منذ فجر البشرية على وجه كوكب الأرض.. والحضارة الإنسانية متَّجهةٌ في تمدّدٍ وتوسُّع مستمرّين، ولطالما كانت آخذة بالانتشار في كل أصقاع الكوكب، حتى وصلت أبرد وأعتى جباله وأسخن صحاريه. رغم ذلك، لم يسبق في تاريخ البشرية وأن وصل التفجُّر السكاني قدر ما وصله في أيامنا هذه، بعد أن اختفت الحروب، واستقرَّ العالم السياسي، وباتت الوفيات منخفضةً نسبياً في معظم أنحاء المعمورة الإنسانية. من جهةٍ أخرى، لا زال من المعتَاد حتى الآن أن تُواجَه هذه المشكلة بالاستخفاف وسوء التقدير على أيدي العديدين، بل ويعتقد البعض أنها مؤامرةٌ تُحَاك خيوطها للقضاء على نسل بعض الشعوب. وإنَّ هذه لمأساةٌ.. قد تتعدى مأساة التفجر السكاني نفسها.

كنت قبل شهور أتحدث مع أحد أصدقائي، عندما تطرَّقنا في كلامنا إلى مسألة التفجر السكاني العالمي. مع أنَّ صديقي وافقني على أن هذه مشكلة حقيقية بعيداً عن أيٍّ من نظريات المؤامرة، فقد اختلف معي في نقطة حاسمةٍ جداً.. وهي الأثر الواقعي لهذه الظاهرة. برأيه، كان هناك بعض التضخيم الإعلامي و”الدراما” المُثَارة حول هذه المسألة لتحميلها أكثر من حجمها الحقيقي. وهذا خطأ كبيرٌ جداً، قد يكلّفنا الوقوع فيه الكثير مستقبلاً. وإن هدفي من كتابة هذه التدوينة هو إثبات عدم صحّته.

الموارد المائية مثالاً:

yoon_research1
العجز المائي في الأردن الذي تصل نسبته إلى 38%، ممَّا يضع الأردن ضمن قائمة الدول العشر الأكثر شحُّاً بالمياه عالمياً. المصدر: جامعة ستانفورد.

دعونا نلقي نظرةً على بلدٍ عربيّ في البداية، لنظلَّ قريبين من واقعنا. فلنأخذ مثالاً الأردن، الأردن هي دولةٌ صغيرة، شحيحة الموارد، مغطَّاة في معظمها بالصحارى القاحلة، وهي تعيش لذلك كلّه ظروفاً اقتصادية صعبة منذ تأسيسها قبل أقلّ من قرن. في دولة كهذه، نجد مأساة التفجر السكاني تلقي بظلٍّ قاتمٍ على البلاد يجرُّها إلى وضع أكثر وأكثر سوءاً. لطالما كانت الأردن دولةً فقيرة بالموارد المائية، فهي دولة شبه مغلقة (لا تحدُّ أياً من المحيطات، عدى عن شريطٍ ضيّق جداً يصلها بالبحر الأحمر)، ولا تجري عبرها سوى القليل من الأنهار، التي تتقاسم معظمها – وأهمُّها نهرا الأردن واليرموك – مع دول الجوار، كما أنَّ معدلات هطول الأمطار السنوية في معظم أنحائها منخفضة جداً، ومواردها الجوفية قليلة. بالنسبة لدولة كهذه، فإن توفير ما يكفي من المياه للاستهلاك السكاني معضلة حقيقية.

في مطلع الستينيات – أي قبل نحو نصف قرن – لم يكن يتعدَّى عدد سكان الأردن المليون نسمة، أما الآن.. فقد نمى هذا الرَّقم ليتجاوز الـ6 ملايين نسمة حسب تقدير عام 2011. وقد أدَّت هذه الحقيقة.. عند وضعها جنباً إلى جنبٍ مع الموارد المائية المثيرة للشفقة في البلاد… إلى تصنيف الأردن على قائمة الدول العشر الأكثر شحُّاً بالمياه عالمياً. في عام 2007، بلغ حجم استهلاك المياه في الأردن نحو 800 مليون متر مكعَّب، فيما أنَّ الطلب الفعلي كان يتجاوز هذا الرقم بنسبة 30%. تكمن المأساة في أنَّ توفير هذا الحجم من المياه النقية للسكان لم يأتي بالمجَّان، بل باستنزاف المصادر المتاحة. يعود جزءٌ ضخم جداً من هذه المياه إلى مصادر جوفية، حيث يوجد في الأردن 12 حوض مياه جوفية، مشكلة هذه المياه أنها تتجدَّد ببطءٍ عبر تجمع مياه الأمطار المتساقطة تحت سطح الأرض، عند استهلاكها بكثرة.. ستنضب، وستكون لذلك آثارٌ كارثية على الإنسان والبيئة. تقدَّر الكمية القصوى الممكن سحبها من المياه الجوفية في الأردن بـ375 مليون متر مكعب سنوياً (إن لم نرد تدمير هذه المصادر للأبد)، أما الكمية الفعلية التي تُستعمل منها حالياً.. فهي أكثر من 500 مليون. إن استمرَّت الأمور على هذه الحال، ستفقد الأردن خلال عقودٍ المصدر الذي تستمدُّ منه نصف مياهها المحلاَّة.

من هذا المنطلق، يبدو واضحاً أنَّ الموارد الطبيعية – ضمن مثالٍ بسيط جداً كالمياه، علاوةً على الطاقة والغذاء واحتياطيات المواد الطبيعية المختلفة – أقلُّ بكثيرٍ بالفعل من أن تلبي حاجات السكان في بعض الدول، وعندما يستمرُّ سكان هذه الدول بالتفجر رغماً عن ذلك… فإن المشكلة تأخذ بالتفاقم والتسارع حتى تصل مستوياتٍ مأساوية.

فلنتابع رحلتنا مع المياه. يبلغ استهلاك المواطن العربيّ العادي من المياه نحو 100 لترٍ إلى 150 لتراً في اليوم الواحد، موزَّعة ما بين مياه شرب وغسلٍ وتصريفٍ وزراعة وصناعة الحاجيَّات اليومية، ذلك يشمل ما تغسل به يديك.. وما تنظّف به سيارتك… وما تُسقَى به الخضراوات التي تشتريها في طريق عودتك إلى المنزل. يستهلك المواطن في الدول الفقيرة بالقارة الأفريقية كمية أقل بكثير… نحو 50 لتراً في اليوم. بالنسبة لدول شرق آسيا، فإن هذا الرقم قد يرتفع إلى 200 لتر. تتجاوز أوروبا في استهلاكها اليومي الـ300 لتر. أما في الولايات المتحدة الأمريكية… فإن الشخص الواحد يستهلك في اليوم أكثر من 550 لتر. إذاً.. فإن ما يستهلكه المواطن الأمريكي من المياه خلال شهرين يعادل ما يكفي لملئ بركة سباحةٍ بطول 25 متراً وعمق ثلاثة أمتار. بالنسبة لدولةٍ تضمُّ ثلث مليار إنسان، فإن هذا يعني أكثر من 111 مليون متر مكعب يومياً، وهو ما يتجاوز ثلث سعة نهر النيل، أطول  نهر في العالم. لو كان سكان الولايات المتحدة يعتمدون على نهرٍ بحجم النيل كمصدرهم الوحيد للمياه… لكان على وشك الجفاف الآن!

التزايد السكاني:

علاوةً على هذه الكميات المخيفة التي يستهلكها البشر من موردٍ بسيط كالمياه، فإن عدد سكان العالم آخذٌ بالازدياد باضطراد لا يتوقَّف منذ نحو قرنين. في عام 1800م، كان عدد سكان الأرض لا يتعدى المليار نسمة، ولم يكن قد تجاوز هذا الحدّ على مر التاريخ الإنساني كلّه، ففي العصور الوسطى كان عدد الناس نصف مليار، وكان أقلَّ بكثيرٍ خلال العصور القديمة وقبل التاريخية. أخذ الرقم بالتصاعد تدريجياً خلال القرن التاسع عشر، ليصل قرابة المليارين في زمن الحرب العالمية الثانية. منذ ذلك الحين وخلال نحو 70 عاماً، تضاعف عدد البشر أكثر من ثلاث مرَّاتٍ ليتجاوز السبعة مليارات، وهو تزايد أسرع بخمسة عشر ضعفاً على الأقل ممَّا كان عليه في أي حقبةٍ سابقة. وما يزيد الأمر سوءاً أن مشكلة مثل التضخم السكاني تزداد مع مرور الزمن: لو كان عدد الناس يتضاعف مرة كل قرنٍ في العصور القديمة، لعنى ذلك زيادة 100 مليون نسمة كل قرن، أما الآن.. فإن هذا يعني سبعة مليارات نسمة كل قرن، وبعد بضعة قرون… قد يعني 100 مليار نسمة! على هذا النحو، لن يتوقَّف البشر عن الازدياد قطٌّ حتى تستنزف موارد الأرض تماماً.

وإن هذه لهي الزيادة السكانية العالمية، فالأمر يزداد سوءاً أضعافاً عديدةً عند النظر إلى مناطق جغرافية معيَّنة: مثل العالم العربي. في عام 1935 كان عدد سكان مصر 15 مليوناً (حالياً 6 أضعاف ذلك)، والسعودية 3 ملايين (حالياً 12 ضعفاً)، وسوريا مليونين (حالياً 11 ضعفاً)، واليمن 4 ملايين (حالياً 6 أضعاف)، والجزائر 7 ملايين (حالياً 5 أضعاف). على هذه الوتيرة، سيرتفع عدد سكان العالم العربي – دول الجامعة العربية – من 355 مليوناً حالياً إلى 560 مليوناً بحلول عام 2050م، حيث ستصل نسبة العرب إلى 6% من سكان العالم! ليست لهذه الزيادة فائدةٌ سوى إغراق المنطقة أكثر في حالة الفقر المتقع وجعل مشاكل نقص التعليم والأمية والبنية التحتية المزرية أكثر وأكثر سوءاً، علاوةً على أنها من الآن في حالة يرثى لها.

تصاعد سكان مدينة دمشق الدراماتيكي. قبل قرنٍ ونصف، بلغ عدد سكان المدينة نحو 100 ألف نسمة (وهو رقمٌ لم يصله طوال العصور القديمة)، أما الآن.. فهو في طريقه لبلوغ الخمسة ملايين.

نظريات المؤامرة:

world_population_growth_2008_v1
دول العالم حسب معدَّل نموُّها السكاني، منذ الآن وحتى عام 2050م. يلاحظ أن معظم النمو يتركز في أفريقيا والعالم العربي.

من الغريب كيف أمكنَ – بعد كل هذا – للبعض أن يضعوا مأساة التفجُّر السكاني بالعالم العربي في ظلّ نظريات مؤامرة غريبة، تدعي أنها شائعة تُروَّج للقضاء على النسل العربي المسلم. ففيما أنَّ عدد سكان العالم العربي سينمو خلال الأعوام الـ40 القادمة بنسبة 60%، سيتناقص عدد سكان أوروبا بنسبة 5%. إن سكان معظم دول العالم الغربيّ في تناقص، وأما التفجُّر السكاني المخيف فإنه يأتي من العالم الفقير، خصوصاً دول جنوب آسيا والقارة الأفريقية والمنطقة العربية.

ما يجب أن نفهمه جيداً، هو أنَّ قوة الأمم لا تُستَمدُّ من الأعداد، بل من الجوهر. وسأضرب مثالاً حساساً في ذلك، لكنه ضروري، وهو إسرائيل. إسرائيل دولة صغيرة المساحة، شحيحة الموارد، لا يكاد يتعدى سكانها من القومية اليهودية الخمسة ملايين نسمة. في جوارها تماماً، تقع 22 دولةً عربيَّة يبلغ عدد سكانها الكلي 350 مليون إنسان. رغم ذلك… فإن إنتاج إسرائيل العلمي والثقافي والحضاري يتعدى بأضعافٍ ما ينتجه العرب مجتمعين. مثالٌ بسيط على ذلك هو حجم الاستثمارات الإسرائيلية في البحث العلمي.. فهي تمثّل وحدها 1% من كافَّة الاستثمارات العلمية على مستوى العالم، أما الاستثمارات العربيَّة جمعاء… فهي لا تتعدى 0.2%، وهو ما يعادل تقريباً استثمارات الدول الأفريقية المتقعة بالفقر. في إسرائيل… يساوي عدد الباحثين العلميّين ما نسبته 1.5% من السكان، أما في حالة الدول العربية، فهي أقل من 0.04%. وأما براءات الاختراع الإسرائيلية المسجَّلة فتصل إلى 16,805 براءة، مقابل 836 من العالم العربي بأسره. في عام 2008 لوحده.. حصلت إسرائيل على أكثر من 1150 براءة اختراع، أي ما يتعدى ما حازه العرب طوال تاريخهم.

في ظلّ ظروفٍ مأساوية كهذه، فلا يبدو أن هناك سبباً واحداً يدعو أي شخص في العالم للخوف من ازدياد عدد العرب والمسلمين. على العكس، يبدو أنَّ هناك أسباباً لتشجيع هذه الزيادة، فمن السخرية بمكانٍ أنَّنا لو أردنا السير على خطى نظرية المؤامرة هذه.. سنجد أنه من الأولى أن تكون المؤامرة في ترويج هذه النظريات بحد ذاتها، فالتفجر السكاني العربي لا يجلب سوى المزيد من الفقر والجهل والتخلف الحضاري، أما الدول المتقدمة فإن زياداتها السكانية ضئيلة إلى حدٍّ بعيد.