من المعتاد أن نسمع في التلفاز والإذاعة والصحف عن الثورة الفرنسية أو الأمريكية أو البلشفية، أو حتى ثوراتٍ غير سياسية في طبيعتها كالثورة الصناعية. لكن، قد يكون العديدون لم يسمعوا بعد من الأساس بحدثٍ كان أكثر أهميَّة من معظم هذه الأحداث، ألا وهو الثورة النيوليثية، التي كانت إحدى أكثر المراحل حسما وتأثيرا في مجرى التاريخ الإنساني بأسره. ومع أنه موضوع غير اعتيادي بطبيعته، إلا أنَّني أجد أنه من الضروري كمدوّن مهتم بمسألة تقدم الأمم والحضارات، أن أتناول حدثا كهذا في مدونتي حتى ولو كان موغلا في قدمه.

إن الثورة النيوليثية حدث على قدر بالغ من الأهمية بالنسبة للبشر اليوم، وإنه ليس من المبالغة القول بأنَّ أيا من ملامح عالمنا الحديث لم تكن لتوجد لولا هذا الحدث، فقد كانت هي بداية كل شيء. وقعت الثورة النيوليثية قبل ما يُقدَّر بنحو 11,000 عام، ومع أنها هزّت العالم بأسره، إلا أنها لم تنطلق من مكان واحد، بل من أماكن كثيرة انشرت على مر أنحاء الأرض، وما يميّز هذه الأماكن جميعها تقريبا أنها كانت مهد الحضارة البشرية ومركز تقدمها وتطورها الأعظم لآلافٍ من السنين التالية. وعلى عظمة شأن هذه الثورة والتغيير الذي أحدثته في عالمنا، فإن دهشتنا ستصل ذروتها عندما نعرف كم كانت هذه الثورة – التي أسمِّيها الآن باسمها العلمي المعروف لا باسم أدبي دراميّ – بسيطة في طبيعتها: إنها اكتشاف الزراعة.

هناك خلافٌ كبير بين العلماء حول تاريخ ظهور الجنس البشري بالتحديد، حيث أنَّ ثمة بقايا قديمة لكائنات شبيهة بالبشر بقدر يزيد أو يقلّ تعود إلى حقبٍ تتراوح من 50 ألف سنة إلى مليوني عام مضت. وعلى كل حال، فإن تاريخ البشر على هذا الكوكب لا يقل عن عشرات آلاف السنين على الأرجح. خلال تلك الأزمنة الساحقة، عاش الإنسان تماما كما تعيش أي حيوانات ضارية نعرفها اليوم، كالأسود والنمور وغيرها، فقد كان يحصل على قوته من صيد الحيوانات الأخرى بالدرجة الأولى، كما كان يعتمد اعتمادا بسيطا على جمع النباتات من فواكه وخضراوات برية وغيرها.

على عكس ما قد يبدو لنا أحيانا، فإن الصيد هو في الواقع عملية مرهقة تتطلَّب جهدا شاقا وأناة وصبرا كبيرين، وفي النهاية فإن للحظ دورا جليلا بنجاح الصيد من عدمه. كانت مشكلة الصيد الكبرى أنه لم يدعم استقرار البشر ولم يسمح لهم بالعيش في مجتمعات كبيرة، فبسبب طبيعة الصيد الموسمية وتقلُّص فرص نجاحه بتغير الفصل أو بحدوث كارثة طبيعية (كالجفاف والبراكين والزلازل وغيرها)، فإنَّ الاقتيات عليه كان يجبر الناس على عيش حياة هجرةٍ وترحال لا مجال فيها للاستقرار والتأقلم مع مكان واحد، كما لم تكن هناك إمكانية لأن تتشارك جماعتان مختلفتان منطقة واحدة للصيد، لأن فرصهما بالحصول على طرائد ستتضائل كثيرا، حيث أن الموارد الطبيعية المتاحة في مساحة كبيرة من غابة مثلا لا تكفي إلا لسد حاجة عدد قليل من الناس من الغذاء.

سارت حياة الجنس البشري على كوكب الأرض على هذا النحو لفترة طويلة جدا، لا تقل عن عشرات آلاف السنين، كان الإنسان فيها حيوانا لا يختلف كثيرا عن أي حيوان بري آخر، يقضي كل حياته في الصيد والأكل والنوم. كان الشيء الذي يُميّز البشر في أسلوب عيشهم هو أنهم اعتمدوا ليعيشوا على أدوات قتال صنعوها بأنفسهم من الخشب والحجر، عوضا عن الاعتماد على أسلحة طبيعية كالأنياب والمخالب. لكن وحسب ما توحي لنا سجلات الآثار على الأقلّ، فإن بشر أولئك العصر كانوا متكيفين مع حياة البرية تماما ولم يبتدعوا أي وسائل متطورة للحياة.

بداية الاكتشاف:

خريطة توضّح مواطئ اكتشاف الزراعة الأولى على وجه الأرض، وكيفية انتقالها من تلك المناطق إلى باقي أنحاء الكرة الأرضية.

في حوالي عام 9,000 قبل الميلاد، ظهر اكتشافٌ جديد غيَّر مجرى التاريخ. ظهر هذا الاكتشاف في أماكن مختلفة من الكرة الأرضية خلال أوقاتٍ متقاربة، لكن أقدم بقعة ظهر فيها على الإطلاق كانت الهلال الخصيب في شمال الشرق الأدنى، أي في ما هو اليوم مشرق العالم العربي، في دول تشمل بالدرجة الأولى العراق وسوريا وتركيا، إضافة إلى بلاد أخرى مجاورة. بعد ذلك بنحو ألفي عام تقل أو تزيد، اكتشفت الزراعة مجدداً في وادي النهر الأصفر شرق الصين (حوالي 7,000 ق.م)، ثم في جبال جزيرة بابوا نيوغينيا المنعزلة قرب أستراليا (حوالي 7,000 إلى 4,000 ق.م)، فوسط المكسيك بأمريكا الشمالية والبيرو وفنزويلا بأمريكا الجنوبية (حوالي 3,000 إلى 2,000 ق.م)، وأخيرا في أعماق القارة الأفريقية. لم يستغرق الأمر وقتا طويلا بعد ظهور الزراعة في كل منطقة من هذه المناطق، حتى انتقلت سريعا إلى البلاد المجاورة، فوصلت من الهلال الخصيب إلى الجزيرة العربية ووادي النيل وجنوب أوروبا وشبه القارة الهندية، ومن الصين إلى منغوليا إندونيسيا وجنوب شرقي آسيا، وهلم جرا.

ثمة نظريات عدة تحاول تفسير الأسلوب الذي أدى إلى انتقال البشر لحياة الزراعة. تقول النظرية السكانيَّة كما تسمى أن سبب تخلي البشر الأوائل عن الصيد هو تزايد أعدادهم بصورةٍ كبيرة، بحيث أنهم أصبحوا بحاجة لكميات من الطعام أكثر مما يمكنهم جمعه بأيديهم، فقرروا اللجوء للزراعة. أما نظرية الواحات – من جهةٍ أخرى – فتقول أنه بعد انتهاء العصر الجليدي، أدت موجات الجفاف الكبيرة إلى لجوء جماعات البشر إلى الواحات الصحراوية بحثا عن الطعام، حيث عاشوا بالقرب من المواشي البرية، مما دفع البشر إلى استئناسها بمرور الوقت، وترافق ذلك مع البدء بزراعة بذور النباتات (وإن هذه النظرية الأخيرة لا تحظى بالكثير من التأييد اليوم، حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أن مناخ الشرق الأدنى كان يصبح أكثر رطوبة في ذلك الوقت لا أكثر جفافا). وأما نظرية الولائم فتقترح أن بعض الناس اهتموا بإقامة ولائم الطعام الكبيرة كوسيلة لكسب التأييد والسيطرة في مجتمعاتهم، مما أدى بهم إلى اللجوء للزراعة كوسيلة للحصول على الطعام. رغم هذا، فإنَّ ثمة نظريات عديدة مطروحة بهذا الخصوص، وليس هناك إجماعٌ علمي واسع على أيٍّ منها.

التحول التاريخي:

قامت المستعمرات البشرية الأولى في التاريخ حول الحقول الزراعية.

لماذا كان اكتشاف الزراعة مهما جدا؟ السبب بسيط إلى حد مدهش: الاستقرار والنمو السكاني. كانت حياة الصيد تدفع البشر القدامى إلى عيش حياة ترحال قاسية، لم يستطيعوا فيها الاستقرار بأي مكان، حيث كانوا مضطرين للتنقل دوما بحثا عن أرض جديدة للصيد. وكانت هذه المهمة الشاقة تستهلك كل وقتهم وتمنعهم من الاحتكاك بالبشر الآخرين إلا نادرا. لكن اكتشاف الزراعة غير الأمور جذريا، فالزراعة سمحت لمجموعات كبيرة من البشر أن تعيش ضمن مساحات صغيرة جدا، ومع مرور الوقت أدى تطور التقنيات الزراعية تدريجيا إلى تفرغ أعداد أكبر من الناس لممارسة أعمال أخرى في الحياة غير البحث عن الغذاء والطعام، ووفقاً لهرم ماسلو للحاجات الإنسانية، فإن توفر قوت الحياة سمح للبشر بالبدء بالتفكير بحاجاتهم الأقل والأقل أهمية، حتى بدؤوا بتطوير حياتهم وتحسينها شيئا فشيئا على مر العشرة آلاف عام التالية.

كان أحد أهم التحولات التاريخية التي رافقت الانتقال من الصيد إلى الزراعة هو البدء بتأسيس القرى والمدن، فقد كانت هذه المرة الأولى في التاريخ التي يفكّر فيها البشر بالاستقرار ببقاع محددة والعيش بها في مجتمعات كبيرة عوضا عن المضي في حياة البدو الرحل. أدى هذا التغير المفاجئ إلى ارتفاع أعداد البشر بسرعةٍ كبيرة بعد أن حصلوا على الاستقرار وضمنوا ما يكفي حاجتهم من الغذاء، وبما أنَّه لم تعد هناك – بمرور الوقت – حاجة لعمل جميع البشر في إنتاج الطعام، فإنَّ التجارة سُرعَان ما ازدهرت، وبدأت الصناعة والفنون والمظاهر الثقافية المختلفة الأخرى بإعطاء ملامح مُميَّزة لشعوب البشر المتنوعة. ويعتقد علماء الآثار أن هذه التداعيات الناتجة عن الثورة النيوليثية، ظهرت للمرة الأولى بكامل صورها وأشكالها مجتمعة في مدن الحضارة السومرية الواقعة اليوم بالعراق، قبل نحو 5,500 عام مضت.

رغم أن بداية الثورة النيوليثية كانت بسيطة جدا.. ألا وهي في اعتماد البشر على الزراعة للحياة بدلا من الصيد، فإن المؤرخين يكادون يجمعون أنها كانت السبب المحوري الأول بجانبٍ عظيم من التطور الحضاري الذي شهدته البشرية لآلاف من السنين التالية، بل وإن تأثيرها من دون شك يمتد بقدر أو بآخر إلى زمننا هذا. عند النظر إلى أبرز حضارات العالم القديم فإن الأمر يبدو جليا، حيث أن جميع الحضارات المتطورة في تلك الحقبة انطلقت من المجتمعات الزراعية البسيطة، وقد كان مسقط رأس الزراعة في الشرق الأدنى أحد أهم مراكز هذا التطور، حيث ازدهرت مدنه في ظل الحضارات السومرية والآشورية والفينقية والفرعونية وغيرها ازدهارا كبيرا، وكذلك كانت الحال في الهند والصين وغيرها. وقد كانت الحضارة السومرية – التي يعتقد أنها أول من جمع بين كافة مظاهر الثورة النيوليثية مرة واحدة – هي مكان ولادة أول نظام كتابة في التاريخ. بل ويعتقد الباحث الأمريكي جارد دياموند في كتابه المعروف  أسلحة وجراثيم وفولاذ أن الثورة النيوليثية كانت أحد أهم الأسباب في تفوُّق الحضارة الأوروبية على باقي حضارات العالم.

لولا أنَّ أجدادنا القدماء اختاروا – لسببٍ أو لآخر – الانتقال في حياتهم من الاعتماد على الصيد إلى الزراعة، لكان عالمنا مكانا مختلفا كثيرا الآن. يظهر لنا هذا جليا.. كيف يمكن لأشياء حولنا نأخذها كبديهيات غنية عن التفكير، يمكن أن يكون لها تأثير عميق جدا على حياتنا، وكيف استطاعت إنجازات قد نعتبرها تافهة للوهلة الأولى في المسيرة البشرية، أن تغيّر مجرى التاريخ تماما. فقط تذكر الآن وأنت تقرأ هذه التدوينة.. أنه لولا اكتشاف الزراعة (وبالطبع العديد من الأشياء الأخرى بعدها)، لما كان أيّ شيء من هذه التكنولوجيا الرائعة موجودا حولك!