توأم الأرض… كيبلر 168f.

أعتقد أننا جميعا اعتدنا – في السنوات الأخيرة خصوصاً – أن الصحف يجب أن تكون مملوءة عن آخرها بالأخبار السياسية، تظاهرات… انتخابات… اضطرابات… أزمات. لكن من المثير للاهتمام أنَّ خبراً علمياً في طبيعته تمكن هذا الأسبوع من شقّ طريقه – ولست أدري كيف – إلى العناوين الأولى للعديد من النشرات الإخبارية، وكوني من أشد المهتمين بنشر الثقافة العلمية.. وبما أن علم الفلك خصوصاً كان ولا زال أحد أكبر هواياتي، فأعتقد أنه لا بد من تخصيص “خاطرة” قصيرة للحديث عن الموضوع.

أعلن اكتشاف الكوكب كيبلر 168f للصحافة صباح يوم الخميس الماضي – 17 أبريل/نيسان – ليحدث ضجَّة إعلاميَّة مخيفة. فهذا الكوكب هو بحجم الأرض نفسه تقريباً، وهو كوكبٌ صخري مثلها.. ممَّا يعني أن لديه سطحاً صلباً يسمح بنشوء الحياة عليه، ومن الرَّاجح أن غلافه الجويَّ رقيق كفاية بحيث يحول دون وقوع ظاهرة الاحتباس الحراري المدمِّرة للحياة. الأهم من ذلك كلِّه، هو أن كوكبنا الجديد يقع في منطقة حسَّاسة جداً من مداره حول نجمه تُسمَّى نطاق الحياة (The Habitable Zone)، هذه المنطقة… هي التي يكون فيها الكوكب على المسافة المعتدلة والمثالية من نجمه، بحيث أنَّه ليس حاراً أكثر من اللازم، ولا بارداً أكثر من اللازم، بل إن مناحه ببساطة مثاليٌّ لنشوء الحياة. لهذه الأسباب كلُّها، لا بُدَّ أن يكون هذا الاكتشاف حدثاً هائلاً!

على العموم، ما قلتُه للتوّ لا يعني أبداً وإطلاقاً أن عنوان هذه التدوينة كان حقيقيًّا بأي طريقة من الطرق، فهو بالحقيقة محض دعابة سمجة، مُستمدَّة من اسم التدوينة السَّابقة مباشرة الثورة النيوليثية.. الحدث الذي غيّر مجرى التاريخ، وإن هذا العنوان هو للأسف.. ليس إلا سخرية من الحجم المخيف الذي أعطته وسائل الإعلام العربيَّة – التي لا تفقه شيئاً في العلم والعلوم – لاكتشافٍ تافه على الصعيد الأكاديميّ يقدّم إضافة صغيرة جداً لعلم الفلك. لماذا هو اكتشاف تافه؟ هناك أسبابٌ عديدة.

خريطة تظهر نطاقات الحياة (Habitable Zones) حول الشمس وبعض النجوم الأخرى، وهي المناطق التي تكون حرارتها معتدلةً بحيث تسمح بوجود الحياة.. كما هي الحال في الأرض مثلاً، وفي توأمها المدهش كيبلر 168-f.

سأبدأ بالسَّبب الأهم. إن اختيار خبر علمي عديم القيمة وإثارة إعصار من التفاهات حوله هو إحدى هوايات الصحافة العربيَّة، لكن لو كانت هذه الصحافة البائسة أصغت قليلاً لأنباء الاكتشافات العلمية خلال السنوات الـ7 الماضية، لاكتشفت أن هذه الفترة شهدت عشرات الاكتشافات المماثلة تماماً لكواكب تقع ضمن نطاق الحياة، ومؤهَّلة بدرجاتٍ مقاربة جداً في العديد من الحالات لوجود الحياة عليها. رغم ذلك..  فإنَّ صحفيّينا الفذين والرائعين كانوا نياما طوال هذه السنوات. الذي أيقظ الصحافة فجأة وأثار ولعها الهستيريّ بكوكب 168f تحديداً، هو سبب تافه: أنَّ حجم هذا الكوكب قريبٌ – بقدر أو بآخر – من حجم الأرض. وذلك عدا عن حقيقة أنَّ حجم الكوكب الفعليَّ لا زال غير واضح.

إن الميكانيكية التي اكتشف بها الكوكب تدعى تقنية العبور، وهي تقنية تعتمد على استغلال صدفةٍ ميكانيكية بسيطة جداً لاكتشاف الكواكب البعيدة عنَّا. باستعمال طريقة العبور، تقوم حسَّاسات ضوئية دقيقة جداً في التلسكوب بقياس لمعان أحد النجوم في وقتٍ ما، ثم تنتظر بضعة أيام أو أسابيع، وتأخذ قياساً آخر. من وقتٍ لآخر وإن كنَّا محظوظين حظاً كبيراً بالاتجاه الذي يدور فيه الكوكب بالنسبة لنا، فقد يظهر خفوت بسيط جداً في لمعان ذلك النجم، قد يكون بمقدار 1% أو أقل. ما الذي يعنيه هذا الانخفاض؟ إنَّه يعني أن شيئاً صغيراً للغاية في حجمه بالنسبة للنجم قد مرَّ من أمامه مروراً خاطفاً، فحجب عنَّا مقداراً بسيطاً من ضوئه، أدى إلى حدوث هذا الخفوت. بأخذ قياسات متعدّدة لاحقة، يمكن إثبات أن هذا الشيء الصغير، هو كوكبٌ يدور حول ذلك النجم. المشكلة أنه عند اكتشاف كوكبٍ بتقنية العبور.. فإنَّ الوسيلة الوحيدة لمعرفة أيّ شيءٍ عنه هي مقارنة حجمه بحجم نجمه، والمشكلة.. هي أنَّ حجم نجمه من الأساس ليس مقيساً بدقَّة. حسب البيانات الحالية، قد يكون الكوكب الجديد بضعف حجم الأرض، وكذلك قد يكون أصغر منها.

مع ذلك… فإنَّ هذا الأمر ليس بذي أهمية، لأن حجم الكوكب لا يؤثّر بحقيقة الأمر بشيءٍ على إمكانية الحياة على سطحه، النقطة المؤثرة الفعليَّة هي كتلة الكوكب فقط، لأنها قد تجعل جاذبيته قوية أكثر من اللازم بحيث أن الكائنات الحية لن تستطيع التكيف معها. فكيف يمكن قياس كتلة كوكبٍ اكتشف بتقنية العبور؟ إنَّ تقنية العبور لا تقيس سوى المقدار الذي يحجبه الكوكب من ضوء نجم يمر أمامه صدفة، وبالتالي فإنها لا تصلح إلا لقياس حجم الكوكب، وليس لأيّ شيءٍ آخر. عندما يود العلماء معرفة كتلة كوكبٍ كهذا، فإنَّه ليس لهم سوى أن يقدِّروا كثافته تقديراً، مفترضين أن تركيبه الكيميائي في طبيعته إمَّا صخري أو غازي أو جليدي.. مع أنَّهم لا يملكون أيَّ بياناتٍ قوية يحكمون منها على ذلك. كل ما يفعلونه هو أنهم يفترضون تركيب الكوكب الكيميائي بأكمله من حجمه فقط، ومع أنَّ هذا الأسلوب ينجح عادة… إلا أنَّه يفتقر للدقة تماماً (حتى لو كان الكوكب صخرياً بالفعل.. فذلك لا يعني أن تقدير كتلته بهذا الأسلوب سيكون دقيقاً البتة)، ولا يمكن التأكُّد من صحّته قط.

رسمٌ توضيحيٌّ يظهر كيف يمكن اكتشاف كوكبٍ بعيد بتقنية العبور، وهي تقنية لا تسمح بتحديد كتلة الكواكب الأخرى بدقّة.

حتى ولو تبيَّن أن كل هذه القياسات الأولية كانت بحقيقة الأمر دقيقة، ولو تبيَّن أن كوكب كيبلر 168f كوكب مائي معتدل المناخ عليه كل الظروف المطلوبة لدعم الحياة، بل حتى ولو وجدت الحياة فعلاً في هذه اللحظة على سطحه بازدهار تام، فإنَّ قدرتنا الحالية، وقدرتنا خلال الـ100 أو 200 أو الألف عام التالية على الأقل، على أن نعرف أنَّ هذه الحياة موجودة عليه.. هي 0%، لا تقلُّ ولا تزيد. الرقم الذي قلته للتوّ لم يكن استشهاداً أدبيا عشوائياً، بل الحقيقة أن ألف عام هي أقل مدة يمكننا خلالها أن نتحقق من وجود حياة على كوكب كهذا، فقد أثبت ألبرت آينشتاين في النظرية النسبية أنَّه لا يمكن لأي مادة في الكون تجاوز سرعة الضوء، وبما أن وسيلتنا الوحيدة للاتصال مع أيّ كائنات أخرى هي محض نوع من الضوء (الموجات الراديوية كما نعتاد تسميتها)، وكون كوكبنا المنشود كيبلر 186f يبعد عنَّا مسافة 500 سنة ضوئية.. فإن أدنى فترة زمنية سيستغرقها إرسال أيّ رسالة إليه وتلقّي الرد عليها، هي ألف عام. وذلك.. إذا غضضنا النظر عن أن وجود الحياة المجهرية أو الحياة البدائية، هو دوماً الاحتمال الغالب، لا الحياة العاقلة التي يمكننا التواصل معها. بكلّ بساطة… فإنَّ هذا الاكتشاف لن يقدّم أي إضافة مميزة لعلم الفلك خلال الألف عام التالية على الأقل.

وبعد كلّ ذلك.. فإنَّه من الجميل إلقاء نظرةٍ سريعة على بعض الصُّحف العربية، لنرى كيف تناولت صحافتنا هذا الحدث الهائل. يقول مقالٌ منشور على موقع واحدةٍ من أشهر قنوات التلفزة العربيَّة أجمعها“أعلن علماء فلك أنهم اكتشفوا كوكباً جديداً يحمل مواصفات شبيهة بكوكب الأرض من حيث الحجم والظروف، وهو ما يعزز إلى حد كبير الاحتمالات بأن ثمة مخلوقات فضائية تشبه البشر ربما تعيش على ذلك الكوكب”. ويقول لك كاتبٌ عبقريٌّ آخر على أحد المواقع: “الاكتشاف هو الأقرب إلى إيجاد توأم حقيقي للأرض”، وقد مررت أثناء جولتي الجميلة بمترجم محترف كتب في مقاله يصف عظمة الاكتشاف: “إن هذا الكوكب يقع على الحافه الخارجية للمنطقة السكنية المدارية والقريبة من خزانات المياه السائله بمجموعته الشمسية”.

لستُ أريد أن أنفي من كلّ هذا النَّقد أن اكتشاف هذا الكوكب مهمٌّ على الصعيد الفلكي، فهو من دون شكٍّ اكتشاف على قدر من الأهمية، إلا أنَّه لا يرقى بحال لعشر العاصفة الإعلامية المخيفة التي أثيرت حوله في الأيام الماضية، بل إنه اكتشافٌ شبيه باكتشافات عديدة أخرى كان ولا يزال يحققها علماء الفلك كل عام. ما يهمُّ بالنسبة لي الآن… هو أن تعقل صحافتنا العربيَّة الفذَة أهمية العلوم، وتتعب نفسها قليلاً بتعيين من هم أهلٌ لكتابة الأخبار العلمية ومراجعتها وانتقائها.. عوضاً عن نشر أخبار تافهة مليئة بالمغالطات باسم العلم والعلماء.