالإحساس بالإحساس بإحداها، وهي: المالح، والحلو، والحامض، والمر. حديثاً، اكتُشف نوع جديدٌ من النكهات يُسمّى “الأومامي”، وهو مذاقٌ فريد يكونُ غنيّاً في اللحوم وبعض أنواع الخضراوات والصَّلْصات.

الأمراض الذهنيّة

  • الاكتئابُ حالة مرضية لها آثارٌ بيولوجية واضحة على الدّماغ. ولا يفهم العلماء تماماً آلية عمل الاكتئاب، لكنهم يعرفونَ أن الشخص المُكتئب يجنح إلى استدعاء الأفكار والذكريات السلبية من دماغه، ولأن الذاكرة عادةً ما تعمل على استرجاع الأفكار ذات الروابط العصبيّة المتشابهة، فهي تأتي بالمزيد من الذكريات الحزينة والمُكئبة لذلك الإنسان. ومع أن العلماء لا يفهمون ظاهرة الاكتئاب بعد، لكنهم يستطيعونَ المساعدة بتخفيفها (بشكلٍ مُؤقّت)، فقد لاحظ بعضهم أن الأشخاص المُصابين بالاكتئاب يحدثُ لديهم نقصٌ في النواقل العصبية بدماغهم، وسببُ ذلك ليس معروفاً، لكن تجرّع الأدوية التي تزيدُ من عدد النواقل العصبية يُحسّن حالة مُعظم مرضى الاكتئاب.