من المواضيع كثيرة الطرق في هذه الأيام، مسألة اللهجات العربيَّة في مواجهة اللغة العربية الفصيحة، وطبيعة المستقبل اللغويّ القادم في الوطن العربي، أو حتى الحال الآنية للغة في كثيرٍ من الأحيان. بالواقع، إنها مسألة تستحقُّ الاهتمام، فهي ذات أهميَّة كبيرةٍ بل وحاسمة بالنسبة للمستقبل الذي سنختاره لأنفسنا كعرب، والطريق الذي سنسلكه في لغتنا، هل نتخلَّى عنها إلى الأبد، أم نتمسَّك بها، أم ما هو الحل؟ مهما كان الأمر، فإنَّه من المؤكد أن الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر طويلاً، لأننا الآن في حالة انقسامٍ لغويّ وضياعٍ للهوية اللغوية، في معركةٍ بين لغاتٍ متعددة تنافس بعضها، ولا بد في نهاية المطاف أن تتغلَّب إحداها على الأخريات لتصبح لنا لغة أم حقيقية.

قبل ردحٍ من الزمن الله وحده هو العليم به، نزل إلى سطح الأرض أول بني البشر على الإطلاق: آدم وحواء. لا ندري إن كانا يتحدَّثان لغة معينة في ذلك الوقت، أم أن اللغة بدأت بالتطور بالتدريج فيما بعد، لكن على كلّ حال، لا بد أن البشر القليلين الذين عاشوا آنذاك من ذريّتهما كانوا متّفقين على وسيلة تواصلٍ واحدة واضحةٍ، يستعملها الجميع. على الرُّغم من ذلك، لدينا الآن على الأرض آلاف اللغات التي يتحدثها الناس في كل أصقاع العالم، فمن أين جاءت كل هذه اللغات؟ من الذي اخترعها ووضعها لنا؟

إن اللغة، مثلها في ذلك مثل كلّ شيءٍ نستعمله نحن البشر، هي أداةٌ دائمة التطوُّر والتغيُّر. حديث الناس يتغيَّر باستمرارٍ، وببطء، لكنه يحدث فارقاً طويلاً على مر الزمن. فقد يبتدع برنامج تلفزيوني مثلاً عبارةً ما، فتشيع بين الناس، ثم تصبح متداولة أكثر فأكثر، ثم تتحوَّل في نهاية المطاف إلى مصطلحٍ جديدٍ دارجٍ في لغة المجتمع. ومع الوقت، قد ننسى كلماتٍ كان يستعملها أجدادنا القدامى، ونستعيض عنها بكلماتٍ أخرى جديدةٍ تبدو لنا أكثر عصرية وجاذبية، فتنقرض تلك المصطلحات من لغتنا. بهذه الطريقة، تتبدَّل اللغات باستمرار وبتدريجٍ كبير، حتى تنبثق عنها لغات جديدة تحلُّ محل تلك القديمة.

بعد أن بدأ البشر من ذرية آدم وحواء يتكاثرون وينتشرون في الأرض، بدأت المسافات بينهم تتباعد باستمرار، ولأن وسائل النقل والمواصلات في ذلك العصر كانت محدودة وشاقة وتأخذ وقتاً طويلاً، فإن الاحتكاك والاتصال بين جماعات البشر أخذ يقلُّ ويتدنى باستمرار. لذلك، بدأت اللغة عند كلّ جماعةٍ من البشر تتطور باستقلالية تامة عن الجماعات الأخرى. فإذا فرضنا أن هناك برنامجاً تلفزيونياً محلياً يذاع في منطقتك أو مدينتك أدخل مصطلحاً جديداً إلى لغة أهل المدينة، لن يعلم أهالي المدن المجاورة بهذا المصطلح، وعندما تستخدمه أمامهم لن يفهموا معناه كما تفهمه أنت وأهل مدينتك. وبنفس الطريقة، لم يكن البشر البعيدون عن منطقتك ليعرفوا في ذلك الزمن التطورات الجديدة التي تطرأ على لغتكم، وأنت لم تكن لتعرف التطورات التي طرأت على لغتهم هم. مع الوقت، سيصبح لكلٌّ منكم لغته الخاصة به، ولن يستطيع أحد منكم فهم كلام الآخر.

هذا هو الأسلوب الذي تطورت به لغات البشر، لذا كلُّما بعدت المسافة، وزادت الحواجز الجغرافية الفاصلة بين المناطق المختلفة، مثل البحار الواسعة أو الجبال الشاهقة صعبة الاجتياز، كان الاتصال البشري أقلَّ وأقل، وكان اختلاف اللغة والمصطلحات أكبر وأوسع.

إلا إنَّ هناك مسألة مهمة هنا. فاللغات الجديدة لا تنبثق بليلةٍ وضحاها، إن هذه العملية بحاجةٍ إلى الوقت، بل والكثير من الوقت، التحول يحصل ببطء، وهذا طبعاً يعني تحوراً تدريجياً في اللغة. هنا يأتي أخيراً ما يُسمَّى اللهجات، فاللهجات ليست إلا مرحلة انتقالية بين اللغة واللغة الأخرى، أي بالإمكان وصفها بأنها “مشاريع لغات”، لكنها بحاجةٍ إلى الوقت لتصبح لغاتٍ حقيقية، لذلك فإن اللهجات قد وجدت دائماً في تاريخ العرب وغيرهم من الشعوب. ولهذا السبب تحديداً، لا يمكن أن تحكم بثقة على هذه بأنها لهجة وتلك لغة، لأن الاختلاف متدرّج للغاية، ليس هناك أبيض وأسود، ما هو لهجة اليوم قد يصبح لغة غداً، وقد تكون إحدى اللهجات مختلفة عن لغتها الأم أكثر من اللهجات الأخرى أو أقل، بحسب انعزال متحدثيها الجغرافي عن باقي متحدثي اللغة.

في الوقت الحالي، تلك هي المشكلة التي نواجهها في الوطن العربي. لقد تسبَّب اتساع المساحات وتباعد البلاد العربية عن بضعها البعض، بتقليل الاحتكاك والاتصال اللغويّ على مدى قرونٍ من الزمن، ممَّا تسبَّب بنشوء فوارق وفجواتٍ متسعة بين اللهجات العربية، التي بات يعتقد البعض أنها قد أصبحت بالفعل ترقى إلى منزلة اللغات، بينما يرى البعض الآخر أنها ليست كذلك، وأن الفجوة بينها وبين العربية الفصيحة لا زالت صغيرة نسبياً.

لعلَّه من المفيد قبل أن نتخذ قراراً بخصوص حلّ مشكلتنا العويصة، أن نلقي نظرة على طريقة تعاطي الأمم الأخرى مع هذه المشكلة، والحلول التي اختبروها لها. كما أسلفنا، إن اللهجات هي جزءٌ من عملية التطور الطبيعية للغة، ولقد كان اختلاف اللغات وتباعدها على مرّ الزمن مشكلة اضطرَّ بنو البشر للتعامل معها بطرقٍ وأساليب مختلفة، وقد ظهرت أكثرها في العصر الحديث مع تطور المعرفة الإنسانية وانعكاسها على طريقة التعاطي مع اللغات.

والحال هذه، وجدت الكثير من دول العالم نفسها، مع بزوغ فجر عصر النهضة، منقسمة بين لغاتٍ ولهجات لا حصر لها. ففي إيطاليا مثلاً، قُسّمت الدولة لقرونٍ طويلةٍ إلى الكثير من الدويلات الصغيرة، التي خاضت مع بعضها البعض الحروب وانقطعت بينها العلاقات السياسية وطرق التجارة لسنين وعقود، وتباعدت اللهجات كثيراً بين أنحاء شبه الجزيرة الإيطالية حتى تحوَّلت الكثير منها إلى لغاتٍ مستقلّة. إلا إنَّ الأكاديميين واللغويين قادوا في عصر النهضة (بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر) حملة كبيرة لصياغة لغةٍ موحَّدة ليتحدث بها جميع سكان البلاد، ونجحوا على مدى عدَّة أجيالٍ بمحو جميع اللغات القديمة واستبدالها بلغةٍ موحدة مستمدَّة من اللغة الإيطالية القديمة، مع قدرٍ من التحوير والتطوير.

الانقسام اللغوي في هولندا

في السويد، كان هناك تفرُّق مشابهٌ (وإن على نطاقٍ أقل، نتيجة الاتصال الجغرافي الأكبر ووحدة الدولة) في اللغة المستعملة. فمثل ما يحدث دوماً، كانت هناك فروقات في اللهجات بين أهل المدن والأرياف، وكان هناك بعض الاختلاف في اللغة المستعملة بين أنحاء السويد. لكن خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر بدأت الحكومة بإرساء نظامٍ تعليميٍّ حديث في البلاد يعتمد على لغة فصيحة قياسية، ومع الوقت، أخذت هذه اللغة تطغى على الكتب والمؤلفات المنشورة، فتلبورت لغة وطنية جديدة وحديثة طُوِّرت على أيدي الأكاديميين واللغويين لتكون لها قواعد واضحة ومبسطة قدر الإمكان. وبالفعل أصبحت هذه هي اللغة السائدة الآن في جميع أنحاء السويد، ولم تبقى سوى مناطق ريفية قليلة ومنعزلة تستعمل اللهجات المحلية القديمة.

في أماكن أخرى، اختارت الدولة الوقوف على الحياد، وتركت الأمور تسير على حالها، فلا زال الانقسام قائماً بين اللغة واللهجة بدرجاتٍ تتفاوت من منطقة إلى الأخرى. فهولندا مثلاً تضمُّ – على الرغم من صغرها – أكثر من عشر لهجاتٍ مختلفة، وجميع هذه اللهجات معترفٌ بها على نطاقٍ واسعٍ على أنها لغات مستقلَّة، وجميعها بدون استثناءٍ لديها رموز آيزو خاصة بها، وهذه هي الرموز القياسية الذي يعطيها معهد اللغات العالمي (أكبر جهةٍ مسؤولةٍ عن اللغات حالياً في العالم) لأي “لسانٍ” يعترف به كلغةٍ حقيقية مستقلة. وهذه هي نفس الحال في أسكتلندا، حيث يعتبر ثلث سكانها لهجتهم لغة حقيقية مستقلة عن اللغة الإنكليزية، وثلاثة أرباعهم لا يعترضون على تصنيفها كذلك في يومٍ من الأيام، وفي الوقت الحالي لا زال الجدل قائماً بشأن ما إذا كانت الأسكلتندية لغة أم لهجة، إلا إنَّ معهد اللغات العالمي يعترف بها هي أيضاً كلغة قائمةٍ بذاتها ويمنحها رمزاً خاصاً بها.

ونحن حالتنا شبيهة بهاتين الحالتين، إذ إن عندنا جدلاً بقدرٍ مقارب فيما يختص باللغات واللهجات. وكما هي الحال مع اللهجات الهولندية والأسكلتندية، يعتبر معهد اللغات العالمي معظم اللهجات العربية لغاتٍ مستقلة، إلا إنَّه يربط أيضاً بين بعضها البعض أكثر من غيرها، فيُصنِّفها معاً في مجموعة مستقلّة عن اللغات الأخرى على أنها “عائلة اللغات العربية”، وهي عائلة لغاتٍ صغيرة الحجم تضمُّ الفصحى مع سائر اللهجات. هذا يعني أنَّنا قد وصلنا الآن إلى مرحلةٍ متقدّمة من تطوُّر اللهجات، اتسعت فيها الفجوة بيننا حتى شارفت لهجاتنا على أن تتحوَّل إلى لغات قائمة بذاتها، إلا إنَّنا مع ذلك لا زلنا مرتبطين بقدرٍ ما، ونحن نحافظ حتى الآن على مستوى جيّد من “الفهم المتبادل” خصوصاً مع مساعدة الإعلام الحديث الذي ربط أنحاء الوطن العربي ببعضها البعض، والفهم المتبادل هو مصطلحٌ يشير إلى قدرة رجلين يتحدثان لهجتين أو لغتين مختلفتين على فهم كلام بعضهما دون مساعدة.

في وقتنا هذا، لا زالت مشكلة اللهجات آخذة في التفاقم والتدهور يوماً بعد يوم. وأضيفت إليها مشكلة جديدة، هي العولمة وانعكاس الغزو الثقافي الأجنبي على اللغة، فزاد الوضع تعقيداً بأن دخلت اللغة الإنكليزية المنافسة لتواجه العربية الفصحى واللهجات المحلية معاً، وأصبحت المصطلحات الأجنبية رائجة بين الشباب بشكلٍ متزايد. وفي بلاد المغرب العربيّ، يذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، حيث تدخل اللغة الفرنسية هي الأخرى وربَّما أقوى من جميع اللغات الأخرى، لتترك أبناء البلاد مُمزَّقين تماماً بين أربع هويَّاتٍ لغوية.

قد نستطيع تجاهل المشكلة أو تأجيلها الآن (كما يحصل فعلاً)، لكن في يومٍ من الأيام، سيكون محتماً لنا أن نتخذ القرار الحاسم في هذا الخصوص، أو أن الأمر الواقع سيفرضه فرضاً بطريقةٍ أو بأخرى. لكن عندما نتخذ القرار، سيكون حتمياً لنا أيضاً أن نختار خياراً واحداً فقط ليكون لغة الشعوب العربيَّة: إما العربيَّة الفصحى، وإما اللهجات المحلية.

التوزيع الجغرافي للهجات العربية

لا أدري في الحقيقة ماذا يمكن أن تختار الشعوب العربيَّة من بين هذين، وإن كنت أعتقد أن اقتراعاً عاماً في هذا الخصوص سيجلب نتائج متقاربة لكليهما. عن نفسي، فإنني أؤمن بأن وظيفة اللغة التي اخترعت لأجلها أولاً وأخيراً هي تسهيل التواصل بين الناس، وتيسير تناقل الأفكار والآراء بين بعضهم البعض، والتعرف على بعضهم. وإن كانت اللهجات المحلية هي الأسهل لتحقيق هذا الغرض الآن، ضمن نطاق كل دولةٍ أو منطقةٍ في الوطن العربي، فإن فائدتها تضمحلُّ تماماً عند الابتعاد قليلاً عن منطقتها. بالمقابل، فإن اللغة العربيَّة الفصحى، وإن كان نشرها أكثر صعوبة الآن، فهي توفّر لنا أداة تواصلٍ هائلةٍ تجمع نصف مليار إنسانٍ معاً وتوفّر لهم وسيلة اتصال مشتركة، ذلك يعادل 5% من سكان الكوكب، بالنسبة لي، فإن لغة تواصل مشتركة بين خمسة في المائة من أهل الكرة الأرضية هي كنزٌ نفيسٌ لا يقدر بثمن، والتضحية به ستكون مؤسفة بحق.

كذلك، وإن كنت سأوضع أمام هذين الخيارين، فإني سأكون مجبراً على دفع لغةٍ للانقراض من على وجه الأرض في كلتا الحالتين، سواء عاجلاً أم آجلاً. في هذه الحالة، وإن كان التطبيق أصعب، فإنني سأميل إلى اللغة الأغنى تراثاً والأثرى تاريخاً، لأنها هي اللغة التي سيُخلِّف انقراضها الخسائر الأكبر والأعظم، وهي اللغة العربية الفصحى. والأهم من ذلك، أنها لغة القرآن والسنة، وكلُّ التراث الديني الإسلامي وضعت بها، وبدون هذه اللغة، سنصبح فاقدين لارتباطٍ شديد الأهمية لنا بديننا، وسيكون من الصَّعب والعسير إعادته مجدداً.

لقد تمزَّقت طفولتي وحياتي المبكرة بين ثلاث بلدانٍ عربيَّة مختلفة. ذلك جعلني أفقد تماماً هويَّتي الوطنية أو الإقليمية، ولم أعد أستطيع أن أدين بالانتماء والولاء إلا للأمة العربية بأكملها، دون تمييزٍ بين هذه الدولة أو تلك، وهذا الخط الحدودي أو ذاك. وهذا ما جعلني أشعر بالاعتزاز باللغة العربية الفصحى، لأنها وفَّرت لي دوماً قدرة سهلة على التواصل مع جميع العرب، مهما كانت لهجاتهم مختلفةً عني. بغض النظر عن الروابط الدينية والثقافية والتاريخية، فإني أؤمن بأن الاتحاد هو دوماً أفضل من الفرقة، ليس بين العرب فقط، أو المسلمين فقط، بل بين كلّ البشرية. من الأفضل دوماً أن تكون الحواجز والعوائق أقلَّ بين بني البشر، فلا معنى لخلق الحواجز اللغوية أو الجغرافية دون ضرورة، ومن الأجمل دائماً أن يتمكَّن الناس من التواصل والاختلاط ببعضهم البعض بسهولةٍ وراحة أكثر.

الكاتب: عبَّاد مجاهد ديرانية