شعار ويكيمانيا لعام 2013 في هونغ كونغ.

ويكيمانيا هو المؤتمر السنويّ لحركة ويكيميديا العالمية لنشر المعرفة الحرَّة، التي تضمُّ موسوعة ويكيبيديا الشهيرة ومجموعةً أخرى من المواقع والمشاريع المعروفة على نطاقٍ أقل، يقام ويكيمانيا كلّ عامٍ في بلدٍ مختلف ويتم تنظيمه بالكامل على أيدي متطوّعين مثله مثل ويكيبيديا.. قبل ثلاثة أيام، انتهى ويكيمانيا لعام 2013 في هونغ كونغ بالصّين، لينتهي عامٌ سعيدٌ جديد للويكي! ولدت موسوعة ويكيبيديا، التي باتت الآن تمثّل جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية جميعاً، في منتصف شهر يناير عام 2001، على يد رجل الأعمال الأمريكي جيمي ويلز وزميله لاري سانجر. بدأت الموسوعة بالتوسُّع بسرعةٍ كبيرة، وقبل نهاية العام كانت قد افتتحت بأكثر من عشرين لغة من كل أنحاء العالم، بينها اللغة العربيَّة، ومع توسُّع الموسوعة وازدياد حاجاتها ومتطلَّباتها جاءت فكرة تنظيم مؤتمر ويكيمانيا، ليكون مؤتمراً خاصاً بويكيبيديا وعموم حركة ويكيميديا الحرَّة (التي تشمل مواقع أخرى، مثل ويكاموس القاموس، وويكي كتب المكتبة، وغيرها). أقيم أول مؤتمرات ويكيمانيا في عام 2005 بمدينة فرانكفورت الألمانية، ومنذ ذلك الحين وهو ينظَّم كل عام، فأقيم في كامبريدج (الولايات المتحدة) فتايبيه (تايوان) فالإسكندرية (مصر) فبوينس إيريسو (الأرجنتين) فغاندساك (بولندا) فحيفا (فلسطين المحتلة) فواشنطن، وأخيراً هذا العام في هونغ كونغ. في معظم السنوات الماضية، كان التمثيل العربي في المؤتمر شبه معدومٍ أو معدوماً بالمطلق، إذ أنَّ المستوى المعيشي في أغلب أنحاء العالم العربي منخفض نسبياً، وغالبية المساهمين لم يكونوا مستعدّين لتحمُّل تكاليف السفر إلى أوروبا وأمريكا لحضور ويكيمانيا، فضلاً عن ذلك، كان المجتمع العربي صغيراً نسبياً حتى وقتٍ قريب، لذلك تناسب هذا مع عدد حضور المؤتمر. لعلَّ الاستثناء الوحيد كان مؤتمر عام 2008 بالإسكندرية، الذي نظَّمه مساهمون مصريُّون في ويكيبيديا العربية، وحقَّق نجاحاً رائعاً، وحضره العديد من الويكيبيديين العرب سبب قرب الموقع الجغرافي وسهولة السفر. من جهةٍ أخرى، لم يكن هناك أي حضور يذكر في السنوات السابقة واللاحقة، بل وكانت هناك مقاطعةٌ تامَّة لمؤتمر عام 2011 بسبب إقامته في إسرائيل. لكن هذه الحال بدأت أخيراً بالتغير في العام الماضي. حيث انتهجت مؤسسة ويكيميديا (المؤسسة المسؤولة عن تقديم الدعم المالي والتقني لويكيبيديا ومواقعها الشقيقة) سياسة جديدة، تقتضي إعطاء منحٍ للمساهمين غير القادرين على تحمُّل تكاليف السفر، ليتمكنوا من حضور ويكيمانيا، وأصبحت توزِّع كل عامٍ نحو ثمانين منحة، ومن القرارات الممتازة بالنسبة لنا في العالم العربي أنَّ هذه المنح قُسِّمت جغرافياً بحسب المنطقة، فُخصّص 10% منها للوطن العربي وبلدان الشرق الأوسط المجاورة، وهكذا.. أصبح لدينا أخيراً تمثيل عربيٌّ ممتاز للمنطقة في ويكيمانيا. للمهتمّين بمعرفة ملخص مؤتمر العام السَّابق في واشنطن، يمكن العثور هنا على ملخَّص ممتازٍ كتبه الزميل أسامة خالد.

الوصول إلى هونغ كونغ:

20130806_165840
بلدة تونغ تشونغ (حيث استقلَّينا القطار) كما تظهر من جزيرة مطار هونغ كونغ.

هذا العام، كان لدينا حضورٌ عربيٌّ مميز من تسع أشخاص ينتمون إلى ست بلدان عربيَّة (اليمن والسعودية والعراق وسوريا ومصر والمغرب)، وقد كان يفترض أن يأتي المزيد، لكن بعض الظروف منعتهم من ذلك. وصلتُ إلى هونغ كونغ ظهر السادس من أغسطس، على متن نفس الطائرة من الدوحة (بعد التحويل) مع اثنين من الزملاء، وجدنا في المطار متطوِّعَين بانتظارنا، حيث تطوَّعت مجموعة من منظّمي المؤتمر لقضاء اليوم بطوله في المطار لاستقبال الحضور أولاً بأول. كانت الفكرة في البداية بسيطة: سنستقلُّ سيارة أجرةٍ من المطار إلى المدينة. لكني قلت لهم: توقفوا، لديَّ فكرة عبقرية! بدلاً من دفع أكثر من ثلاثين دولاراً أمريكياً لقاء سيارة الأجرة، يمكننا اتباع طريقٍ آخر: فمطار هونغ كونغ يقع على جزيرة صغيرة منفصلةٍ عن باقي المدينة، ولذلك فإنَّ لها مواصلاتٍ خاصَّة للمطار تكون مكلفةً جداً، لكن لو أخذنا الحافلة من هذه الجزيرة إلى بلدةٍ قريبة، يمكننا أخذ المواصلات العامة العاديَّة إلى هونغ كونغ. بالنتيجة، ستنخفض التكلفة من أكثر من ثلاثين دولاراً، إلى نحو ثلاث دولارات للشَّخص الواحد. بالطبع، أعجب الجميع على الفور بالمخطَّط، لكننا لم نعلم آنذاك ماذا ينتظرنا! ابتعنا من المطار بطاقات الأخطبوط (Octopus)، هذه البطاقات هي بطاقات المستقبل، فهي بطاقات إلكترونية بسيطة يمكنك أن تدفع بها كلَّ ما يخطر على بالك، من سعر ركوب الحافلة والقطار إلى مجموعة مشترياتٍ من البقالة المجاورة لمنزلك، وفضلاً عن ذلك، فهي تعطيك تخفيضاً أيضاً على الأسعار. أخذنا البطاقات، وركبنا الحافلة، ووصلنا إلى محطة المترو، وبدأنا رحلتنا الطويلة عبر هونغ كونغ. كان علينا عبور جزيرة كبيرة كاملة قبل الوصول إلى قلب المدينة، تسمى جزيرة لانتاو، وكان مكان إقامتنا أيضاً بعيداً قليلاً عن وسط هونغ كونغ، فهو إذاً في عكس اتجاه المطار، لذلك كان علينا عبور طريقٍ طويل والتحويل بين سكك قطاراتٍ كثيرة. أخذنا ننتقل من قطار إلى آخر، تارةً نتوه، وتارة نحتار، مع هذا، سارت الأمور بشكلٍ جيّد تقريباً حتى وصلنا محطَّتنا الأخيرة، حيث استغرقت الرّحلة حوالي الساعتين. هناك، أصبنا بحيرة عظيمة، فلم يكن معنا إنترنت أو جي بي إس، وكنا بحاجةٍ لأن نعثر على طريقٍ لمكان إقامتنا (وهو سكن لإحدى الجامعات، استأجره منظّمو المؤتمر ليقيم الحضور فيه)، وبعد ضياعٍ طويلٍ استغرق أكثر من ساعةٍ من الزمن، وصلنا أخيراً إلى سكننا سيراً على الأقدام. استغرقت الرّحلة من البيت إلى مكان الإقامة أكثر من خمسٍ وعشرين ساعة! بما أننا في سكن جامعة، فقد كانت جميع الغرفة مشتركة، كل شخصين يقيمان معاً في غرفة واحدة، وكل غرفتان تتّصلان معاً وتتشاركان حماماً واحداً. كانت الغرفة فارغةً عندما وصلت، وكنت أجهل من هو زميلي، لكن ما إن أطفأت الأنوار واستعدَّيت للنوم فوجئت بالباب يفتح، وتعرَّفت وقتها إليه، وهو أمير من إيران، وأما زملاؤنا في الغرفة المجاورة فلم يصلوا إلا بعد يومين، وهما كلاهما بريطانيَّان، أحدهما هو مدير مؤتمر ويكيمانيا لعام 2014 في لندن.

المؤتمر يبدأ!

جانبٌ من ورشات الـ”Devcamp”

في الصَّباح التالي مباشرةً، بدأ أول أيام المؤتمر. يقام مؤتمر ويكيمانيا على مدى خمسة أيام، منها ثلاثة أيَّامٍ للمؤتمر الأساسي، ويومان تمهيديَّان أشبه بالافتتاحية. تركَّزت أنشطة أول يومين في مجالين رئيسيَّين: ورشات الـ”Devcamp” (وهي ورشات ومحاضرات تقنية تُعنَى بتدريب المحررين على إتقان برمجة أدوات الويكي وتمرُّس الجانب التقني من الموسوعة)، ولقاءات فروع ويكيميديا (وهي أشبه بجمعيَّات أو منظَّمات ويكيبيديَّة محلية، تهتمُّ بجمع وتنظيم عمل الويكيبيديّين في كل بلد). كانت نشاطات الـ”Devcamp” تقنية إلى حدٍّ البعيد، والواقع أنّي لم أفهم شيئاً على الإطلاق ممَّا كانوا يتحدثون عنه هناك، باستثناء حقيقة أنهم كانوا يحاولون تعليمنا كيف نستعمل موقع “Wikimedia labs”، وهو موقعٌ يستعمل لاختبار أدوات الويكي وتجريبها وتطويرها بشكلٍ علني قبل تعميمها على ويكيبيديا. بعد حضور محاضرةٍ واحدة لم أفهم منها أيّ كلمة، قرَّرت الانتقال إلى لقاء فروع ويكيميديا، والذي كان يثير اهتمامي أكثر، فحتَّى هذا اليوم لا يوجد أيُّ فرعٍ لويكيميديا في الوطن العربي، رغم أن هذه الفروع – أو فلنقل “المنظمات الويكيبيديَّة” – أصبحت موجودة في أكثر من أربعين دولةً بجميع أنحاء العالم، لذلك كنتُ مهتماً بالاستفادة من خبرات الفروع الحالية والتعرُّف على آليَّات تنظيمها وعملها.. عسى ذلك يكون مفيداً لنا عندما نفتتح “ويكيميديا الوطن العربي” يوماً ما. أجمل ما في المؤتمر كان طبيعة الحضور. فمجتمع المؤتمر ليس أيَّ مجتمع، بل هو تجمُّع كاملٌ لمئات الأشخاص الذين يمثّلون محاور أساسيَّة في حركة ويكيميديا العالمية، إحدى أعظم حركات المحتوى الحرّ في العالم، ومجرَّد وجودك وسط هذا التجمع الهائل من هؤلاء العظماء كان تجربةً مدهشة. أيُّ شخصٍ ستقابله هنا، أي شخصٍ ستتعرَّف عليه بمحادثةٍ بسيطة لا تتعدى الدقيقتين، سيكون ذا دورٍ جوهريّ في إيصال موسوعة ويكيبيديا إلى شكلها الحالي بلغة ما من لغات العالم. والأروع من ذلك هو التنوُّع العرقي واللغوي الهائل: فهناك االشرقيُّون، والهنود، والعرب، والفرس، والروس، والأوروبيون، والأمريكيون، وجنوب الأمريكيين، وحتى الأفارقة (وإن كان هؤلاء الفئة الأكثر ندرة). كلَّ مرة تتعرَّف على أحدهم ستجده من مكانٍ جديد، لقد تعرَّفتُ شخصياً على صينيّين وتايوانيين ونيباليين وإيرانيين وأرمن وروس وهولنديين وسويديين وبريطانيين وأمريكيين وأرجنتينيين!

كلمة جيمي ويلز في افتتاحية ويكيمانيا

في نهاية اليوم الثاني، ذهبنا إلى مركز التجارة العالمي، وهو أعلى بناء في هونغ كونغ وخامس أعلى بناء في العالم. صعدنا إلى الطابق المائة (سكاي100)، حيث شاهدنا إطلالة هائلة على هونغ كونغ من السَّماء، تظهر منها المدينة بأكملها، وكان الهدف من الرحلة إقامة حفلةٍ للتعارف بين حضور المؤتمر. هناك، التقيت للمرة الأولى بعددٍ من المحررين العرب الذين لم يكن قد سبق وأن قابلتهم، كما تعرَّفنا على بعض المسؤولين الهامّين في مؤسسة ويكيميديا، وكان جيمي ويلز – مؤسّس الموسوعة – حاضراً أيضاً. صباح التاسع من أغسطس، بدأت افتتاحية المؤتمر، فالآن بدأ مؤتمر ويكيمانيا لعام 2013 بشكلٍ رسميّ. فكانت البداية بكلمة افتتاحية لمسؤول حكوميٌّ بهونغ كونغ، ثم محاضرة للبروفيسور ماكوتو أوماكوتو عن مشروع  “saveMLAK” في اليابان، وأخيراً جاءت كلمة جيمي ويلز، فبدأ بافتتاحيته المعتادة: يطلب من الحضور أن يقفوا على دفعاتٍ، بحسب عدد مؤتمرات ويكيمانيا التي حضروها، فقال أولاً: “من حضر مؤتمرات ويكيمانيا التسع!” ووقف بضع أشخاصٍ فقط، ثم أخذت المجموعة بالتزايد والتزايد، حتى أصبح كل من في القاعة واقفين. ثم أخذ بالتحدث عن آخر إنجازات الموسوعة، وأهمُّها تجاوز أربع لغاتٍ حاجز المليون مقالة، هي الروسية والإيطالية والإسبانية والسويدية، وكذلك الأخبار التقنية (الانتقال إلى https) ومؤسسة ويكيميديا (انتخاب مجلس الأمناء الجديد)، كما طرح فكرة مشروعٍ خاصٍّ به لتأسيس إعلام حر بديل، طلب المساعدة من الحضور في العمل عليه وبناء فكرته. كما ظهرت في الافتتاحية مديرة المؤسسة سو غاردنر لتودّع مجتمع ويكيميديا بعد أن أعلنت استقالتها قبل شهور، لكنّها أجلت كلمتها إلى ختام المؤتمر.

انطلاق الفعاليَّات الرئيسية:

الساحة الرئيسية لموقع المؤتمر، حيث تكون معظم الاستراحات والوجبات

بعد انتهاء الافتتاحية، انطلقت فعاليَّات المؤتمر الأساسي التي ستسمرُّ لثلاثة أيام. كانت أول محاضرةٍ توجَّهت إليها محاضرة مثيرة تتحدث عن البحث العلمي حول ويكيبيديا، حيث كان هناك أكثر من خمسمائة بحث علمي يتعلَّق بالموسوعة ومشاريعها الشقيقة في العام الماضي، وعرض لنا المحاضر نبذةً تاريخية مختصرة عن تطوُّر البحث العلمي حول ويكيبيديا، ثم تحدث عن عيّنات من نخبة البحوث التي نشرت عن ويكيبيديا في السنة الأخيرة، كان بينها بحث عن الطبيعة الموسوعية لويكيبيديا، وآخر عن مشروع ويكاموس (القاموس الحر). بعد ذلك، جاءت محاضرة أخرى عن استفتاء عامٍّ أجراه ويكيبيديّ سويدي بمساعدة آخر فنلندي لأعضاء البرلمان السويدي حول كيفية نظرهم واستعمالهم لويكيبيديا، وللمفاجأة كان معظم أعضاء البرلمان يؤمنون بموثوقية ويكيبيديا ويكثرون استعمالها على الدَّوام، بل وقد سبق وأن عدَّلت مقالتها نسبة جيّدة منهم! كما كانت هناك محاضرة ثالثة عن استفتاء لمحرّري ويكيبيديا. بعد الظهر، كانت هناك محاضرةٌ ممتازة للزميل زكريا عن كيفيَّة جعل واجهة ويكيبيديا أكثر سلاسة وبساطةً للمستخدمين الجدد، والمشاكل المختلفة التي تعاني منها الواجهة الحالية. بعد هذه المحاضرات، ذهبت إلى فعالية مختلفة: ورشة عمل، كان موضوعها مسابقة “Wiki Loves Monuments” (الويكي تهوى المعالم)، وهي مسابقة تصوير ينظّمها متطوعو ويكيبيديا لإثراء الموسوعة بالصور، وتعد حالياً بحسب كتاب غينيس للأرقام القياسيَّة أكبر مسابقة تصوير في العالم. هدف الورشة كان إعداد بروشورات دعائية لمسابقات مستقبلية محتملة، تسير على نفس نهج “الويكي تهوى المعالم”، انقسمنا إلى مجموعات، وباشرنا العمل. تألَّفت مجموعتنا من أربعة أشخاص: إسرائيلي ونيبالي وأمريكي جنوبي، إضافة إليّ! بعد المباحثات، خرجنا بفكرةٍ لمسابقة بعنوان “Requested Images” (صور مطلوبة)، أو اختصاراً “WikiRic”، فكرتها الأساسية هي إعداد قائمة بجميع مقالات ويكيبيديا التي لا زالت تفتقر إلى الصور، ثم تنظيم مسابقةٍ للحصول على صور لهذه المقالات. تمَّ عرض الأفكار التي خرجت بها المجموعات بعد انتهاء الورشة، وصوَّت الحضور للأفكار الأفضل، كان بروشورنا الأكثر حظاً من الأصوات! ليس ذلك فقط، بل بسبب عدد المتحمّسين للفكرة، يبدو أن هناك احتمالاً جيداً بأن تتحول هذه الفكرة إلى مسابقة حقيقية عمَّا قريب.

20130809_145243
بروشور WikiRic!!

استمرَّت الورشات والمحاضرات في الصباح التالي، لكنها – برأيي الشخصي – كانت أقلَّ تميُّزاً ولفتاً للنظر من محاضرات اليوم السابق. قابلنا على الغداء “طاي”، وهو رجلٌ أمريكي، عيَّنته مؤسسة ويكيميديا ليكون مدير برنامج ويكيبيديا للتعليم في الوطن العربي. لمفاجئتنا، كان الرجل يتحدث العربيَّة بطلاقة! في نهاية اليوم، كانت هناك محاضرة هامَّة لويكيبيديّين عرب، تتناول التحديات والمشاكل المختلفة التي تواجهها حالياً ويكيبيديا العربيَّة. تناولت المحاضرة عدداً كبيراً من المشاكل، لعلَّ أهمَّها رسائل الخطأ المتكررة التي تعيق محاولات تعديل الصفحات الطويلة في الموسوعة، إلى جانب الحاجة إلى منظّمة كـ”ويكيميديا الوطن العربي” في المنطقة. وقد كان هناك نقاش مستفيضٌ في أعقاب المحاضرة عن كلا هاتين المشكلتين، حيث حاجج البعض بأنَّ مشكلة تعديل الصفحات الطويلة – التي نعاني منها معاناة مأساوية منذ سنوات – قد تكون مجرَّد خلال تقني بسيط، وأما المنظمة الويكيميدية العربيَّة فقد أثارت جدلية كبيرة، حيث أن الشكل الحالي لهذه المنظَّمات – التي تعرف عادةً بـ”فروع مؤسسة ويكيميديا – يقضي بأن تكون أشبه بفروعٍ محلية للمؤسسة في أطر بلدانٍ معيَّنة، لا مناطق جغرافية، كحال العالم العربي. بعد أن لم يخرج الجدل بنتيجة تذكر، اتَّفق معنا مجموعة من الويكبيديين الإسرائيليين – وهم جانبٌ كبير، لسبب ما، من الحضور – على تنظيم لقاءٍ في اليوم التالي، لمتابعة المناقشة.

ختام المؤتمر!:

20130811_161022
وقفة تقدير لمنظّمي ويكيمانيا

ويبدأ اليوم الأخير بكلمة افتتاحية تلقيها سو غاردنر، مديرة مؤسسة ويكيميديا التنفيذية منذ ولادة المؤسسة قبل نحو عشر سنوات وحتى شهور قليلةٍ من الآن، حيث تلت علينا للمرَّة الأخيرة تقريرها السنويّ عن إنجازات المؤسسة، والمشاريع المستقبلية التي يتمُّ العمل عليها. بعد ذلك كانت هناك جلسة وداعٍ وتقدير لسو وجهودها الجبَّارة في بناء المؤسسة، ثم أطلقت فعاليات اليوم الخامس من المؤتمر. مع الأسف، فاتني حضور أغلب أنشطة هذا اليوم. فبعد انتهاء الافتتاحية مباشرةً أعلمتُ بأمر لقاء الويكيبيديّين الإسرائيليّين الذي سيكون وقت الغداء، وقبل بدء هذا اللقاء، أراد الويكيبيديون العرب أن نجتمع معاً ونناقش مع بعضنا البعض رؤيتنا لمنظمة “ويكيميديا الوطن العربي”، بحيث تكون لدينا فكرة واضحة عمَّا نريد قبل خوض أيّ نقاشاتٍ مع أجانب. لذلك قطعنا أغلب الأنشطة بين الفطور والغداء، وجلسنا في مناقشةٍ مستفيضة عن الشكل المحتمل للمنظَّمة التي نريدها لتمثيل العالم العربي، حيث طرحنا ثلاث خيارات: إمَّا أن نكوّن فرعاً رسمياً لمؤسسة ويكيميديا (وذلك غير محتمل، لأن المؤسسة لا تتقبَّل حتى الآن فكرة تأسيس فروعٍ خارج أطر الحدود السياسية)، أو منظَّمة “Thematic” (أشبه بغطاءٍ يجمع عدداً من المنظمات في مؤسسة واحدة، بحيث توحِّد العالم العربي)، أو مجموعة مستخدمين (وهو نوع من التنظيمات التي تقبلها مؤسسة ويكيميديا رسمياً، لكنها لا تدعمها كفروعٍ كاملة نظاميَّة، وميزتها أنها ليست محدودة بأيّ أطرٍ سياسية). بعد مناقشةٍ طويلة للأهداف والغايات والمتطلَّبات، رجَّح الحضور – بأغلبية بسيطة – خيار المنظمة الثيماتك، لأن هذه ستكون منظَّمة رسمية ذات كيانٍ قانوني، على عكس مجموعة المستخدمين، التي لا تمثّل سوى رابطة إلكترونية للمساهمين العرب.

صورة ويكيمانيا الختامية السنوية!

بعد الغداء، التقينا أخيراً بمجموعة الويكيبيديين الإسرائيليين (رغم مقاطعة أحد المحرّرين العرب للاجتماع)، كما التقينا معهم مسؤولاً من المؤسسة، جاء ليساعد في المناقشة. كانت البداية بمسألة المشكلة التقنية لتعديل الصفحات الطويلة على ويكيبيديا العربية، حيث تمَّ ترجيح أن سبب هذه المشكلة هو محض “Bug” في أحد الأنظمة المستعملة على الموقع، وتم اتخاذ بعض الإجراءات استعداداً لحلِّه. أما المسألة الأخرى، وهي منظمة “ويكيميديا الوطن العربي”، فقد ظلَّت غير واضحة. حيث خضنا مناقشة مستفيضة، حدَّثونا فيها عن خبراتهم ومعرفتهم السابقة بمجال فروع ويكيميديا (بحكم كون “ويكيميديا إسرائيل” أحد أنشط وأقوى فروع المؤسسة على الإطلاق)، ولفتوا انتباهنا إلى عددٍ من الجوانب التقنية التي تكتنف تأسيس المنظمة، والتي لم نكن على دراية كافيةٍ بها، وأهمُّها الجوانب القانونية من الأمر، وكذلك بعض المسائل الأخرى. لكن الاجتماع لم يستمرَّ طويلاً، حيث انقطعنا بسبب بدء الفقرة الختامية للمؤتمر قبل أن ننهي المناقشة. في ختام المؤتمر، ظهر مجلس أمناء مؤسسة ويكيميديا الجديد ليلقي كلمة، وخُصِّصت فقرة أسئلة وأجوبة للمهتمّين بطرح بعض الاستفسارات على المجلس. بعد ذلك، كانت هناك كلمة ختاميَّة للمنظّمين، ثم صعد إلى الخشبة منظّمو المؤتمر القادم: ويكيمانيا 2014 في لندن، حيث حدَّثونا بشكلٍ مختصرٍ عن المؤتمر الجديد وتجهيزاته وإعداداته، وبعد ذلك وقفنا تحيَّة للمنظّمين، ثم أخذنا الصورة الختامية السنويَّة (أحد تقاليد ويكيمانيا!)، وكانت النهاية بحفلةٍ على شاطئ رمليّ في هونغ كونغ… وهكذا، ينتهي أسبوعٌ رائعٌ في ويكيمانيا!