لا أقصد تقديم دعاية مجانية لشركة كانون، لكنها الكاميرا الأكثر انتشاراً بطبيعة الحال.

منذ بضعة أسابيع وهناك نقاشٌ ساخن على ويكيبيديا العربيَّة حول قواعد تسمية المقالات، وكيفية التعامل مع المصطلحات التقنية أو العلمية التي تكون ترجماتها المُعتمدة (من قبل مجامع اللغة العربية) مختلفة عن ما هو متداولٌ بين الناس. أثناء إحدى المناقشات، استشهد أحدهم مثالاً بمقالة الكاميرا، وأبدى ارتياحه لأنَّها أعيدت إلى عنوانها الأصلي بعد أن ظلَّت تخت اسم “قُمرة” لعدَّة سنوات. أرجعت لي هذه المناقشة ذكريات برنامج الشقيري وزوبعة “القمرات” التي أثارها في كل أنحاء الإنترنت العربي في عام 2010، والتي لم نَسمع بعدها بلفظة “كاميرا” مرَّة أخرى قبل انقضاء بضعة سنوات، وهذه محضُ مأساة أخرى يتسبّب بها نقص حسّ التوثق من المعلومة لدى الإنسان العربي.

أذكر أنَّني كنت قد قمتُ ببحث سريع حول هذه الشائعة منذ ظهورها في سنة 2010، لكنني فضَّلت إعادة التقصي الآن بتفصيل أكبر للتوثُّق. حسب برنامج الشقيري (الذي أحبّه، بالمناسبة، لكنني لا أثق بدقته كثيراً من الناحية العلمية) فإنَّ مصطلح “كاميرا” الحديث في اللغات الأوروبية مأخوذ من الأصل العربي “قُمرة”، حيث كان العالم العربي ابن الهيثم يُجري تجاربه في قمرات . الدليل هو… امممم… لا أحد يدري على وجه التحديد. صحيحٌ أنَّ برنامج خواطر يستضيف آدم هارت – وهو صحفي وباحث بريطاني معروف – للحديث عن “القمرات” التي كان يُجري فيها ابن الهيثم تجاربه عن الضوء، إلا أنَّ من ادعى فعلياً أنَّ أصل كلمة “Camera” هو “قُمرة” كان الشقيري نفسه ولا أحد سواه. أما من أين جاء بتلك الأسطورة العجيبة، فهذا هو الأمر الذي قد لا نعرفه أبداً.

على أيَّة حال، يبدو أنَّ تأثير برنامج الشقيري على الإنترنت هائلٌ جداً. الأمر لم يتوقَّف عند تداول هذا المصطلح على كافة مواقع التواصل الاجتماعي وظُهور ملايين النتائج له على غوغل، بل لقد وصل إلى أماكن غريبةٍ مثل مدخلة Camera في ويكاموس الإنكليزي (وهو موقع شبيه بويكيبيديا ،لكنَّه “قاموس” بدلاً من “موسوعة”). اللافت للنَّظر أن كل المزاعم بأن أصل كلمة “كاميرا” عربيّ لم تظهر قط حتى إذاعة برنامج الشقيري في سنة 2010، وبعد سنة أو اثنتين من إذاعته نُسِيَ الأمر ودفن تقريباً.

جسناً، من أين نبدأ؟ أعتقد أن القواميس العربيَّة القديمة مكانٌ جيِّد. فالسؤال الأول الذي تطرق إلى ذهني بصراحة كان، هل تعني كلمة “قُمرة” فعلاً – كما يقول برنامج الشقيري – “الحجرة المظلمة”؟ بحسب كتاب لسان العرب، فإنَّ معنى “القُمْرَة” هو “خُضْرَة اللون”، مثل “شيء أقمر” أي أخضر. بحثتُ على موقع الباحث العربيّ المُمتاز، الذي يحتوي قاعدة بيانات كاملة لخمسة معاجم عربيَّة هي: لسان العرب، والصحَّاح في اللغة، والقاموس المحيط، والعباب الزاخر، ومقاييس اللغة، ولم يذكر أيّ منها شيئاً عن الحجرات ولا عن الظلام. المعنى الوَحيد الذي وجدتُه لكلمة القُمْرة هو “خضرة اللون” أو “بياضه”. لست خبيراً كثيراً باللُّغة، لكن على ضوء المصادر التي بين يديّ، فليس لي إلا افتراض أن معنى الغرفة والحجرة معنى مستحدث.

كان ابن الهيثم عالماً عظيماً، لكن لا يبدو أنَّ له علاقة كثيراً بمصطلح “الكاميرا” الحديث.

 

ولكن ماذا تقول معاجم اللّغة، إذاً، عن أصل كلمة “الكاميرا” الإنكليزية؟ بحسب ويكاموس، وهو موقع مفتوح المصدر، جاءت كلمة Camera الحديثة من كلمتي Camera obsucra اللاتينيتين اللتين تعنيان “الحجرة المظلمة”، وقد جاءت اشتُّقّت هاتان الكلمتان بدورهما من اصطلاح Camera باللاتينية القديمة، والذي يعود إلى الأصل اليوناني καμάρα، ومعناهُ “الحُجرة المُقَنْطرة” (حجرة قوسيَّة الشكل). بعد تقصي عدد من المعاجم المشهورة والموثوقة جداً، مثل قاموس أكسفورد (الذي دلَّني من قبل، للمناسبة، على الأصول العربية للعديد من المصطلحات الإنكليزية… لكن ليس هذه المرة)، وقاموس كولنز، وقاموس ماكميلان، لم أجد إلا إجماعاً على شيء واحد: الكلمة أصلها لاتيني، مأخوذ عن جذر يوناني. ومن الوَاضح أن الثقافة الإغريقية (الموجودة من قبل بدء التاريخ الميلادي) وخليفتها اللاتينية سبقتا بزمنٍ طويلٍٍ جداً مولد ابن الهيثم في سنة 965م، ومن الصَّعب تخيُّل كيف أنَّهما تمكّنتا من السفر إلى المستقبل لسرقة مصطلح “قُمرة” العربي العظيم منه.

بالعودة إلى بداية حكايتنا، لا زالت مقالة كاميرا على ويكيبيديا العربية تُساهم بنشر الأكذوبة نفسها أكثر وأكثر على الإنترنت العربي. هناك نقاش دائرٌ حالياً، وأرجو أنَّه سينتهي خلال أيام بإزالة هذه الأسطورة من على صفحات ويكيبيديا. من الجميل أن يعتزَّ المرء بتاريخه، لكن ذلك ليس دافعاً لنا لاختلاق الأساطير والأكاذيب (أو اتباعها دون مراجعة وتحقُّق) لمجرَّد أنها تعطينا إحساساً بالفخر بحضارتنا. وعلى كلِّ حال…. لا أعتقد أن المرحلة التي تمرُّ بها الأمة العربية الآن من تاريخها هي المرحلة التي نحتاج فيها للعودة إلى تاريخ عُمره ألف عام والتباهي به. لقد انقضت مئات السنين على آخر مرَّة كانت فيها للعرب قيمة بتقدُّم العلوم على هذا الكوكب، لذا فلستُ أظنُّ أن الفخر والإشادة بالماضي لها أي قيمة الآن، بل العمل لبناء شيء في الحاضر فيه منفعةٌ للبشريّة.