شعار المسابقة العربيَّة

قبل عامٍ تقريباً وبينما كنت أتصفَّح آخر الأخبار على مجلة ويكيبيديا الشهرية، فوجئت بإعلانٍ عن نتائج مسابقة تصوير عالمية، كانت قد أقيمت قبل أسابيع. استغربت وقتها كيف أني لم أعرف شيئاً من قبل عن وجود مثل هذه المسابقة، مع أنها مسابقة تصويرٍ مخصَّصة لويكيبيديا! اطَّلعت على خريطة الدول المشاركة عالمياً، لأفاجئ بوجود عشرات الدول، من جميع قارَّات العالم، ثم بدأت أتجه بقلقٍ نحو المنطقة العربيَّة.. حيث لم تكن هناك أيُّ دولةٍ معلَّمة باللون الأحمر.. عدا.. إسرائيل!

كما عرفتُ لاحقاً، عندما بدأت القراءة عن الموضوع أكثر، كانت هذه المسابقة هي الويكي تهوى المعالم (Wiki Loves Monuments). بدأت الويكي تهوى المعالم كمسابقة تصويرٍ محلية في هولندا عام 2010، تهدف إلى الحفاظ على تراث البلاد الثقافي وتوثيقه على ويكيبيديا الهولندية بالصور، حيث أنها ببساطةٍ منافسة على جائزةٍ تحوزها أفضل صورة لمعلم ثقافي أو تاريخي هولندي، مقابل شرط: يجب أن ترفع جميع الصُّور المشاركة على ويكيبيديا، تحت رخصةٍ حرَّة لا تقيِّدها بأية حقوق نشر، لتصبح بذلك ملكية عامة يمكن للجميع الاستفادة منها. تولَّى التنظيم بالكامل متطوِّعون عاديُّون، معظمهم من الويكيبيديّين.

حقَّقت تجربة هولندا نجاحاً باهراً، حيث تم الحصول على أكثر من 10,000 صورة، وفي العام التالي، توسَّعت المسابقة بسرعةٍ لتصبح منافسة على مستوى كامل القارة الأوروبية. رفعت إلى ويكيبيديا أكثر من 80 ألف صورةٍ بمشاركة خمسة عشر دولة. أخيراً، جاء العام الماضي، حيث أصبحت الويكي تهوى المعالم للمرَّة الأولى مسابقةً عالمية، شاركت فيها 35 دولة من جميع قارَّات العالم. كانت بين الدول المشاركة دول أفريقية مثل كينيا وغانا، وعدة دولٍ آسيوية ولاتينية، بل وأيضاً إسرائيل، التي حقَّقت واحداً من أعلى المراكز بعد أن شاركت وحدها بستة آلاف صورة. بعد انتهاء المسابقة، أعلنها كتاب غينيس للأرقام القياسية رسمياً أكبر مسابقة تصويرٍ على وجه الأرض!

خريطة الدول المشاركة في المسابقة هذا العام

رغم كل ذلك، لم تشهد المسابقة ولا حتى مشاركة دولة عربيَّة واحدة. عندما عرفتُ ذلك نهاية العام الماضي، صرت متحرِّقاً لبدء مسابقة هذا العام.. كي ندخل العالم العربيَّ إلى المنافسة. وبالفعل، بدءاً من شهر أيار (مايو) الفائت، اقترحت الفكرة على عددٍ من الويكيبيديّين في الأردن، ووافق معظمهم على المشاركة، وأبدوا حماساً رائعاً، فبدأنا التخطيط لإدخال الدولة العربية الثانية إلى المسابقة. ففي هذا الوقت، كان ويكيبيديون تونسيون أيضاً قد بدؤوا العمل على تنظيم المسابقة في بلدهم، وبدؤوا باتخاذ استعداداتهم. سُرعَان ما انضمَّت الجزائر هي الأخرى، ثم مصر. هكذا، أصبحت عندنا أربع دولٍ مشاركة، ورغم أني كنت أتمنَّى أن يزداد العدد أكثر.. إلا أنَّه كان بدايةً جيِّدة.

حتى أسابيع من بدء المسابقة، لم أكن أمتلك فكرةً كثيراً عن العمل المطلوب. كنت مرتبكاً بعض الشيء، لكني حاولت الاسترخاء والدعاء، لأقنع نفسي بأن الأمور ستسير على ما يرام. كانت رؤيتي في البداية أنَّ جزءاً رئيسياً من الدعاية يجب أن يكون بالتعاون من جمعيَّات التصوير في المنطقة، إلا أنَّ كل محاولاتنا في الأردن للعمل مع هذه الجمعيات باءت بالفشل، ولم نحصل منها على شيءٍ يذكر.. كانت هذه من مراحل العمل المحبطة إلى حدٍّ بعيد، فجمعيّات التصوير وأغلب الجمعيات الأخرى ليست مستعدَّة للدخول في مشروعٍ إلا إذا كان يعطيها مصالح مباشرة، لا عملاً تطوعياً بحتاً، كما أنَّ أغلب المصورين لم يتقبَّلوا شرط أن الصور غير محميَّة بحقوق النشر.

في هذا الوقت.. جاء تحدّيٌ آخر للمسابقة. فقد قرَّر متطوعون سوريون، قبل الموعد الرسمي للانطلاق بأسبوعين فقط.. أن ينضمُّوا أيضاً! سارعت إلى مراسلة المنظّمين، وأخذت بالتنسيق معهم. كان هناك قدرٌ ضخمٌ من العمل المطلوب الذي يفترض أن ينجز خلال شهور، وواجهنا ضغطاً كبيراً جداً لأسبوعٍ تقريباً، لكن في النهاية وبطريقةٍ ما… نجح الأمر، وكانت سوريا آخر دولةٍ تنضمُّ إلى المسابقة عالمياً! هكذا، أصبحت عندنا خمس دول عربيَّة مشاركة بين 52 دولة عالمياً… في الواقع، إنه عدد جيدٌ جداً.

بدأت المسابقة في الأول من شهر سبتمبر. استعملنا شبكة الإنترنت كواجهةٍ دعائية، فأنشأنا صفحات على الفيسبوك وعملنا على نشرها واستغلَّينا كذلك ويكيبيديا، وكانت النتائج صادمة! خلال أيَّامٍ بعد المسابقة، حصلنا على عشرات الصور، وارتقينا بسرعةٍ.. حتى بلغنا المرتبة الثلاثين. تراجعنا كثيراً فيما بعد، لكننا حصلنا على رصيدٍ هائلٍ من الصور: أكثر من 600 صورةٍ للأردن وحدها. حالياً، تشغل الدول العربيَّة مراتب تتراوح من 35 (تونس) إلى 47 (مصر) بين 52 دولةٍ عالمياً. يبلغ مجموع ما رفعته الدول العربية الخمسة في هذه اللحظة 3,300 صورة! أي نحو 1.3% من المجموع العالميّ. مع أنَّ هذا الرقم يساوي نحو ثلث نسبة العرب الفعليَّة من سكان العالم، إلا أنَّني أعتبره بدايةً هائلة.. خصوصاً بالنسبة لمنطقة كاملةٍ تشارك للمرة الأولى في المسابقة. مع أني أتمنَّى دائماً أن تكون النتائج أكثر.. لكن تحقيقنا لمثل هذا الرقم أذهلني بحق!

للآن… أعتقد أننا أبلينا حسناً، وبإمكاننا أخذ قسطٍ من الرَّاحة! وما أرجوه هو أن يكتمل هذا النجاح بتوسعة المسابقة أكثر في العالم العربيّ العامَ القادم، لعلَّها – ومن يدري – تشمل كل الدول العربيَّة الـ22 في يومٍ من الأيام!

بعض الصور المشاركة من الدول العربيَّة: