هل تحاول القول أنَّ هذا كلَّه بدأ من بكتيريا؟ الإجابة، في الواقع، هيَ نعم، وسأخبرك كيف.

استغربت عندما أدركتُ تواً أنَّني لم أدوّن قط من قبل عن إحدى أكثر المسائل العلمية حساسية وأكبرها حظاً من النقاش – على تفاهة هذا النقاش! – بين عامّة الناس على الإنترنت العربيّ: نظرية التطور. ممَّا يؤسفني فعلاً أنَّني قرأت قبل قليلٍ مقالاً من إحدى أكثر قنوات الأخبار العربيَّة شهرةً وسمعة، يكرّس نفسه بأسلوبٍ غير مهني وبتدليس علميٍّ سافرٍ لإيهام القرَّاء بأنَّ نظرية التطور نظرية مرفوضة علمياً، وأنَّها الآن تلفظ أنفاسها الأخيرة في المجتمع العلميّ. لم تكن المرة الأولى ولا الأخيرة بلحقيقة، ففي الكثير من المرَّات التي تحدُّثتُ فيها إلى أحدهم عن نظرية التطور، كنتُ أراه متفاجئاً بأنَّه لا زال هناك “علماءٌ يتحدثون عن النظرية”، فقد نجح المتؤوّلون على العلم في عالمنا العربي فعلاً بإقناع الناس بترَّهات عن “دحض” هذه النظرية في المُجتمع العلميّ، والتي باتت، في الواقع، مسلَّمة عند الأطفال الصغار في نصف دول العالم.

إن مقدار الكذب والتدليس الذي تمارسه الصِّحافة العربية في هذا المجال غير عاديّ، فهي قادرة على عكس الحقائق عكساً تاماً عجيباً لا تدري كيف يحدث وكيف يُسوَّغ، وتجد أنَّ المبرُّر لهذا التدليس المخيف هو التمسُّك بمناهج فكرية تقليديَّة يُدَّعى بأنَّ لها علاقة بالدين وأنها لأجل حماية الإسلام، بينما السَّبب الوحيد للاستماتة بالدّفاع عنها أنَّنا نرفض الاعتراف بخطئنا وتقبُّل العلم الحقيقيّ على حاله. عندما حصلتُ على أول فرصةٍ لي لأطَّلع على مراجع علميَّة أجنبيَّة مُحايدة قبل بضع سنوات، كنت أيضاً معتقداً أنَّ شريحة كبيرة على أقلّ تقديرٍ من العلماء يرفضون نظريَّة التطور الآن، وكانت فكرتي عن النظرية شديدة السطحيَّة، فكنتُ أنا نفسي ممَّن كرسوا نفسهم لمعارضتها والحثِّ على تفنيدها. لكن… بمرور الوقت، وبالاطلاع على المزيد من المصادر ومشاهدة المزيد من الوثائقيات، كلُّ ما كنتُ أراه هو علماء أحياءٍ في كلُّ مكانٍ يتحدثون عن التطور ويقفزون من فوقه بكلُّ بساطة وكأنَّهم وضعوه في مقام الحقيقة البديهية، التي لا تتطلَّب أدنى قدرٍ من المناقشة. في نهاية المطاف، بدأتُ أدرك أنَّه لم يعد هناك أصلاً أشخاصٌ يتعبون أنفسهم الآن بالطعن في النظرية، فقد أصبح التطور – في كلِّ بقعةٍ من العالم تقريباً إلا بلداننا العربيَّة وقلائل غيرها – جزءاً من الحقائق الأساسية المثبتة عن العالم، مثله تماماً مثل حقيقة كرويَّة الأرض ودورانها حول الشمس.

رسم بيانيٌّ جميل، يوضّح مقدار التناسب بين مستوى الدخل في كل بلد (وهو ما يرتبط أيضاً بمستوى التعليم والثقافة إلى حدٍّ كبير) ومعدّل الإيمان بنظرية التطور. تتَّسم معظم دول العالم الأول بمعدلات فوق 60%، بينما في أعلى الدول عالمياً – وهي إيرلندا – يؤمن نحو 90% من السكان بالنظرية. ثمَّة دولة وحيدة تشذُّ بشكل واضح إحصائياً عن القاعدة هُنا، هي الولايات المتحدة.

إذا ما أخذتَ بضع دقائق لتطّلع على هذا المقال الثريّ من ويكيبيديا عن الجدليَّة الدائرة حول نظرية التطور (وصدّقني أنه يسوى ألفاً من أيّ مقالٍ تافهٍ قد تصادفه على الإنترنت العربي، مهما كان اسم كاتبه برَّاقاً ومعروفاً في الأوساط العربية)، ستكتشف بقراءة السطور الأولى من هذا المقال حقيقة موثَّقة إحصائياً، هي أنَّ نحو 95% من العُلماء والأكاديميِّين أصبحوا يُسلِّمون الآن بنظريَّة التطور. في الحقيقة، لم يمرَّ عليَّ أثناء قراءاتي في السنين الماضية شخص غير مقتنعٍ بالنظريَّة طوال السنوات الماضية إلا من أوساط المسلمين، ويا ليت أحداً من هؤلاء كان من العلماء أو يفقه شيئاً في العلم ليعطينا رأياً صحيحاً عن هذه النظرية مبنياً على أساس علم البيولوجيا… لا على أهوائه الشخصيَّة عديمة القيمة.

سأوضّح لك في هذا المقال لماذا أجمع كلُّ علماء الأحياء في العالم على صحَّة التطور… لذا أرجو أن تقرأه بعناية وتركيز، وأن تحاول فتح عقلك ولو مبدئياً لإمكانية أن تكون هذه النظرية صحيحة. أرجو من كلِّ قلبي أن تحاول وزن الأفكار المطروحة أمامك بعقلك ومنطقك، لا بناءً على تصوُّراتك المسبقة التي وضعت في عقلك دون مبرّر منذ زمن، إذا قمتَ بذلك… فإنني سأقدّر تماماً رغبتك بالاقتناع من عدمه.

تشارلز دارون:

كانت زيارة دارون إلى جزء الغالاباغوس في شبابه (وهي جزرٌ منعزلة تتميَّز بالعديد من الحيوانات الاستثنائية، وأشهرها السلاحف العملاقة)، أحد أبرز الإلهامات التي أوحت له بنظرية التطور.

لا بُدَّ أنَّك سمعتَ كثيراً جداً باسم تشارلز دارون، فهو أشهر من نارٍ على علم. لعلَّك سمعتَ الناس غالباً يسخرون منه، يصفونه بالقرد أو شيءٍ كذلك، ويتخذون قصَّته مهزلةً يضحكون عليها. لكن، هل فكَّرت يوماً بأن تتوقَّف وتتساءل فعلاً… من يكون دارون؟ دعني أخبرك أنَّك للأسف، لا تعلم شيئاً عن دارون. دعني أيضاً أكن صريحاً بعض الشيء ومنصفاً في الآن ذاته، لأقول أنَّ كل من يسخر من دارون ويستهزئ به بهذا الأسلوب – الرَّائج جداً في بلادنا العربيَّة – هو إنسانٌ تافه جداً، لمُجرَّد لأنه سمح لنفسه بالتحدث بهذه الطريقة عن إنسانٍ قدَّم خدماتٍ جليلةً للعلم.

قبل كلِّ شيء… دعني أوضّح لك حقيقة يتجاهلها الكثير من المسلمين الذين يتحدثون عن التطور، أو يحاولون – عن علمٍ أو جهل – إغفالك عنها أو إيهامك عكسها الكليّ، وهي أن دارون كان عالماً. لقد كان تشارلز دارون مُنذ شبابه عالم طبيعة وأحياءٍ متفانياً، لقد كان رجلاً مثقَّفاً ومتعلِّماً واتَّبع منهجيَّة أكاديميَّة صارمةً في جميع أبحاثه وأعماله، وعلى رأسها نظرية التطور. كانت جميع طروحات دارون علميَّة بحتة، ومتركزةً على أدلَّة حسية جمعها بجهد كبير ليبني عليها استناجاته وفرضياته، وإنَّ إسهاماته في علم الأحياء كثيرة ومتنوّعة، فقد وصف العديد من أنواع الكائنات الحية وجمع عيّناتها وصنَّفها، في زمنٍ كانت معرفة الناس فيه عن الكائنات الحية بالمناطق النائية من العالم ضئيلةً جداً. لذلك أرجو أن تكنَّ الاحترام لهذا الرجل، فهو – سواءٌ أخطأ أم لا، وهو غالباً لم يخطئ – كان رجلاً مخلص النية عمل بأمانةٍ علميَّة وترك وراءه تراثاً أكاديمياً عظيماً، لم يترك ذرَّة منه مُعظم الذين يحاولون الاستهزاء بنظرياته.

على العموم، فكرة التطور في أصلها لم تبدأ بدارون، إنَّما كان هو محض مرحلةٍ من مراحل تطوُّرها، وكان الرجل الذي وضع مفهوم آلية عمل التطوُّر الذي يتفق عليه العلماء اليوم. تاريخياً، بدأت فكرة التطور في أشكالها الأولى بالظهور منذ عصر النَّهضة، حيث بدأ العلماء بمحاولة إيجاد تفسيراتٍ علميَّة لكيفيَّة نشوء الكون والحياة، لكن لم تكن هناك أفكارٌ واضحة كثيراً، بل مجرَّد افتراضات تقول بأنَّه من لا بد من وجود آلية علميَّة نشأت الحياة وفقاً لها، عوضاً عن أنها ظهرت من العدم. في مطلع القرن التاسع عشر، طُرِحَت للمرَّة الأولى فكرة التطور بشكلها الحديث، لكنَّ المفهوم وآلية العمل الدقيقة لم يكونا واضحين كثيراً، فقد طرحت النظرية بالبداية على أساس أنَّ التطور ناتجٌ عن صدفٍ عديدةٍ متلاحقة وأنواعٍ من الطفرات العشوائية في الكائنات الحية، لتجعلها تتغيَّر بالتدريج في شكلها وخواصِّها. هذه الفكرة البدائية التي طرحت في الأيام الأولى للنظرية، هي التي لا زال يحاول العديد من أعداء النظرية بين العرب أن يسوُّقوها على أنها التطور.

تشارلز دارون… الأب الروحي لنظريَّة التطور… والعدو اللدود للكثير من محاربي النظريَّة!

مع الوقت، بدأت أفكارٌ جديدةٌ وأكثر دقَّة بالظهور، مثل فكرة التكيُّف، وهي أنَّ أجساد الكائنات الحية تتكيَّف تدريجياً وتتغيَّر لتصبح أكثر انجساماً مع بيئتها، ومن ثمَّ ترث ذريَّتها هذا التغير، وعلى المدى الطويل، يبدأ النوع كلُّه بالتحول إلى نوعٍ مختلفٍ قليلاً، تعرف هذه الفكرة الآن باسم اللاماركية. بحلول منتصف القرن التاسع عشر، بدأ علم الأحافير بالتطور، وبدأ العلماء يستخرجون مستحاثات الكائنات القديمة كالديناصورات وغيرها بكميَّات ضخمة، ومع مرور الوقت، بدأت تتضِّح صورة تاريخ الحياة على الأرض: كيف بدأ كل شيءٍ بالبكتيريا، ثم ظهرت اللافقاريات، وبعدها الأسماك إلخ…. وهنا بدأ يلتفت نظر علماء الأحياء إلى أنَّ الحياة على الأرض لم تنشأ بعشوائيَّة أبداً: لقد انتقلت الأنواع الحيَّة انتقالاً بطيئاً جداً من شكلٍ لآخر، وكانت تحتاج دائماً مدَّة طويلة كثيراً للتطور إلى أيّ شكلٍ جديد ومختلفٍ بدرجةٍ عالية عن أشكالها السابقة. كان لانكشاف سجل الأحافير دورٌ بارز جداً في بدء تفكير العلماء بمسألة التطور، ومن بينهم الشاب تشارلز دارون.

في منتصف القرن التاسع عشر، نشر كتابٌ يطرح نظريَّة جديدة هي الأولى من نوعها لتفسير آلية التطور، كانت حتى وقتها الفكرة الأكثر نضجاً واكتمالاً حول كيف يمكن أن تحدث عمليَّة التطور بالضبط: كان الكتاب هو  أصل الأنواع. تأثر مؤلف الكتاب – دارون – كثيراً بأفكار من سبقوه من العلماء، خصوصاً النظريات المطروحة عن أسلوب تكيُّف الأنواع مع بيئتها للانسجام مع المحيط الذي تعيش فيه، والتنافس الشديد القائم بين الأنواع الحيَّة للبقاء، وأخيراً خرج بفكرته الأساسية: الانتقاء الطبيعيّ. تقوم فكرة هذه النظرية – كما قد يوحي اسمها – على أنَّ الطبيعة تنتقي الأنواع الحية الناجحة لتبقى، وتترك الأنواع الفاشلة لتنقرض. فمثلاً، إن كان هناك أسدٌ سليم معافى… وأسدٌ مريضٌ مصاب بمرض داء المثقبيات، فمن الطبيعيّ أن قدرة الأول على البقاء ستكون أعلى، لأنَّ مرض الآخر سيجعله ضعيفاً خائر القوى، ومن ثم سيعوقه عن الصيد وسيجعله يخسر أمام منافسيه في قيادة مجموعته من الأسود، لذلك سرعان ما سيموت، وسيساعد موته أكثر على بقاء الأسد الأول، لأنَّ منافسيه على الغذاء والتكاثر سيقلُّون. بهذا الأسلوب، لا تسمح الطبيعة إلا ببقاء الحيوانات والأنواع المستعدَّة للتكيُّف مع بيئتها بأسلوبٍ مناسب، أما إن فشل نوعٌ في هذا التكيف، فإنَّ الطبيعة ستقضي عليه وتقصيه من نزاع الحياة. لذلك نجد كل الحيوانات من حولنا مجهَّزة جداً للتعايش مع بيئتها، مخالب الأسود وأنيابها القويَّة وسرعة الفهد الهائلة بالعدو مثلاً هي تكيُّفات ساعدت هذه الحيوانات على البقاء بأن توفّر لها الصيد وبالتالي الغذاء الذي تحتاجه لتعيش.

لماذا نظريَّة التطور لا تواجه ثغراتٍ مميتة، وليست فيها مشكلة مع الدين كذلك؟

ليست محض مزحة سمجة، بل هناك الكثيرون ممَّن لا زالوا يؤمنون بأن الأرض مسطحة، وأيضاً الكثير ممَّن لا يؤمنون بالتطور..

بالطَّبع… كل نظريَّة لها مشاكلها، عليك أن تُدركَ أنه لا توجد تقريباً نظرية في العالم “مرضيٌّ عنها”. الحس النقدي هو جزءٌ طبيعي جداً من المنهج العلمي، ومن الطبيعي أنه عند ظهور أي نظرية جديدة، فسيكون هناك من سيؤيِّدها ومن سينقضها، وهذا جزءٌ جيُّد ومفيد لكي تتقدَّم العلوم بالأسلوب المناسب، إن كنتَ حريصاً جداً على تصيُّد من ينقض النظريات العلميَّة الثابتة والمجمع عليها، فيمكنكَ حتى أن تجد من ألَّف كتباً كاملةً لينقض حقيقة كرويَّة الأرض، ويدّعي أن الأرض مسطَّحة، لكن بطبيعة الحال فهذا رأي تافه لا يُلقَى له بال، فكم تعتقد أن من علماء وفيزيائيِّي عصرنا هذا لا زالوا يؤمنون أنَّ الأرض مسطحة؟ ليس رقماً يُذكَر بالتأكيد، فهذه الحقيقة الواضحة كان يعرفها حتى الفلكيون العرب والإغريق القدماء قبل ألفي سنة. هناك أيضاً من يريد تصيُّد آراءٍ معارضة للتطور، وهو بالتأكيد سيجد من يدعمه، لكنهم سيكونون دائماً علماءً قليلي القيمة والشأن وغير معروفين البتة، تماماً مثل أولئك الذين لا زالوا يدعون أن الأرض المسطحة. إن كنتَ تريد أن تكون منصفاً ومحايداً في بحثك، ابحث عن قوائم بعلماء الأحياء والطبيعة المشاهير، ثم اقرأ عن رأيهم واحداً واحداً بالتطور، ووقتها ستتضّح لك نظرة العلماء الحقيقية حيال هذه النظرية، عوضاً عن النظرة الساذجة التي يحاول الكثير من العرب تسويقها.

من الضروريّ أيضاً إيضاح أن نظرية التطور، مثلها مثل العديد من النظريات، لها ثغراتها (التي لستُ بصدد تعدادها واحدةً واحدة، فهناك الكثير من المسلمين الذين عملوا على ذلك بالفعل لحسن الحظ)، وإلا لما كنَّا أسميناها “نظرية”. مثلاً… لا زالت نظرية التطور، رُغم أنَّ هذا ليس من اختصاصها تحديداً ولكنَّه مرتبطٌ بفكرة النشأة العفويَّة للحياة، عاجزةً عن تقديم تفسير واضح لكيفية نشوء الخلية الحيَّة الأولى، هذه معضلة يعرفها جميع علماء الأحياء، ولست أخجل من الإقرار بها أو أهتم بإخفائها. الثغرات في النظريات العلمية هي جزءٌ طبيعي من تقدُّم العلم، نظرية النسبية لآينشتاين وميكانيكا الكم لماكس بلانك، اللَّتين بنيت عليهما نصف تكنولوجيا عالمنا الحديث، كلا هاتين النظريَّتين مليئتان بالثغرات، ولذلك باتت أكبر معضلةٍ في علم الفيزياء منذ قرنٍ كامل هي إيجاد بديلٍ لهما، يتمكَّن من سدّ ثغراتهما. مع ذلك، كانت نظرية آينشتاين هي الدليل الذي استعمله العلماء لصنع المفاعلات النوويَّة، وكان من المستحيل ظهور الطاقة النوويَّة بدون نظرية النسبية. السبب ببساطة بنجاح نظرية آينشتاين والسبب الذي يجعل التطور أيضاً نظرية ناجحةً رغم مشاكلها، هو أنَّه عند وجود ثغرات في نظرية علميَّة فإنَّ ذلك لا يعني بالضرورة أنها باطلة، بل أنها لا زالت ناقصة وفي طور التحسُّن والتغيُّر، وهي عمليَّة يُساعد على إتمامها كل المُجتمع العلمي. صحيحٌ أن نظرية التطور فيها ثغرات كثيرة، لكن وكما سترى في الفقرات التالية، فإنَّ لها دلائل وإثباتاتٍ كثيرة أيضاً، كما أنها حتى يومنا هذا التفسير المنطقي الوحيد الذي يوضّح لنا علمياً كيف يمكن أن تنشأ الحياة، لذلك فإن نظرية التطور لا زالت في مرحلة البناء والدراسة، ولا زالت فيها نقاط ضعف، لكنَّها بالإجمال… نظرية علميَّة واضحة ومثبتة، ويؤمن بها كلُّ علماء كوكبنا الآن تقريباً.

image-of-the-helix-nebula
إذا كانت نظرية الانفجار العظيم، التي تشرح كيفيَّة ولادة الكون، تُعتبر دليلاً على خلق الله بسبب توافقها مع آية: “أو لم يرَ الذين كفروا أنَّ السماء والأرض كانتا رتقاً ففتقانهما”، لماذا إذاً لا يُمكن اعتبار التطور مُجرَّد دليلٍ آخر على الخلق، كطريقة اختارها الله، لحكمة أو لأخرى، لبدء الحياة على الأرض؟

طبعاً… قد يبدو لك أنَّه من الأسهل بكثيرٍ من الخوض في هذه النقاشات الطويلة، أن نُلخِّص الأمر بكل بساطة: الله خلق الحيوانات! لكن، لماذا قد يكون هذا التلخيص مفيداً بأيّ شكل؟ ممَّا لا شكَّ فيه أنه من الأسهل تفسير كل ظواهر الطبيعة بهذا الأسلوب: الرياح تهبُّ من الجبال إلى السهول لأن الله يريد ذلك، والأقلام تسقط عندما نفلتها باتجاه الأرض لأنها مشيئة الله. لكن هذا ليس مفيداً على الإطلاق من وجهة نظرٍ علميَّة. يمكنك أن ترى أنَّ القوانين الفيزيائية التي لاحظناها في كوننا تجعل فهمنا للعالم أفضل بكثير، فعندما قمنا بحساباتٍ لسرعة سقوط القلم نحو الأرض، واكتشفنا تناسبها مع كتلة القلم وكتلة الأرض والمسافة بينهما، أدركنا أن هناك قواعد ثابتةً تُسيِّر الأشياء، فالكون لا يعمل بعشوائية. إذا كان الله قرَّر إيجاد قواعد ثابتةً تعمل وفقاً لها الجاذبية والمغناطيسية ومختلف الظواهر الفيزيائية، لماذا إذاً لا يكون بكلُّ بساطةٍ قد قرَّر أيضاً إيجاد التطوُّر؟ في وقتنا الحاليّ، نعرف جميعاً أن الكون ولد بعمليَّة نسمّيها الانفجار العظيم، المسلمون والمسيحيون والملحدون على حدّ سواء، يؤمنون جميعهم بهذه النظرية، التي تعطينا تفسيراً علمياً كاملاً لكيف خلق الكون. لماذا إذاً لا يمكن تفسير نشأة الحياة علمياً بنفس الأسلوب؟ ولماذا يجب أن يكون هناك تعارضٌ بين التطور والدين؟ ما المُشكلة في أن تكون الحياة نشأت عَرَضاً في الكون الذي خلقه الله؟

كيف حدث التطوُّر؟

لكي تفهم لماذا التطور هو حقيقة علمية مثبتة، ليس عليك أن تذهب إلى موقعٍ أخباري عربي أو جريدة محلية أو حتى كتابٍ لهارون يحيى وتسمعَ منه عن نظرية التطوُّر، لأنَّ هذه مراجع غير أكاديمية وغير مهنيَّة، ولا يمكن أن تعطيك إلا فكر ساذجة عن نظرية كبيرة ومعقَّدة. ما تقدّمه لك هذه الكتب والجرائد لا يختلف، في الحقيقة، عمَّا تعطيك إيَّاه وسيلة إعلامٍ غربية عندما تلخّص الأمَّة العربيَّة بتاريخها وحضارتها وواقعها بأنها “أمة من راكبي الجمال”، لا أعتقد أنَّك ستحبُّ ذلك الوصف بالتأكيد، فهو وصفٌ تافه لا ينقل شيئاً على الإطلاق من 4,000 عامٍ من تاريخ العرب الثري وثقافتهم وحضارتهم الفريدة. يفعل كتابنا الفذُّون الشيء ذاته تماماً، عندما يلخُّصون عملية التطور المعقَّدة بأنها مثلاً: “كائناتٌ تضجر من اليابسة فتقرر اختراع أجنحةٍ لتستطيع الطيران”. إذا كنتَ قد سمعتَ أوصافاً من هذا النوع طيلة حياتك، فمن الطبيعيّ أنك لن تؤمن بهذه النظريَّة التافهة التي توصف بهذا الشكل، لكن الأمر مختلفٌ كثيراً.

قبل كلُّ شيء، عليك أن تفهم جيداً أن التطور عمليَّة بطيئة…. بطيئة جداً. مجرَّد حدوث اختلافٍ صغير… كظهور نوعٍ أصغر حجماً من الذئاب، أو نوعٍ من النمور لديه أنيابٌ مختلفة الشكل عن أنياب النمور الأخرى، مجرَّد حدوث هذا التغير التافه هو عمليَّة قد تستغرق مليون عامٍ من الزَّمن. هل تعرف ما هي المليون العام؟ المليون عام تعادل 100 ضعف كلُّ التاريخ المسجَّل للجنس البشري على هذا الكوكب. سيستغرق الأمر مئات آلاف الأجيال من أحفادك وأحفادهم وأحفاد أحفادهم حتى يحدث أيُّ تغييرٍ من هذا النوع… أؤكّد لك أنَّه ليس بالأمر السَّهل أبداً.

المسار التطوري الذي يعتقد أن سلالة الأحصنة سلكته، بدءاً من حيواناتٍ صغيرة بحجم السناجب عاشت قبل 50 مليون عام، وحتى الأحصنة الحديثة التي نراها الآن. الأسماء العلميَّة لجميع الحيوانات واردةٌ إن كنتَ مهتماً بمراجعتها.

لتستوعب الأمر أكثر، دعنا نتحدَّث قليلاً عن تاريخ تطوُّر الحياة على الأرض. لقد ظهرت أولى الخلايا البدائيَّة على كوكبنا قبل 3,600 مليون سنة (3.6 مليار سنة)، أي بعد ولادة الأرض بمليار عام تقريباً. منذ ذلك الحين… عاشت هذه الكائنات وحيدة الخليَّة لثلاثة آلاف مليون سنة وحيدةً تماماً على الكرة الأرضية، لم يرافقها خلالها أيُّ شكلٍ آخر من أشكال الحياة على الإطلاق. وأخيراً… قبل 600 مليون سنة فقط (في آخر 18% من تاريخ الحياة على الأرض) ظهرت أولى الكائنات المعقَّدة… أولى الكائنات الحية الأكثر تطوُّراً من البكتيريا. ظهرت الأسماك، من جهةٍ أخرى، في آخر 14% من تاريخ الحياة، أما الزواحف (بما فيها الديناصورات) فظهرت في آخر 8% منه، ولم تأتي الثدييات والطيور إلا في آخر 5%، بينما جئنا نحن البشر، على أحسن تقدير، خلال آخر 0.07% من تاريخ الحياة كلّه.

يمكن لنظرةٍ سريعة على خطّ تطور الحياة أدناه أن تعطيك فكرةً عن الأمر. بالحقيقة، هناك أمرٌ آخر ستلاحظه عندما تنظر إلى هذه الصورة، وهو حقيقة أنَّ تطوَّر الحياة سلك مساراً خطياً تدريجياً جداً، ولم تحدث فيه أيُّ قفزات مفاجئة تُذكَر طوال 3,600 مليون سنةٍ من تاريخ الحياة على الأرض. فأولاً… ترى أن كل شيءٍ بدأ من البكتيريا، بكتيريا بدائيَّة جداً سكنت الأرض وعمرَّتها وحيدةً، دون أيِّ شكلٍ آخر من الحيوانات إلى جانبها، استمرَّت الحال هكذا لـ82% من تاريخ الحياة الأرضية. ثمَّ وبمرور الوقت… بدأت تظهر الحيوانات الأكثر تعقيداً، وكانت كلُّها تعيش في البحر، وظلَّت الحياة على الأرض مقتصرةً بالبحار لأكثر من 90% من كل الأزمنة التي وجدت فيها حياةٌ على كوكبنا. أما انتقال الحياة إلى الجوّ فقد أخذ 200 مليون سنةٍ أخرى، حيث أنَّ الطيران كان يحتاج تكيُّفاتٍ معقَّدة أخذ ظهورها وقتاً طويلاً. وأخيراً بدأت تظهر مجموعة الثدييات (بعد أن انقرضت العديد من أشكال الحيوانات الأخرى بما فيها الديناصورات، قبل 65 مليون سنة)، وتسارع تطوُّر الثدييات، وكان من بين أحدثها ظهوراً الرئيسيات العليا والإنسان. وإن لم يكن البشر آخر من تطور من الحيوانات على الإطلاق، فالتطور عمليَّة دائمةٌ لا تتوقَّف، ونحن على ما يبدو لسنا إلا جزءاً منها.

4047dc2f08c422a43c6430815243ead6_L
هكذا تطوَّرت الحياة على الأرض. بدءاً من البكتيريا، وصُعةداً إلى اللافقاريات والحشرات، ثُمَّ الأسماك والزواحف التي تبعتها الديناصورات، والتي انقرضت بفعل اصطدام كويكبٍ ضخمٍ بالأرض، لتظهر من بعدها الثديِّيات، وآخرها الإنسان.

الكثير من قليلي الخبرة يصوُّرون التطور بأسلوبٍ ساذجٍ جداً على أنَّه “رغبة ذاتية” من الكائن بالتغيُّر… لكنَّ الأمور لا تسير بهذه الطريقة. الأمر لا يسير بناءً على ما ترغب به، بل بناءً على ما تحتاجه، فهي عمليَّة شبه آليَّة خارجةٌ عن إدراك الكائن الحي، تماماً مثلما أنَّك لا تتحكَّم بالهضم الذي يحدث في أمعائك أو بالإفرازات التي يخرجها جسمك. لستَ أنت من تقرُّر كيف تريد أن تتطوَّر، بل جسدك البشري وقدرته على التكيف مع بيئته. يمكن ضرب مثالٍ واضحٍ جداً من عالمنا الحديث، ففي سنة 2003، ضربت أوروبا موجة حرّ لم تشهد القارَّة مثيلاً لها منذ العصور الوسطى، وكانت الحصيلة هي وفاة 70,000 شخص (يمكنك مراجعة الرَّقم على ويكيبيديا للتأكُّد). بلغت موجة الحر القاتلة هذه حوالي 40 درجة مئوية، وهو شيءٌ تعيشه الكثير من دول العالم العربيّ في كل صيف مُنذ زمنٍ بعيد، لكنَّنا لم نسمع يوماً بوفاة مثل هذا العدد المخيف من الناس نتيجة احترار الجو. السَّبب بكل بساطةٍ هو أنَّ أجساد سكان الشرق الأوسط معتادةٌ على الحرّ ومتكيِّفة معه، تماماً على عكس الأوروبيّين، الذين اعتادوا المناخ البارد، ممَّا يجعل قدرتهم على تحمُّل الحرارة منخفضةً جداً. لهذا السَّبب، فإن أدَّى الآن الاحتباس الحراري العالمي إلى ارتفاع حرارة أوروبا بشكلٍ دائم، فإنَّ جميع سكانها سيكونون مُجبَرين على التكيُّف مع المناخ الجديد كما تكيف العرب بمرور الزَّمن مع مناخ الصحراء الحار، أو أن يموتوا ويختفوا، وهذه هي بالتحديد العمليَّة التي نسمّيها الانتقاء الطبيعي، فإن لم يكن الكائن الحيّ قادراً على التعايش مع ظروف بيئته، فإنَّه بكلُّ بساطة سيختفي. هذه العمليَّة هي التي تصنعُ، مع مرور الزمن، تكيُّفاتٍ استثنائية وغريبة جداً في بعض الكائنات الحية لتستطيع الانسجام مع بيئتها (كسنام الجمل مثلاً)، تكيُّفات من النَّوع الذي يعتبره البعض – لسببٍ ما – دليلاً على عدم صحَّة التطور.

توزيع البشر الأرض على الأرض بحسب لون بشرتهم، يعبّر اللون الأصفر عن البشرة البيضاء والبني عن السوداء. ألا تلاحظ التناسب المدهش بين الظروف المناخية ولون البشرة؟ السَّبب هو أنَّ لون البشرة في الإنسان يتكيَّف مع كميَّة الأشعة فوق البنفسجية التي يتلقَّاها جسمك.

إن أردتَ توضيحاً صارخاً لكيفيَّة تكيُّف البشر مع بيئتهم، ألقي فقط نظرةً على ألوان بشرة الناس، وستجد تناسباً صادماً بين لون البشرة ومتوسّط درجة الحرارة في كلُّ بلدٍ من بلدان العالم، بحيث أنَّه يصعب أن يكون صدفة*. تأمَّل للحظاتٍ فقط، كل المناطق الشمالية الباردة، بما فيها أوروبا وروسيا والشرق الأقصى في اليابان والصين – حيث البيئة جبليَّة ومرتفعة – تجد الناس بيض البشرة تماماً، حتى في العالم العربي، سكان المناطق المرتفعة والجبليَّة كبلاد الشام بيض البشرة بصورةٍ عامة، لكن ما إن تبدأ بالنزول قليلاً إلى الأماكن الأكثر سخونة، كأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا (مناخ استوائي) والهند والبلاد العربيَّة (مناخ مداري) ستجد أن الجميع أصبحوا سمر البشرة. ثمَّ وبالنزول إلى أفريقيا وأدنى أمريكا اللاتينية… ستصبح ألوان البشرة سوداء فاحمة. تغيُّرات لون البشرة هذه هي جزءٌ من عملية تكيُّف للتحكم بامتصاص الأشعة فوق البنفسجية، وكمية إنتاج فيتامين د الضروريّ لجسم الإنسان، يمكن لمقالة ويكيبيديا الممتازة أن تعطيك تفاصيل كثيرةً عن الموضوع. تأثَّرت هذه الظواهر قليلاً باختلاط البشر وعوامل الوراثة، فالكثير مثلاً من سكان أمريكا اللاتينية الآن بيض البشرة لأنَّ لهم أصولاً إسبانية، والإسبان ذوو بشرةٍ بيضاء، لكن بشكلٍ عام، لا زلتَ تجد سكان معظم الأقاليم الجغرافية على الأرض محافظين بدرجةٍ كبيرة على هيئتهم الأصلية.

توزيع الكائنات الحية:

تطوَّرت هذه الحيوانات الغريبة على قارَّة أستراليا أثناء انعزالها الجغرافي الطويل عن باقي القارات، القائم منذ أكثر من 170 مليون عام. لذلك السَّبب، لم تحصل الكناغر على الفرصة للانتقال إلى قارات أخرى، وبالتالي فهي لا تعيش الآن إلا في أستراليا. لو كان قُدِّر لأستراليا أن تتَّصل بآسيا… لعلَّك كنتَ سترى الكناغر تعدو في سهول جزيرة العرب!

هل توقَّفت يوماً وفكَّرت بالطريقة التي تتوزَّع فيها الحيوانات على الأرض؟ إنَّها ليست عشوائية، فلا وجود للعشوائية أو الصُّدف بمكان. فكِّر مثلاً بأستراليا، لا بُدَّ أنك سمعتَ قليلاً عن حيوانات أستراليا، فهي قارة مشهورةٌ بأنَّها تعجُّ بأنواعٍ كثيرةٍ من الحيوانات الغريبة والمدهشة، مثل الكنغر والكوالا والشيطان التسماني والكثير غيرها، كلُّها حيواناتٌ فريدة جداً في الشكل والنوع، لم نرى أيَّ مثيلٍ لها في بقعةٍ أخرى على الأرض. لكن لماذا لا يوجد مثيل لها في أيّ مكانٍ آخر؟ انظر مثلاً إلى النمور والأسود، مع أنَّها انقرضت الآن – والفضل يعود للبشر – بالكثير من أنحاء العالم، لكنَّها كانت تنتشر قبل ألفٍ أو ألفي سنةٍ فقط في كل أنحاء العالم القديم بقارَّاته الثلاثة، من السهول المتجمّدة في روسيا إلى أدغال الهند وصحارى الجزيرة العربيَّة وجبال أوروبا وبراري أفريقيا… كلُّ هذه الأقاليم الجغرافية شديدة التنوُّع، كانت فيها أسود ونمور وذئاب وحيواناتٌ كثيرة أخرى. منطقياً، لا بُدَّ أن هناك سبباً يسمح بوجود النمور والأسود في كلُّ هذه الأقاليم، بينما فشلت الكناغر والكوالا بالتواجد في أيّ بقعةٍ خارج حدود أستراليا الضيّقة.

كما ترى… كانت النمور في الماضي تعيش بأنحاءٍ مختلفة ومتنوّعة جداً من العالم القديم، بينما لا تجد أياً منها في الأمريكيتين أو أستراليا أو الجزر الاستوائية البعيدة… وذلك لأنَّها تطورت في وقتٍ متأخر، لم تكن هناك فيه جسور جغرافية بين العالمين القديم والجديد. تشبه هذه الخريطة كثيراً خرائط توزيع الأسود والفهود.

السبب بسيطٌ جداً…. ومنطقّي جداً، ولا أعتقد أن منطقيَّته تحتاج إلى الكثير من المناقشة. كانت أستراليا في الماضي السَّحيق متّحدة مع كل القارات الأخرى تقريباً بكتلةٍ عملاقة من اليابسة تدعى قارَّة بانجيا، ثم انقسمت القارة العظيمة إلى شطرين، فذهبت أستراليا مع الشّطر الجنوبيّ المعروف باسم غوندوانا، لكن وقبل نحو 180 مليون سنةٍ من الآن (في منتصف “عصر الديناصورات” كما يمكن أن نسمّيه تسهيلاً) انفصلت أستراليا عن جميع القارّات الأخرى، ومنذ ذلك الحين ولنحو مئتي مليون سنة وأستراليا تهيم وحدها، منعزلةً تماماً بحاجزٍ بحريٍّ عرضه آلاف الكيلومترات عن أيَّة قارة أخرى. بطبيعة الحال، كان من المستحيل على أيّ كائناتٍ حيَّة عُبور هذا الحاجز، سواء للقدوم إلى أستراليا أو الخروج منها. كانت النتيجة الطبيعية هي أنَّ الحيوانات قضت مئتي مليون عامٍ وهي تتطوَّر في أستراليا بأسلوبٍ مختلفٍ تماماً عن تطوُّرها في أيَّة قارَّة أخرى، فظهرت حيوانات فريدة وغريبة خاصَّة بهذه القارة، ولم تستطع هذه “المنتجات الأسترالية” أن تُصدًّر إلى القارات الأخرى، كما لم تستطع أستراليا استيراد الحيوانات الفريدة من القارات الأخرى، لذلك، وبشكلٍ طبيعيّ ومنطقيّ جداً، لا يمكنك أن ترى أيَّة نمور أو أسود الآن في أستراليا، كما لا يمكنك بالتأكيد رؤية أي كناغر أو كوالا في شبه الجزيرة العربيَّة.

في كل أنحاء الكرة الأرضية.. لا يعيش حيوان الليمور إلا على هذه الجزيرة المنعزلة قبالة سواحل أفريقيا.

يمكنك إن كنتَ مهتماً بالتفاصيل، أن تفتح على ويكيبيديا مقالة أيّ حيوانٍ عشوائي (الليامير مثالاً) وتقرأ فقرة التاريخ التطوريّ أو Evolutionary History وستجد تفسيراً كاملاً مفصَّلاً للمسيرة التطورية التي خاضها هذا الحيوان، منذ انفصل عن أسلافه وحتى وصل شكله وتوزيعه الحاليَّين. في حالة حيوانات الليمور مثلاً، ستجد بإلقاء نظرةٍ خاطفة جداً على الخريطة المجاورة أن هذه الكائنات الغريبة – على كثرة أنواعها التي تتجاوز المائة نوعٍ مختلف – لا توجد في الكرة الأرضية بأكملها إلا بمكانٍ واحد، هو جزيرة مدغشقر، وذلك بطبيعة الحال لأنَّ هذه الجزيرة معزولةٌ تماماً عن العالم منذ 70 مليون سنة، كانت طوالها مفصولةً عن الساحل الأفريقيّ بمسافة 500 كيلومتر.

تطوَّرت طيور الدودو ونشأت للمرَّة الأولى على جزيرة منعزلةٍ في المحيط الهندي تدعى موريشيوس، لأنَّ هذه الجزيرة مُحَاطةٌ بحواجز مائية من كل الجهات، لم تحصل هذه الطيور على أيّ فرصةٍ للانتقال إلى أماكن أخرى. لذا بمجرّد أن استقدم الأوروبيون الحيوانات المفترسة إلى الجزيرة، اختفت هذه الطيور من على وجه كوكبنا إلى الأبد.

كنتيجةٍ طبيعيَّة لظاهرة في الكائنات الحية، يمكننا الآن أن نفهم أن أيَّ حيوانٍ يترك وحيداً في إقليمٍ جغرافيّ منعزلٍ لفترةٍ من الزَّمن سيبدأ بالتغير والتحول إلى كائنٍ جديد، ومع مرور الوقت، سيزيد اختلافه عن أسلافه القدامى، لأنَّ أسلافه يتطورون بطريقتهم… وهو يتطور بطريقته الخاصة، وكلما مضى الوقت ستزداد الفجوة بينهم. دعنى أعطي مثالاً أخيراً بالجزر الاستوائية النائية، فالجزر الاستوائية تعجُّ دوماً بأنواعٍ فريدة وغريبة جداً من الكائنات الحيَّة لا تجدها في أيّ مكانٍ آخر، لأن بعض هذه الجزر – وليس كلُّها – كانت منعزلةً عن العالم انعزالاً تاماً لملايين السِّنين. لا بُدَّ وأنَّك سمعتَ يوماً بقصَّة طائر الدودو، وهي إحدى أشهر قصص الانقراض في العصر الحديث، فقد عاشت هذه الطيور البدينة التي لا تستطيع الطيران بسلامٍ في جزيرة موريشيوس قبالة السواحل الأفريقية  لملايين السِّنين، وبطبيعة الحال ولعدم وجود أي مفترسين طبيعيّين لها في موطنها، فقد فقدت قدرتها على الطيران، وهو تكيُّف كثيراً ما نراه في الطبيعة (لا تستطيع غزلان أفريقيا العدو بسرعة 50 كيلومتراً في الساعة بمحض صدفةٍ عجيبة، إنَّما هو تكيُّف مع البيئة التي تعيش فيها هذه الغزلان المملوءة بالحيوانات المفترسة من أسودٍ وفهودٍ وغيرها، لو عاشت الغزلان على جزيرة استوائية، لكانت فقد قدرتها على العدو السَّريع تدريجياً!). لكن، عندما وصل الهولنديون إلى الجزيرة “لاستكشافها” في سنة 1598، قدموا معهم بكلابٍ مفترسةٍ وقرودٍ وقططٍ كانت قادرة على قتل هذه الطيور بكلُّ سهولة. شوهد آخر طائر دودو على قيد الحياة في سنة 1662، منذ ذلك الحين، اختفت هذه الطيور من على وجه كوكبنا للأبد، لأنَّ بيئتها تعرَّضت لتغيرات حادةً لم تمتلك الوقت لتتكيَّف معها وتتطوَّر وفقاً لها.

أمثلة حيَّة على التطور:

الكلاب مع أسلافها!

من الحجج التافهة ضد التطور التي قد تعتاد سماعها: “آتوني بأحفورةٍ واحدة تظهر الانتقال من السمكة إلى العصفور!”، إنَّ هذه الحجة غريبةٌ قليلاً لأنَّ هناك بالفعل آلاف الأحافير التي تظهر تدرُّجاتٍ عالية جداً بانتقال الكائنات الحية من شكلٍ لآخر، الماموث مثلاً هو شكلٌ بدائي من أشكال الفيل، أو لماذا باعتقادك يشبه هذا الحيوانان بعضهما لهذه الدرجة؟ ليست صدفة بالتأكيد. على أيَّة حال وبما أنَّ الحصول على أحفورة كائنٍ قديم يتطلَّب اجتماع ظواهر وعوامل استثنائية كثيرة متتالية لتكوُّن الأحفورة، كما أنَّ معظم الأحافير تُدمَّر عند مرحلةٍ ما نتيجة ظواهر التغير الجيولوجي كالحتّ والبراكين والزلازل وغيرها… لذا فمن الطبيعيّ أن هناك أجزاءً عديدةً من تاريخ الحياة على الأرض فقدت للأبد، وهناك أجزاء كثيرة أخرى لن نعثر عليها حتى مضيّ وقتٍ طويل وبصعوبة كبيرة. لهذه الأسباب لن تجد أبداً سجلاً أحفورياً يظهر تاريخ كائنٍ حي بكلّ مراحله الدقيقة، لكنك ستجد بالتأكيد ما يكفي لتشكيل فكرةٍ عامة عن تطور الحياة، وإن الخط الزمني للحياة على الأرض لدليلٌ كافٍ!

مع ذلك، سيكون من الأكثر إقناعاً بالتأكيد أن نرى أمثلةً حيَّة على كيف يمكن للكائن الحيّ أن يتغيَّر، عوضاً من أن نبحث عن مستحاثات كائنات عاشت منذ ملايين السِّنين. لنضرب مثالاً بالكلاب! هناك حقيقة مثيرة للاهتمام قبل الحديث عن الكلاب، يؤمن بها الآن معظم علماء الأحياء، وهي أنَّ الكلاب بالأصل محض سلالة من الذئاب، لكن بعد أن روَّضها البشر واستئنسوها قبل عشرات آلاف السنين، بدأت تدريجياً بفقدان تكيفاتها التي اكتسبتها للعيش بالطبيعة، فحاجة الكلاب للاعتماد على نفسها في الصَّيد مثلاً أصبحت أقل، لأن البشر دوماً في جانبها لمساعدتها، بل وفي عصرنا الحديث أصبحوا هم يتولُّون إطعامها وتغذيتها بالكامل تقريباً، ولذلك أصبحت فكوكها ومخالبها أضعف، لأنها لم تعد ضروريَّة كثيراً. قد تبدو نظريَّة غريبة، لكنَّها بالواقع باتت مثبتةٌ بدراسات الحمض النوويّ.

82a5f3de-961b-4dab-8bc9-e226f63a5d8d_560_420
ظهرت جميع هذه الأنواع والسُّلالات تقريباً خلال القرون الأخيرة، على أيدي البشر وتجاربهم في التهجين.

بدأ البشر منذ 30 ألف سنةٍ بتهجين الكلاب وخلط سلالاتها معاً لإبراز الصفات التي يرغبون بها، ولتعديل مظهر هذه الكلاب أو خواصِّها بحيث تناسب ما يريدون. جميع أنواع الكلاب التي تراها اليوم تقريباً، بكلُّ أشكالها الغريبة والعجيبة المتعدّدة، هي نتاج هذا التهجين الذي قام به البشر، أو الانتقاء الصناعيّ كما يُسمَّى علمياً… والقليل جداً من أنواع الكلاب التي توجد على كوكبنا الآن ظهرت قبل عصر النهضة، أو حتى قبل القرنين الأخيرَين. تجربة الإنسان مع الكلاب هي مثالٌ حيٌّ على إمكانية تعديل الكائنات الحية وصناعة سلالاتٍ جديدةٍ منها علمياً، وإن تجارب التهجين هذه لهي إثباتٌ بالحقيقة على أنَّ سلالات الكائنات الحية لا تظهر من العدم، بل يمكنها أن تنشأ وتتغيَّر بوسائل أخرى، كالانتقاء الطبيعي (التطور العادي) أو الانتقاء الصناعي (على أيدي البشر).

لكن ولأنَّ فهمنا لتركيب أجساد الكائنات الحية شديدة التعقيد ولخواصّ علم الوراثة لا زال محدوداً، لذا فإنَّ الانتقاء الصناعي الذي نقوم به يخرج دائماً بنتائج رديئة، لا يمكن مقارنتها بالانتقاء الطبيعي. لقد تمكَّن الناس من صنع سلالاتٍ جديدة كثيرة من الكلاب توافق الأشكال التي يريدونها، والتي يعتبرونها جميلة أو تلاقي قبولاً أكبر من بين مشتري الحيوانات الأليفة، لكن ولأنَّ التهجين والانتقاء الصناعي اللَّذين قاموا بهما لم يحصلا بشكلٍ مدروسٍ كفاية… فقد كانت لهذه التعديلات تداعيات كارثية على صحَّة الكلاب. في الطبيعة، عندما تنشأ سلالة من الحيوانات فيها ضعفٌ معيَّن أو نقصٌ ما، فإنها سرعان ما ستختفي، لأن الطبيعة ستفرضها (انتقاءٌ طبيعيّ)، وستصبح ضحيَّة سهلةً لأعدائها المفترسين أو منافسيها الطبيعيّين على البيئة والغذاء. لكن، بالنسبة للكلاب التي هجَّنها البشر، فقد قاموا هم بأنفسهم على رعايتها وتغذيتها والاعتناء بها، بحيث أنَّها تمكنت من البقاء، رغم أنها لن تعيش إلا أياماً قليلةً في البرية.

What-Is-a-Wiener-Dog
صَنَعَ البشر هذه السُّلالة من الكلاب بالتهجين والانتقاء الصناعيّ، لكن وبسبب شكلها الطويل غير الطبيعيّ، فهي تُعاني من مساكل مزمنةٍ في عمودها فقريّ.

على سبيل المثال، تعاني سلالة كلاب البلودهاوند (وهي سلالة مهجَّنة تمتاز بأجفانٍ مترهّلة يعجب مظهرها بعض مقتني الكلاب) من التهاباتٍ وأمراضٍ مزمنة بالعينين، بسبب الشكل غير الطبيعي لأجفانها الناتج عن الانتقاء الصناعي. أما الكلاب الدالماتية، التي اعتقد مهجُّونها الأوائل أنَّها حمقاء لقلَّة استجابتها، فإنَّ 30% منها تولد صمَّاء. من جهةٍ أخرى، تعاني كلاب الداشهند – والتي يحبُّ أصحابها شكلها الطويل الغريب – بسبب طولها وحجمها غير الطبيعيَّن من مشاكل مزمنةٍ في العمود الفقري، ولذلك فإنَّ الحركة الكثيرة والقفز والوقوع قد تهدُّد بانكسار الأعمدة الفقرية لهذه الحيوانات، وتصاب ربعها تقريباً بأمراضٍ في الحبل الشوكي. أما سلالة التشيهواهوا، فإنَّها تصاب بسبب تقزُّمها غير العادي (وهي أصغر سلالات الكلاب في العالم) من مشاكل عديدةٍ في القلب والمفاصل. يمكنك أن ترى أمثلةً أخرى متعدّدة في مقالة رائعة لمبادرة الباحثين السوريّين عن هذا الموضوع.

خاتمة:

مع أنَّ هذه التجارب مجملها فاشلةٌ ونتجت عنها العديد من النتائج غير المحمودة، إلا أنَّها تثبت أنَّه بقدرٍ معيَّن من العلم، فإنَّ صنع سلالات جديدةٍ من الكائنات الحيَّة أمرٌ ممكن. ميزة هذه التجارب أنَّها سرَّعت عملية الانتقاء الطبيعي الأصليَّة، بحيث أثبتت لنا – لو بأسلوبٍ أقلَّ إتقاناً – أنَّ هذه الآلية يمكن أن تعمل بالفعل، وأنها بالحقيقة قادرةٌ فعلاً على صنع كائنات جديدة. فإذا كانت بضع مئات من السنين من تهجين البشر للكلاب كافيةً لصنع كلُّ أنواع الكلاب هذه، فليس من الغريب إذاً أن تكفي 500 مليون سنة لتطوُّر كل هذه الأنواع الفريدة والمدهشة من الكائنات الحيَّة على كوكبنا.

في نهاية الأمر… فإنَّه لا يوجد بديلٌ علميٌّ إلى يومنا هذا قادرٌ على أن يحلَّ محل نظريَّة التطور لتفسير نشأة الحياة، وبما أنَّ العلم قائمٌ على الإتيان بالنظريات المضادَّة والمكمِّلة لا النقض البحت، فإنَّه من الطبيعي أن تظل النظرية – مع أدلّتها الكثيرة – قائمةً شئنا أم أبينا، حتى مجيء ما يمكن أن يكمِّل نقصها أو يحلَّ محلَّها بشكلٍ أفضل بناءً على منهجيَّة علميَّة. على الأقلّ، إن كنَّا نحنُ – معشر العرب – مهتمّين جداً بالاستمرار بهوسنا في التنظير على التطوُّر وطرح أدلتنا المخضرمة التي تثبت فشله، فأقترح أن نعمل أولاً على الوصول إلى مرحلةٍ يمكننا أن نبني فيها علومنا ونظرياتنا الفيزيائية والكيميائية الخاصَّة التي يمكنها أن تنافس علوم الغرب، قبل أن نتباهى بتجاهلنا لنظرية آمن بها كلُّ علماء هذا الكوكب.

_______________

* الصدفة: ستجدني أتحدَّث في هذا المقال وأذكر عدَّة مرَّات عدم حدوث الصدف كحجَّة مع التطور. مع أنَّ معظم من يحاربون التطور يحاولون تصوير النظرية على أنَّها قائمةٌ على فكرة الصدفة والصدف، إلا أنَّ ذلك بالحقيقة غير صحيح بتاتاً. جوهر فكرة التطور، القائم على تفسير كيف تتحول الكائناتٌ الحيَّة من شكلٍ إلى آخر بأسلوبٍ طبيعي، مبني على أسسٍ علميَّة ومنهجية موضحة في هذا المقال، كالانتقاء الطبيعي والتكيف، وبالتالي فهو لا يعتمد على الصدفة بل على قواعد ثابتة. كما ترى.. جميع الأمثلة الحيَّة المذكورة في المقال تدعم ذلك، حيث أنَّ توزيع الكائنات الحية الجغرافي وتكيُّفها البيولوجي لا يتبعان الصدفة، بل يتبعان المبادئ العلمية لنظرية التطور.