لو كنتَ لطَّختَ طفولتك الحزينة مثلي بمُشاهدة فلم “قبر اليراعات” (Hotaru no haka) من إنتاج ستوديو غيبلي والذي يتحدَّثُ عن آثار الحرب العالمية الثانية في اليابان، فلعلَّك تساءلتَ  لماذا لم تُقابل في طفولتك أياً من الذبابات المُضيئة، أو اليراعات كما تُسمّى علمياً، التي كان يجمعُها زيتا لأختُه الصَّغيرة. وفي الحقيقة، لو كنتَ تسكنُ في أيِّ مدينة ذات مُناخٍ متوسطي معتدل، مثل معظم مدن بلاد الشام ودُول المغرب، فعلى الأرجح أنَّ الشارع الذي تُقيم فيه الآن كان مليئاً – قبل ثلاثين أو أربعينَ عاماً – بهذه الكائنات. رُغم ذلك، من المُحتمل أنَّك لم تُقابل أياً منها حياتك، أو لو كنت من جيلٍ قديم، فرُبَّما صادفتها آخر مرَّة وأنت في سنين مُراهقتك. السَّببُ في ذلك هو أنَّ اليراعات آخذةٌ بالاختفاء من جميعِ أنحاء العالم بسُرعةٍ مُضطَّردة، والتفسير العلمي مدهشٌ جداً.

اليراعات هي حشراتٌ صغيرةٌ من فصيلة الخنافس، تعيش في المناطق المُعتدلة والمدارية بمُعظم أنحاء العالم، إذ يُوجد منها في آسيا وأوروبا والأمريكيَّتين أكثر من 2,000 نوع. السِّمة الأكثر فرادةً في هذه الكائنات هي قُدرتها على إنتاج الضوء من أجسامها، فلدى اليراعة في الجانب السفليّ من بطنها عضوٌ خاصٌّ يستطيعُ إصدار أشعة الضوء بإجراء تفاعلٍ كيميائي بين الأكسجين ومادَّة تُسمّى اللوسفيرين، وهذا هو نفسُ التفاعل الذي تعتمد عليه العديد من الكائنات الحيَّة الأخرى لإنتاج الضوء، مثل بعضِ أنواع الحلازين والبكتيريا وأسماك أعماق المُحيط.

image4

تدفنُ إناث اليراعات بيُوضها تحت التراب في بداية فصل الرَّبيع، وتخرج يرقاتُها الصَّغيرة بعد شهرٍ تقريباً لتتجوَّل وتبحثَ عن غذائها، واليرقات أيضاً مُضيئة مثل الحشرات البالغة. تتغذى هذه اليرقات على أيّ كائنٍ تجدُه، وغالباً ما يتكون طعامُها من الحلازين والبزاقات، التي تستطيعُ التهامها بإفراز سوائل هاضمةٍ فوقها. تأخذُ اليرقات سنة أو اثنين حتى تصلَ مرحلة البُلوغ، وعادةً ما تعيشُ لشهرين تقريباً بعد ذلك. ومع أنَّ خاصية الضوء موجودةٌ لدى اليرقات والحشرات البالغة، إلا أنَّ الهدفَ منها أخافة الكائنات المُفترسة وإبعادها فحسب، وأما لدى اليراعات مُكتملة النموّ فيبدو أنَّ وظيفتها أكثرُ أهميَّة.

خلال السَّنوات الأخيرة، بدأ العُلماء يُلاحظون انخفاضاً في أعداد اليراعات في العديد من الأماكن. اكتُشفت هذه الظاهرة في البداية في الحدائق والمُنتجعات التي تُنظِّم جولاتٍ سياحيَّة دوريَّة لمُراقبة اليراعات في اللَّيل، فكُلَّما زادت حركة السُيَّاح الذين يأتون لمُشاهدة الحشرات وهي تُضيء في الليل، كانت أعدادُها تتناقصُ بسرعةٍ حتى تختفي. وُضِعَت العديدُ من المُبرِّرات في البداية لتفسير اختفاء اليراعات، فمثل العديد من الحيوانات الأخرى، لا بُدَّ أن هذه الكائنات تتأثر بالنشاط البشري الذي يتسبَّب بتدمير بيئتها الطبيعية من غاباتٍ وأحراش، وتجفيف المُستنقعات والأجسام المائية التي تُفضِّل العيش حولها، فضلاً عن أنَّ المُبيدات الحشريَّة لها أثرها السيّء عليها في الغالب. لكن، على ما يبدو أنَّ أياً من هذه العوامل، رُغم دورها، ليست السبب الجوهري في انقراض اليراعات.

تُوحي العديد من الأبحاث والدراسات الحديثة بأنَّ العامل الأكثر أهميَّة في تناقصِ اليراعات هو أضواء الشوارع. لعلَّ الجانبَ الأكثر إثارةً من هذه الحشرات بالنسبة للأطفال هو ضوئها الأخضر الغريب، إلا أنَّها لا تصدر الضوء من حولها عبثاً، بل لهذا الوهج الجميل أهميَّة شديدة في دورة حياتها الطبيعية. عندما تطيرُ اليراعات بجانب بعضها وتُصدر ومضاتٍ مُتتابعة من الضوء، فهي تحرص على مُزامنتها مع بعضها بوتيرةٍ دقيقة ثابتة، هذه المزامنة تساعد اليراعات على التواصل مع بعضها واختيار شريك لها للتزاوج.

Adult Firefly - Photuris lucicrescens

تظهر التجارب أنَّه عندما تتعرض مجموعة من اليراعات لضوءٍ ساطع، مثلما يحصلُ من أنوار سيَّارة عابرة أو ضوء منزلٍ مجاور، فهي تتشتَّت وتفقدُ مزامنتها لومضاتها الضوئية، وتحتاج إلى عِدَّة دقائق لإعادة ترتيبِ نفسها ومزاولة التواصل مع بعضها. يُؤثر مثل هذا التشتيت بطريقةٍ مُباشرة على عملية التزاوج، وبالتالي على وضع البُيوض والحفاظ على بقاء النوع. عندما يزيد مُستوى الإضاءة حولَ اليراعات عن درجة مُعيَّنة، فمن المُمكن أن تصبح عاجزةً تماماً عن التزاوج مع بعضها. في المدن الحديثة، تُوجد آلاف مصادر الضوء السَّاطع في الليل التي تُشتِّت مجموعات اليراعات في كلِّ مكان، فثمَّة أنوار السيارات، ومصابيح الشوارع، والمنازل، والحدائق، والمحال التجارية. بدُون أن يتم التزاوج يتوقَّف إنتاج الأجيال الجديدة، وتنقرضُ هذه الحشرات بسُهولةٍ بالغة.

لا زال العُلماء يجرون الكثير من الدراسات، في السنوات الأخيرة خُصوصاً، لفهم سلوك هذه الحشرات وكيف يؤثر تطور المُدن على حياتها، إلا أنَّ المرجح، في حال استمرار هذه الظروف، أن اليراعات ستسمرُّ بالتناقص حتى تختفي من أغلب أنحاء كوكبنا.