مدينة لندن… مضيفة ويكيمانيا 2014!

لم أدرك عندما حفظتُ تعديلي الأول في ويكيبيديا العربيَّة بليلة مملَّة من ليالي الصيف قبل خمس سنوات، أنَّ هوايتي الجديدة هذه كانت ستغير حياتي تماماً. للوهلة الأولى، بدت فكرة «الموسوعة التي يمكن للجميع تحريرها» فكرة سخيفةً جداً، فلم أكن لأتوقَّع أن ينتج عن مثل هذه الفكرة إلا موقع تافه آخر مليءٌ بالقمامة والترهات التي تملئ المنتديات العربية، ولم أعد التفكير برأيي هذا في ويكيبيديا إلا بعد أن بهرتُ بالكمّ الهائل من المحتوى المعرفي المتوافر عليها. إلا أن الأمر لم يستغرق طويلاً بعد أن بدأت تجارب التعديل الأولى على صفحات ويكيبيديا حتى أدركت أنني قد عثرت على كنز حقيقي يجب أن تكون البشرية ممتنَّة جداً لحصولها على شيء مثله. رغم ذلك… لم أتوقع قطّ، أن عثوري على هذا الكنز قد يجرُّني آلاف الكيلومترات بعيداً عن بلدي، إلى مدينة مدهشة بحقّ لم أكن لأحلم بزيارتها، والأفضل من ذلك… لأقابل أشخاصاً عظيمين يعملون ليلاً ونهاراً بلا تعبٍ لنشر المعرفة دون أيّ مقابل.

كل سنة، يجتمع ما يربو على 700 ويكيبيدي – يقلُّون أو يزيدون – من جميع أنحاء العالم في مكانٍ واحد، ليناقشوا معاً سبل متابعة تطوير أكبر صرحٍ معرفي في تاريخ الإنسانية. يُدعَى هذا الحدث الرائع مؤتمر ويكيمانيا. حتى الآن، عقد مؤتمر ويكيمانيا لعشر مرَّاتٍ بدءاً من عام 2005، في مدنٍ من بينها فرانكفورت والإسكندرية وحيفا… وهذه السنة لندن! وقع الاختيار على مدينة لندن لتكون مضيفة الحدث الويكيبيديّ قبل عامٍ تقريباً، بعد منافسة حادَّة خاضتها مع مدينة أروشا تنزانيا لاستضافة المؤتمر. وأما المكان الذي اختير لإقامة ويكيمانيا فهو مجمَّع الباربيكان الشهير بمنطقة مدينة لندن القديمة، وهو عبارة عن مركز عملاق للفنون يُعنَى بالدرجة الأولى باستضافة المناسبات الثقافية الفنية، كالحفلات الموسيقية والعروض المسرحية ومعارض الفن، وهو يضمُّ كل شيء يمكن لك أن تريده… من مطاعم ومقاهٍ ومحلات ترفيهٍ وسينما وصالات لاستضافة كل أنواع المناسبات الثقافية والاجتماعية.

الهاكاثون:

زاوية من الهاكاثون بعد الافتتاح بوقتٍ قصير.

يتألَّف المؤتمر الرئيسي من ثلاثة أيام، تشتمل محاضراتٍ وجلسات مناقشةٍ وورشات عمل وتدريب عديدة، تتخصَّص كلها بشيءٍ واحد: ويكيبيديا. مع ذلك، جرت العادة على أن يسبق افتتاح المؤتمر يومان من حدثٍ مثير يُسمَّى الـHackathon : وهو دمجٌ لكلمتي Hack (وهو تعبيرٌ شائع عن صنع وتطوير البرامج التقنية الحاسوبية)، وAthon (وهي كلمة إنكليزية تعني إقامة حدثٍ جماعي). إذا حدث وأن دخلتَ ويكيمانيا أثناء إقامة الهاكاثون، سترى أمامك مشهداً غريباً: عوضاً عن ما قد تتوقَّعه عندما تسمع كلمة مؤتمر، ما ستراه أمامك هو عشرات الطاولات بكلّ مكان… يجلس على كلٍّ منها دزينة من مهووسي التقنية، وقد وضع كلٌّ أمامه حاسوباً وانهمك بعمله الخاصّ، كأنَّه لا يشعر بوجود أي شخصٍ حوله. كلُّ تواصلٍ بشري يحدث خلال هذين اليومين سيكون متعلّقاً بالبايثون أو الميدياويكي أو مختبر ويكيميديا.

لم يكن هناك شيءٌ مميَّز كثيراً حيال الهاكاثون هذا العام: أناسٌ في كلِّ مكانٍ يعملون. كانت الأنشطة العامة التي تقام خلال يومي الحدث التقني أقلَّ حتى ممَّا جرت العادة، فلم تكن هناك تقريباً أيَّة محاضرات، وانعدمت الورش، وبالكاد بضع لقاءاتٍ عامَّة. كان كلُّ ما يحدث هو الجلوس على الطاولات والدردشة والعمل والعمل والعمل…. بمجرَّد أن تكون لك بعض الخبرة في الويكي والبرمجة، فإنَّ هذا المكان سيكون أشبه بجنة على الأرض!

انشغل صديقي أسامة بإجراء بحثٍ مثير عن تأثير المساهمة في ويكيبيديا على مهارات المحررين الإملائية: هل تصبح الأخطاء الإملائية أقل تكراراً في مساهمات الويكيبيديين عندما يقضون وقتاً طويلاً على ويكيبيديا؟ نرجو طبعاً أن تكون الإجابة هي نعم! (يمكنك قراءة التفاصيل في مدوّنته). بالنسبة لي.. فللأسف لستُ من أكثر الناس مهارةً فيما يتعلق بالبرمجة، لذلك لجأتُ إلى مجموعات العمل الصغيرة التي تنشط في مهامّ أخرى. فقد تعرَّفت خلال المؤتمر على ويكيبيديَّين، أحدهما سويدي والآخر كندي (اسماهما كارل وجيمس) يعملان في مشروعٍ لترجمة المقالات الطبية وتطويرها بأكبر عددٍ ممكن من لغات ويكيبيديا.

جانبٌ من ملتقى المجتمع (Community village)، حيث تعرض فروع ويكيميديا بمختلف البلدان أنشطتها وأعمالها.

ما يقومان به بالدرجة الأولى هو إرسال المقالات الطبية المهمَّة إلى متطوعين متخصِّصين من مؤسَّسة Translators without Borders، فيقوم هؤلاء المتطوعون بترجمتها إلى لغاتهم الأم، ومن ثم نأخذ نحن هذه الترجمات ونعيد صياغتها وتنسيقها بأسلوب الويكي المناسب، ونضيفها إلى مقالات ويكيبيديا. كان كارل وجيمس يقومان بنفسيهما في السَّابق بتنسيق هذه الترجمات وإضافتها إلى ويكيبيديا بلغاتٍ كثيرة بينها العربية، إلا أنَّ عدم معرفتهما باللغة العربية جعل المهمة صعبة ومتطلِّبة للكثير من الوقت بالنسبة لهما، وهنا جاءا للعثور على مساعدة من الويكيبيديين العرب في ويكيمانيا. لم يكن هناك ما يكفي من الوقت لإنجاز الكثير، حيث إن المشروع ضخمٌ جداً، إلا أنَّنا قضينا بضع ساعات أنجزنا خلالها مقالاً طويلاً عن انفصام الشخصية، كما ساعدناهما بتصنيف وتوثيق حالة العديد من المقالات الطبية في ويكيبيديا العربيَّة.

امتاز مؤتمر هذا العام بوجود معلمٍ فريدٍ جميل جداً: الـCommunity village، أو كما يمكن ترجمة الاسم «ملتقى المجتمع» . مع أنَّ أشياءً مشابهة لهذا وجدت في السنوات الماضية، إلا أنَّها كانت تقام بصورةٍ محدودة ليوم أو يومين، أما هذه السنة، فقد تحول ملتقى المجتمع إلى موطنٍ حقيقي للويكيبيديين! هذا الشيء هو عبارةٌ عن معرض يقام في منتصف ساحة المؤتمر يتضمَّن جناحاً صغيراً خاصاً بكلِّ دولة من دول العالم، يمكن أن تعرض في هذه الأجنحة الإنجازات والمشاريع التي حقَّقها الويكيبيديون في كل بلدٍ من هذه البلاد خلال العام، أو من الممكن أن توزَّع على حضور ويكيميانيا عشرات الأغراض التي يزيِّنها شعار ويكيبيديا الجميل (من الأقلام والدبابيس إلى المعاطف الشتويَّة!)، أو من الممكن عقد اللقاءات والاجتماعات والتعارف والمناقشة بين الويكيبيديين من مختلف أنحاء العالم. إذا شعرتَ بالملل في أيّ وقتٍ من أنشطة المؤتمر، ما عليكَ إلا التوجُّه إلى هنا!

امتاز ملتقى المجتمع هذه السَّنة بوجود مقعدٍ عربي فيه للمرَّة الأولى، كانت صاحبته هي تونس. فمن المعتاد أن لا تشارك بهذا الحدث إلا الدول التي توجد بها منظَّمات ويكيبيديَّة لتمثّلها، ولم تكن هناك منظمات من هذا النوع في أية دولة عربية حتى نهاية مايو الماضي، عندما تأسست أخيراً «مجموعة مستخدمي ويكيميديا تونس» لتقدّم أول تمثيلٍ رسمي للعرب في ويكيبيديا. وعلى ما يبدو أنَّ الأمر لن يتوقف هنا، فهناك منظمات شبيهة قادمة قريباً على الأرجح في مصر والأردن وبعض الدول العربيَّة الأخرى. طوال المؤتمر، كان جناح تونس هذا هو ملجأ العرب ومكاناً لتجمُّعهم خلال الاستراحة من أنشطة ويكيمانيا.

المؤتمر يبدأ!

الصالة تمتلئ.

كانت قد جرت العادة على افتتاح المؤتمر في صباح اليوم الثالث (أي اليوم الأول من أيام المؤتمر الأساسي)، لكن ولسببٍ ما فقد تقرَّر عوضاً عن ذلك إقامة الافتتاح مساء اليوم الثاني من الهاكاثون هذا العام. امتلأت القاعة العملاقة – التي تَتّسع لقرابة 2,000 شخص! – بمئات الويكيبيديّين المتحمّسين، فما إن صعدَ مدير المؤتمر «إدوارد سابيرا» إلى الخشبة حتى ضجَّ المكان كله بتصفيق حار لا يتوقَّف، وطوال الدقائق الخمس الأولى من كلمته، لم يكن يكاد ينطق بجملةٍ حتى تبدأ موجات التصفيق من جديد. ألقى مدير المؤتمر بترحيبٍ عامٍّ للحضور بأسلوبٍ رسميّ، ثم تلاه «جون ديفز» مدير فرع مؤسسة ويكيميديا في بريطانيا، والذي تحدَّث بإسهابٍ أكثر وبشكل أقل رسميَّة ومتعة، ليحدّثنا عن بعض التفاصيل والصُّعوبات المثيرة للاهتمام التي واجهت تنظيم المؤتمر، وكمّ التحديات المخيف الذي اضطرَّ الفريق المنظِّم لمواجهته في سبيل إيصال المؤتمر بهذه الصُّورة (علماً بأن المنظمين هم جميعاً ودون استثناءٍ من المتطوعين). فعلى سبيل المثال، أخبرنا جون ديفز عن كميَّة المناقشات والقرارات التي كانوا بحاجةٍ لاتخاذها حيال مسألة تافهة جداً كالقمصان التي يرتديها المتطوعون في المؤتمر، والتي طبع عليها شعار ويكيمانيا: فأولاً، كم يجب أن يكون عدد هذه القمصان؟ ثم ماذا يجب أن يكون لونها؟ أيضاً… من أيّ بلد وشركة يجب أن يشتروها؟ وما هي المقاسات التي عليهم توفيرها؟ وما نوع المادَّة التي يجب أن يصنعوها منها؟ كان عليهم الإجابة على هذه الأسئلة كلِّها فقط لتصفية مسألة ثانوية وبسيطة جداً كالقمصان!

كان الدور الثالث في سلسلةٍ المحاضرين لمؤسِّس ويكيبيديا الشهير،  «جيمي ويلز». كانت التقاليد الويكيبيديَّة العتيقة لمؤتمر ويكيمانيا تفرض أن يتضمَّن خطاب الافتتاح لجيمي ويلز كلمته الشهيرة State of the Wiki (التي يتحدث فيها بإيجازٍ عن أهم التطورات الأخيرة الطارئة على ويكيبيديا والتقدُّم الذي حققته الموسوعة بلغاتها المختلفة)، لكن – لسببٍ أو لآخر – تأجَّلت هذه الكلمة إلى ختام المؤتمر، وعوضاً عن ذلك، اكتفى بإلقاء خطابٍ افتتاحي آخر غلبت عليه الرسمية، إلا أنَّه تضمَّن أيضاً بعض النقاط المهمَّة عن القيود القانونية التي بدأت تفرض على حرية المعرفة عموماً وعلى ويكيبيديا خصوصاً في الكثير من بلدان العالم.

ليلى تريكتوف – المديرة التنفيذية الجديدة لمؤسَّسة ويكيميديا – تتحدث للمرَّة الأولى إلى مجتمع ويكيبيديا.

كان من أهمّ أحداث افتتاح ويكيمانيا هذا العام هو تقديم مديرتنا التنفيذية الجديدة، «ليلى تريكتوف»، فمنذ استقالة جيمي ويلز عن منصب المدير التنفيذي بعد سنواتٍ قليلة من تأسيسه لويكيميديا، أصبحت الكندية سو غاردنر المديرة التنفيذية للمؤسسة، وتمكَّنت من إدارة المؤسسة بكفائة ممتازةٍ لأكثر من ست سنوات، حتى أعلنت عن استقالتها المؤسفة في شهر مارس من العام الماضي. منذ ذلك الحين ومؤسسة ويكيميديا تعمل بجهدٍ مضنٍ للعثور على شخصية جديدةٍ يمكنها شغل هذا المنصب الحسَّاس لحركة ويكيميديا بأسرها، وقد وقع أعلنَ رسمياً أخيراً قبل ثلاثة شهورٍ فحسب عن خليفة سو أخيراً: ليلى، خبيرة روسية في عالم البرمجيات الحاسوبية، وقد عملت لنحو خمسة عشر عاماً في هذا المجال، قبل أن تنضمَّ الآن إلى مؤسسة ويكيميديا.

للأسف ومع أنَّ لدى ليلى خبرةً واسعةً في عالم التقنية والبرمجيات وكذلك المعرفة الحرَّة، إلا أنَّها ليست على تلك المهارة فيما يتعلَّق بإلقاء الخطابات. لكنني لستُ ألومها كثيراً، فبطبيعة الحال لم يكن سياق الكلمة التي طُلِبَ منها إلقاؤها يحتمل إلا قول كلامٍ خطابي قليل الفائدة لحشو برنامج المؤتمر باسم المديرة التنفيذية الجديدة اللامع. استمرَّت كلمتها لنحو نصف ساعة، ركَّزت حديثها خلالها عن النجاح العظيم الذي حقَّقته ويكيبيديا أول انطلاقتها، والذي جعلها تنتهي بين أكثر خمس مواقع مشاهدةً على مستوى العالم، وكيف يمكن لنا أن نحافظ على هذا النجاح ونستمرَّ فيه، وكيف يمكننا أن نجد آليات جديدة وأفكاراً جديدة لجعل الموسوعة تلاحق تطور التقنية. بطبيعة الحال… كانت الكلمة مملوءة بما يمكن أن يشغل تفكير مديرة تنفيذية جديدة!

أخيراً، جاءت الكلمة الخامسة لضيف الشَّرف «ساليل شيتّي»، الأمين العام لمنظمة العدل الدولية المتمركزة ببريطانيا. مع أنَّ خطابه لم يكن عن الويكي تحديداً، إلا أنَّه كان متعلّقاً بالأساس بالدّفاع عن الحريات… حتى لو لم تكن حريات المعرفة التي نعمل بها عادةً في ويكيبيديا. تحدَّث ساليل عن التحديات التي تواجهها حقوق الإنسان في العديد من بلدان العالم بهذه اللحظة التي نقف فيها بقاعة المؤتمر ببريطانيا، ذكر العديد من الأماكن… من بينها غزَّة والجزائر ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى.

Open street map:

شعار OpenStreetMap

كان أحد المساقات الرئيسية الأولى لليوم الثاني هو مشروع «Open street map» (أو كما تُتَرجم خريطة الشارع المفتوحة)، وهو عملٌ رائع يجمع بين اثنين من اهتمامتي الكبيرة: الويكي والخرائط. هذا المشروع هو عبارةٌ عن قاعدة بيانات جغرافية للكرة الأرضية، تشبه كثيراً برنامج Google maps، لكن الفرق أنَّها مفتوحة المصدر… وقد صنعها بالكامل – ولا زال يصنعها – متطوعون عاديُّون! كان هذا اليوم يوماً مناسباً جداً للحديث عن المشروع من حيث الزمان والمكان، حيث أنَّ التاريخ – العاشر من أغسطس – يوافق ذكرى ميلاد Open street map للمرَّة الأولى قبل عشر سنواتٍ من الآن، بينما كنا نجلس في مدينة لندن، وهي المكان الذي ولد فيه المشروع أيضاً بذلك التاريخ.

تضمَّن الجدول محاضرتين رئيسيَّتين، كانت الأولى مقدّمة عامة عن المشروع وتاريخه لمن لا يعرفه، حيث كان أول من أطلق قاعدة البيانات هو رائد الأعمال «ستيف كوست»، بهدف تغطية بلده (المملكة المتحدة) بخرائط مجانية مفتوحة المصدر على الإنترنت. لكن سرعان ما بدأ المشروع بالتطوُّر والتوسُّع، ليستقطب آلاف المتطوعين من مختلف أنحاء العالم، وبدأ بالحصول على دعمٍ من جهات كبرى، حيث أعلنت شركة ياهو رسمياً سماحها لمتطوعي أوبن ستريت ماب باستعمال صورها الجوية كأساسٍ لتُبنَى عليه الخرائط مفتوحة المصدر. كما ذكر المحاضر بعض المسائل القانونيَّة التي واجهت المشروع، حيث أنَّه عند إطلاقه في أول الأمر كانوا قد قرَّروا ترخيص محتوياته برخصة كريتف كومنز (CC BY-SA)، وهو ذات الترخيص المستعمل حالياً لمقالات ويكيبيديا، حيث يتيح استعمال المادة وتعديلها وإعادة نشرها بحرية تامَّة وبأية طريقةٍ كانت بشرطٍ وحيد فقط: هو ذكر المؤلف الأصلي للمادة. لكن فيما بعد وجد القائمون على المشروع أنَّ أوبن ستريت ماب بالحقيقة مختلفٌ عن الموسوعة بدرجةٍ كبيرة… حيث أنَّه أقرب إلى قاعدة بيانات، وبالتالي يحتاج إلى ترخيصٍ مناسب أكثر لحالته هذه، فتقرَّر في عام 2012 تغيير الترخيص إلى ODbL المخصَّص لقواعد البيانات الحرَّة.

كانت المحاضرة التالية محاضرةً عمليَّة جداً، حيث ركَّزت على إعطاء شرحٍ تفصيلي لآلية عمل برنامج أوبن ستريت ماب، والكيفية التي يساهم فيها المتطوعون ببناء خرائطه وبياناته، وهي نقطةٌ لطالما كنت مهتماً بالتعرُّف عليها: كيف أمكن لمتطوعين أن يعدُّوا هذه الخرائط شديدة الدقَّة؟ ما يفعله المتطوعون هو أنَّهم يأخذون معهم ببساطةٍ أيّ جهاز فيه نظام GPS (يمكن لأي هاتف ذكي الآن أن يقوم بهذا الغرض) ثم يستعملونه لجمع البيانات والإحداثيات عن الموقع الذي يريدون صنع خريطةٍ له، حيث يجب أن تكون متواجداً في الموقع المطلوب إن أردتَ صنع خريطة له. وبعد ذلك… ستكون هذه البيانات كافية وحدها لتشكيل خريطة أوَّلية جيدة جداً، ومن ثمَّ فإن كل ما عليكَ فعله هو تعديل الخريطة ببرنامجٍ خاص لإضافة أي تفاصيل جغرافية مفقودة، ثم يمكنك إضافة الإشارات والعلامات التي توضّح المعالم المدنية والجغرافية التفصلية الموجودة في المنطقة. يمكن أن تؤدّي هذه العلامات وظائف شديدة التخصُّص، كأن توثّق – كمثالٍ عرضه علينا المحاضر – جميع الأمكنة المهيَّأة لذوي الاحتياجات الخاصة في مدينتك. لو تم تطبيق هذا التوثيق على خرائط جميع المدن العربيَّة، لأصبح لدينا مرجعٌ هائل يدلك على كل ما قد تجتاجه في مدينتك أو أي مدينةٍ تزورها.

مكتبة ويكيبيديا:

جيك يتحدَّث عن مكتبة ويكيبيديا، في إحدى محاضرات لجنة المنح بمؤسَّسة ويكيميديا.

تحدَّث جيك من مؤسسة ويكيميديا في هذه المحاضرة عن تاريخ وتطوُّر مشروع «مكتبة ويكيبيديا»، وهو عملٌ رائع يهدف للسماح لمحرّري وكتاب المقالات على ويكيبيديا بالوصول مجاناً إلى مصادر المعلومات المدفوعة، كالمجلات والدوريات العلمية الرَّصينة التي تكون اشتراكاتها غالية الثمن قليلاً. كنتُ مهتماً بطبيعة الحال بهذا المساق لأنَّني أعمل في هذا المشروع حالياً.  كانت بداية مشروع مكتبة ويكيبيديا في سنة 2010 بمجلة JSTOR التي وافقت على توفير 200 حسابٍ مجاني لمحرّرين مختارين من ويكيبيديا (أذكر أننا قدمنا وقتها أنا وأبو حمزة للحصول على وصولٍ إليها نيابة عن محرّري ويكيبيديا العربية، لكن كلينا رفضا). نشط المشروع كثيراً فيما بعد وحقَّق نجاحاً عالياً على ويكيبيديا الإنكليزية، ولذلك بدأ القائمون عليه بالتفكير بتوسعته ليشمل نسخاً أخرى من ويكيبيديا، ووقع  الاختيار على ويكيبيديا العربيَّة لتكون أول لغة جديدة تتمُّ تجربة المشروع فيها. بعد استفتاءٍ للرأي أعده جيك في ويكيبيديا العربية، أجمع أغلب محرّرينا على أنَّ أكثر ما يحتاجون إليه هو كتب ليستعملوها كمصادر بكتابة المقالات.

وهكذا أطلقت النسخة العربيَّة من مكتبة ويكيبيديا في شهر أبريل الماضي، لتتضمَّن للمرة الأولى إمكانية طلب كتب، حيث أنَّ النسخة الإنكليزية كانت مقتصرة على المجلات، بل وبالخصوص المجلات المتاحة على الإنترنت، وقد عينّا أنا والصديق محمد عودة لنكون مشرفين على المشروع في مرحلته الأولية. إلا أنَّ فكرة الكتب أثبتت أنها – على الأقل في حالة منطقة من العالم الثالث كالعالم العربي – غير عمليَّة، فقد واجهنا مشكلات عديدة جداً بشحن الكتب إلى من يطلبونها، وكان الوضع سيئاً إلى حدّ أن حوالي 70% من الكتب التي طلبها المحرّرون العرب لا يمكن شحنها إلى معظم بلدان العالم العربي. على العموم، لم يفصِّل جيك كثيراً بالحديث عن هذه النقطة لكي لا يعطي صورة سلبية عن المشروع P:

كان من المثير للاهتمام أيضاً أن المساق تناول حالة المشروع الناشئ في لغاتٍ أخرى ظهرت بعد العربية، وكنتُ مهتماً جداً بمعرفة كيف سارت الأمور في تلك اللغات. كانت أبرز نسخة إلى جانب الإنكليزية والعربية حالياً هي الصينية (كما كانت هناك نسخٌ جديدة لم يتم تفعيل العمل بها بعد، في الإسبانية والألمانية)، وقد تحدثتُ بعد انتهاء المحاضرة بإسهابٍ مع المشرف الرئيسي على النسخة الصينيَّة من المشروع – أديس – وأوضح لي بأنَّ مشروعهم يقتصر حالياً بالدرجة الأولى على قاعدة بيانات إلكترونية عملاقة للكتب الصينية، حيث أنَّ كل ما يفعلونه هو إعطاءٍ حسابات للمحرّرين المهتمِّين بقاعدة البيانات هذه، وقد وفَّر هذا عليهم الكثير من التعقيدات التنظيمية والإدارية بينما أعطى الويكيبيديين الصينيين كل ما يريدون. تحدَّثنا قليلاً عن المكتبة العربية والتحديات التي تواجهها فيما يتعلَّق بشحن الكتب، وقد اتفقنا في النهاية على أنَّ إرسال نسخٍ ورقية من الكتب إلى المحرين فكرة غير عملية، وأنَّه يجب قدر ما أمكن أن يقتصر المشروع على المنشورات الإلكترونية.

فروع ويكيميديا:

جانب من اجتماع لاتحاد فروع ويكيميديا في برلين سنة 2012.

حضرتُ تالياً محاضرة عن تاريخ التعاون بين الـChapters (فروع مؤسسة ويكيميديا في كل بلد من البلدان) والدروس التي يمكن تعلمها من ماضي هذا التعاون، والتي ألقاها ويكيبيدي هولندي يدعى زيكو كان ممَّن بذلوا جهوداً كبيرةً لإقامة مؤسسة تجمع فروع ويكيميديا معاً. كانت المحاضرة سرداً تاريخياً بالأساس، إلا أنَّها ثرية ومهمة لكل من يسعى لترسيخ تعاونٍ بين مؤسسات ويكيبيدية في بلدان مختلفة، كحالنا الآن في العالم العربي مع ظهور العديد من المنظمات الويكيبيدية الصَّاعدة، والتي يمكن أن تتحول بدورها إلى Chapters في يومٍ من الأيام. كانت المحاضرة بالأساس شرحاً لأحداث تأسيس وإعلان «اتحاد فروع ويكيميديا»، حيث بدأ الأمر بالأساس بفكرةٍ من ويكيبيدي هولندي لتأسيس اتحاد يجمع كل فروع ويكيميديا معاً وينسق جهودها لتطوير ويكيبيديا، ونجح بعد جهد كبير بجمع عدد كبير من ممثلي هذه الفروع في برلين ربيع عام 2012، حيث أجري اللقاء الأول للاتحاد، واتفق على إجراء لقاءٍ ثان في ويكيمانيا 2012 بواشنطن بعد ذلك ببضعة شهور، وهناك أعلن عن إطلاق الاتحاد رسمياً.

إلا أن الأمور استمرَّت بالتدهور شيئاً فشيئاً منذ ذلك الحين، إذ أن أياً من الفروع المشاركة بالاتحاد لم يكن يأخذ الأمر بجدية. أثناء مرحلة التأسيس، كان يحاول المؤسس الهولندي (زيكو) أن يجد من يعاونه على تنفيذ المهام الأولية، كتجهيز الوثائق القانونية وسياسات عضوية الاتحاد وغير ذلك، إلا أنَّه كان ينتهي به المطاف وحيداً في كل مرة، ولم تكن إدارات فروع ويكيميديا الأخرى متعاونة البتة، إذ لم تقدم على بذل أدنى مجهود لدعم الاتحاد أو مساعدته بالظهور. بل والأدهى من ذلك، استهترت فروع ويكيميديا بالمسألة كلها، إلى حدّ أن الممثلين عن نصف الفروع بالكاد كانوا يحضرون اجتماعات الاتحاد فعلياً. مع الوقت، أصبحت معظم الفروع تنظر إلى الاتحاد على أنه مشروع فاشل، وبدأت بعضها – كويكيميديا فرنسا – بالمطالبة بسحب عضويتها، وفقد الاتحاد كل دعمه تقريباً. في هذا الوقت… أصبح اتحاد فروع ويكيميديا محض مؤسسة ميتة، تلفظ آخر أنفاسها ببطء.

امتلأت الليلة السابقة – كغيرها – بالحفلات والموسيقى والأغاني البريطانية الجميلة، إضافةً إلى فقراتٍ كوميدية ببعض الروح الويكيبيدية، بل وزاوية ألعاب فيديو لمن يهمُّه الأمر!

قوارئ الويكي في أفريقيا:

أحد قوارئ الويكي، وهي أجهزةٌ إلكترونية صغيرة مصمَّمة لمن يريد قراءة ويكيبيديا دون إنترنت.

كان أول مساقٍ حضرته في اليوم الثالث والأخير من إعداد «إيسلين» وزوجها «فكتور غريغاس»، وهو رجل رائع يعمل في وظيفة شديدة الغرابة بمؤسَّسة ويكيميديا، اسمها الرسميّ راوي القصص (Storyteller)، فهو يقوم بالدرجة الأولى بتصوير أفلامٍ وفيديوهات قصيرة تتحدث عن الويكبيديين وحركة ويكيميديا. تعرَّف فكتور وإيسلين منذ نحو سنةٍ على أجهزة رائعة هي قوارئ الويكي، وهي قوارئ نصية إلكترونية بسيطة أطلقت للمرَّة الأولى عام 2009، لتوصيل موسوعة ويكيبيديا إلى من يريدها من دون الحاجة لاتصال الإنترنت، حيث يحتوي على كجهاز على شريحة SD عليها نسخةٌ كاملة من جميع مقالات ويكيبيديا. إلا أنَّ تسويق هذه الأجهزة ركَّز بالدرجة الأولى على البلدان المتطوّرة كأمريكا، حيث كانت الحاجة إليها صغيرةً جداً، ممَّا أدى إلى فشل المشروع ووضع الشركة على حافة الإفلاس.

صدمت إيسلين بعد محاولة تواصلها مع الشركة المصنِّعة بهذه الحال.، حيث أخبروها بأنَّ ما بقي لديهم هو 20,000 جهاز مرميَّة في مخزنٍ قديم بتايوان منذ سنوات، وأنهم بالتأكيد لا ينوون إنتاج المزيد. حصل فكتور وإيسلين على تمويل من مؤسَّسة ويكيميديا لشراء بضع مئات من الأجهزة، ووزَّعاها على ثلاث مدارس بمناطق فقيرة جداً في الهند والمكسيك وجنوب أفريقيا. كانت هناك بعض المشاكل التقنية التي واجهها المشروع، كمشكلة البطاريات، حيث أنَّ الشركة المصنِّعة ادَّعت أن البطاريات يمكنها العمل لمدة شهرٍ دون انقطاع، إلا أنَّ ما حدث في الواقع هو أن الطاقة كانت تنفذ باستمرارٍ خلال أيام معدودة من الاستعمال. بل وفي بعض الحالات… ماتت البطاريات تماماً بعد أسابيع من إعطاء الأجهزة للطلاب.

لكن من الجهة الأخرى، حقَّقت التجربة نجاحاً عظيماً، فقد استعمل الطلاب الأجهزة بكثرةٍ شديدة، وأصبحوا يراجعونها باستمرار للتعرف على المصطلحات والأمور الجديدة التي لم يسمعوا بها من قبل. وقد وجد ثلثا الطلاب أنَّ أداء واجبتهم المدرسية أصبح أسهل بكثيرٍ مع قوارئ الويكي. كما أنَّ الطلاب أخذوا بمشاركة الأجهزة مع عائلاتهم وأصدقائهم بعد أن سمح لهم – في معظم المدارس المشاركة – بأخذ الأجهزة إلى منازلهم.

الويكي تهوى البرلمانات:

كانت إحدى آخر المساقات التي حضرتها عن مشروع الويكي تهوى البرلمانات، ومع أنَّ الفكرة من هذا المشروع بسيطة وصغيرة المستوى، إلا أنَّها فكرة فريدة جداً وغير مسبوقة. ولدت الفكرة للمرَّة الأولى في ويكيبيديا الألمانية، ثم توسَّعت تدريجياً لتشمل العديد من اللغات الأوروبية، وهي تتمحور بالأساس حول مبادرةٍ غريبة للغاية: تصوير البرلمانات الأوروبية وأعضائها من الداخل ووضع صورهم على ويكيبيديا! حسب المحاضر، كان القائمون على المشروع في أوَّل الأمر متهيِّبين من فكرة طلب إذنٍ للدخول إلى البرلمان، حيث بدا أنه من المستحيل على مجموعة متطوعين بسيطين من موسوعة ويكيبيديا أن يحصلوا على إذنٍ لدخول مؤسَّسة بهذه الحساسية. لكن في حقيقة الأمر، ما إن بادر البعض بالذهاب وتوضيح طبيعة عملهم في ويكيبيديا وهدفهم من المشروع، فوجئوا بأنَّهم أخذوا إذناً لدخول البرلمان بكلِّ سهولةٍ ويُسر. في شهر فبراير الماضي، قرَّر منظّمو الويكي تهوى البرلمانات الانتقال إلى مرحلةٍ جديدة في مشروعهم، حيث سعوا للحصول على إذنٍ بدخول برلمان الاتحاد الأوروبي ذاته، ونجحوا بالحصول على الإذن بالفعل، فأرسلوا على عجلٍ إلى جميع فروع ويكيميديا الأوروبيَّة يطلبون ممثلّين عنها ومتطوعين للمشاركة. أقام نحو 50 متطوعاً في مدينة ستراسبورغ الفرنسيَّة، قابلوا خلالهما مئات أعضاء البرلمان الأوروبي وأضافوا صوراً ومعلومات عنهم إلى مقالات ويكيبيديا: انتهى المشروع بحصيلة أكثر من 2,000 صورة و200 مقطع فيديو رفعت إلى ويكيميديا كومنز.

اللقاء العربيّ:

صورة ويكيمانيا الجماعية للويكيبيديّين العرب!

مع أنَّ اللقاءات كانت حاضرةً وبكثافة طوال فترة المؤتمر بين الحضور العرب، إلا أنَّنا كنا قد اتفقنا على إجراء لقاء رسميّ في مساء 9 أغسطس، ثاني أيام المؤتمر. وصف أسامة تفاصيل الاجتماع بشكل جيّد في مدوّنته، لذلك سأكتفي بالإدلاء بإيجازٍ عن انطباعي الشخصي، وهو سلبيٌّ بعض الشيء.

لا أعتبر أنَّ اللقاء بالإجمال كان ناجحاً جداً، لأسباب عدة. كانت هناك الكثير من إضاعة الوقت والتشعُّبات في مناقشة نقاط فرعية غير مهمَّة، وكانت معظم وجهات النظر المطروحة تركز على نقاطٍ دقيقة بعينها بدلاً من القرارات العامة التي من المهمّ فعلاً اتخاذها. ومع أنَّ أسامة حاول – لهذا الغرض على ما أعتقد – وضع محاور رئيسية للنقاش، إلا أنَّه في كل مرة ما إن يبدأ الناس بالحديث حتى نخرج عن النقطة الأصلية وندخل في مجادلةٍ مطولة عن موضوع يكاد لا يكون مرتبطاً بتاتاً بما بدأنا به. ومن السيء أن اللقاء قد قُطِعَ قطعاً عندما أبدت إحدى المشاركات حاجتها للذهاب، فقرَّرنا أن نتوقَّف قليلاً للالتقاط صورة جماعية قبل ذهابها، لكن ما إن انتهت الصورة حتى تفرَّق الناس ولم يهتمَّ أحدٌ بالعودة لمناقشة ما لم يتمَّ تقريره.

على العموم ومع أن انطباعي ليس جيداً كثيراً، لكن كانت هناك بعض النقاط الإجابية. فإجراء تواصلٍ وتنسيقٍ بحدّ ذاته بين الويكيبيديين العرب هو خطوة نحو الأمام، كما أنَّنا تمكنا من إيضاح نقاطٍ مهمة والاتفاق عليها، كالعلاقة بين المؤسسات الويكيبيدية في كل دولةٍ عربية والمؤسسة الموحدة للعرب التي نريد تأسيسها، فقد أجمعنا على أنَّه ما من تعارضٍ بين وجود الاثنين، وأنَّ من حق كل دولةٍ أن تكون لها مؤسستها، بينما ستكون المؤسسة العربية مظلَّة تدعم وتساعد جميع هذه الدول. كما وقد حصلنا على بعض المتطوعين لتشكيل مجموعات عملٍ لتقود هذا المشروع إلى الأمام، على أمل أن تقوم هذه المجموعات بشيءٍ ما مستقبلاً!

ختام المؤتمر:

قبل موعد الختام بساعتين، خطرت للزميل أسامة فكرة مذهلة: لم لا نذهب لزيارة قبر كارل ماركس؟ مع أنَّني صدمت بتوجهاته الفكرية الفاسدة واهتمامه بزيارة قبور مثل هؤلاء الأشخاص، إلا أنَّ كل جدول المحاضرات المتبقّية كان ممللاً، فقرَّرت الذهاب معه P: وكانت النتيجة أنَّنا فوتنا الصورة الجماعية السنويَّة لويكيمانيا… والأرجح أنه كان عقاباً إلهياً لما اقترفناه، والله أعلم. يمكنك أن ترى هذه الصورة الجميلة بالأسفل، لكنَّك – للأسف – لن تجدني فيها، حتى لو كانت لديك عدسة مكبّرة قويَّة.

كان ختام المؤتمر من جزئين: كلمة جيمي ويلز المعتادة عن حالة الويكي، وخطابٌ مطوَّل للمدير التنفيذية الجديدة – ليلى تريكتوف – بعد كلمتها السريعة في الافتتاح. والحقيقة أنَّني ذكرت تفاصيل كلا كلمتيها ضمن فقرة الافتتاح، لأنّي لم أعد أذكر ما جاء في كلّ منهما! أما جيمي ويلز فقد تحدَّث بإسهابٍ طويل، وقد فقدتُ التركيز في كلمته عدة مرَّات بواقع الأمر، لكنه بشكلٍ عام كان يتحدث عن تركيب مجتمع ويكيبيديا، وعن المحررين السيئين مثيري المشاكل في المجتمع، وكيف يجب علينا تجاهلهم وبناء علاقة متناغمة وودية بين أعضاء المجتمع الويكيبيديّ.

في العادة، كان يجب أن تتضمَّن كلمة حالة الويكي جزءاً يطلب منه جيمي ويلز من جميع الحضور الوقوف، ثم يقول: “فليجلس كل من لم يحضر أي مؤتمر ويكيمانيا قبل هذا”، ثم “فليجلس كل من لم يحضر أكثر من مؤتمر ويكيمانيا واحدٍ قبل هذا”، ويستمرُّ بذلك حتى ينتهي الأمر بحوالي عشرة أشخاص، هم أعضاء نادي الحضور المثاليّ، الذين لم يفوّتوا أي نسخةٍ من ويكيمانيا منذ إقامة المؤتمر الأول سنة 2005. إلا أنَّه قام بذلك في حفلة الافتتاح، فلم يبقى الآن سوى اختيار ويكيبيديّ السَّنة، وهو أحد التقاليد التي اعتاد عليها جيمي ويلز أيضاً. وقع الاختيار على إيهور كوستينكو، وهو شابٌّ أوكراني فقد حياته خلال مظاهرات أوكرانيا مطلع هذا العام، أثناء تفريق قوات الأمن بوحشيَّة لإحدى الوقفات الاحتجاجية المعارضة للحكومة. مع أنَّ خسارة هذا الشاب كانت مؤسفةً جداً، إلا أنَّه بصراحةٍ كان اختياراً غير موفَّق للمنصب، فالموت في سبيل قضيَّة هو شيءٌ يقدَّر تقديراً عظيماً، لكن هناك الآلاف مثل هذا الشاب في بلدانٍ عديدة قضوا حياتهم في سبيل قضايا شبيهة خلال السنة الماضية، وأما إن أردنا قياسه بالمعيار الأهم وهو معيار ويكيبيديا، فهو لم يساهم إلا بنحو ألف تعديلٍ إلى ويكيبيديا ولم يكن نشطاً كثيراً، بينما يمكنني القول بشيءٍ من الثقة أن الويكيبيدي النموذجي الذي يأتي إلى ويكيمانيا يكون لديه على الأقل 20 ضعف ذلك الرَّقم، وأحياناً أكثر بكثير. على كلّ حال، يبدو أنَّ جيمي ويلز بدأ يتعب من مهمَّة اختيار الويكيبيديّ السنويَّة هذه، فقرَّر بدءاً من العام القادم فصاعداً أن يصبح الاختيار قائماً على أساس ترشيح وتصويت أعضاء مجتمع ويكيبيديا، دون تدخُّلٍ منه هو.

صورة ويكيمانيا الختاميَّة السنويَّة.

كان ويكيمانيا تجربةً رائعة بحقّ ولا تُقدَّر بثمن. مع أنَّني أحبطتُ من أدائي لبعض الأسباب الشخصيَّة، إلا أنَّ هذا العام أكَّد لي ما اكتشفته في مؤتمري الأول السنة الماضية: تفويت جميع مؤتمرات ويكيمانيا السَّابقة كان أكبر غلطةٍ ارتكبتها في حياتي… والتي لا يجب أن أكرّرها قط! أتمنى من كل قلبي أن ألتقي بالجميع السَّنة القادمة في المكسيك.