شوارع السادات المهجورة!

اصطحبني صديقي كمال إلى مدينة السَّادات، وهي مدينة حديثة نسبياً تقع على مسافة مائة كيلومترٍ شمال غرب القاهرة، وكان قد بناها الرئيس المصري السابق أنور السادات في أيامه الأخيرة، ويُقَال إنه كان يخطط لجعلها العاصمة المصرية، إلا إنَّ ذلك لم يحدث قط. الآن، السادات هي مدينة هادئة قليلة السكان، وفي الوقت ذاته متطورة وحديثة إلى حد كبير مقارنة بباقي مدن مصر، كما إنَّ مساحتها كبيرة جداً إلا إنَّ القليل منها مُعمَّرٌ حتى الآن، وقد يعود ذلك عليها بمستقبلٍ اعدٍ في السنوات القادمة.

كانت الخطة تقتضي أن أجرّب في اليوم الأول الأكلة المصرية النموذجية “الكشري”، إلا إنّ الوقت لم يسمح بذلك، فتعشينا في أحد المطاعم السريعة، ثم أخذني إلى منزله. في صباح اليوم التالي كنا متوجّهين إلى القاهرة، لكن في اللحظة الأخيرة طرأ أمر منع كمال من القدوم، فذهبت مع صديقنا فارس الذي يقيم في المدينة نفسها (السادات).

كان عندنا في ذلك الصباح لقاء مع مجموعةٍ من ويكيبيديّي مصر و”سفراء ويكيبيديا”، وهي تسمية نطلقها على أعضاء مشروع لتطوير ويكيبيديا اسمه “برنامج ويكيبيديا التعليمي”، يعتمد على عمل ويكيبيديا جزءاً من المناهج الدراسية لطلبة الجامعات لكي يساعدوا في كتابة وتطوير مقالاتها كجزءٍ من دراستهم. وهذا البرنامج عالميّ موجود في بلدانٍ عديدة، من أهمّها الولايات المتحدة والبرازيل والهند، وقد كانت مصر من أولى البلاد التي توسَّع إليها عقب تأسيسه، فأطلق فيها رسمياً قبل سنتين، وقد تقرَّر أن يتوسع البرنامج في هذا العام ليشمل ثلاث بلدانٍ عربية جديدة هي الأردن والجزائر والسعودية، ومديره الحالي في كامل الوطن العربي هو صديقي فارس. على كلّ حال، لم يأتي طارئ كمال هذا في الوقت المناسب. فقد كنا متأخرين بالفعل، وكان يفترض أن نذهب معاً بسيارته، لكن الآن أصبحنا مضطرين لركوب الحافلة إلى القاهرة. انطلقنا مسرعين وخرجنا إلى الطريق السريع فوراً عوضاً عن محطة الحافلات، لأن الحافلة كانت قد انطلقت بالفعل وقتها، لكن بحمد الله تمكنَّا من الوصول في الوقت المناسب، قبل مرورها بدقيقةٍ أو اثنتين فحسب.

كان لقاء الويكيبيديين في مدينة الجيزة، وهي منطقة متصلة عمرانياً تماماً بباقي القاهرة الآن، إلا إنَّها كانت فيما مضى مدينة مستقلة، ولا زال معظم الناس يعتبرونها مدينة، رغم الجدل المتكرر الذي دار بيني وبين فارس في هذا الخصوص! كان اللقاء لطيفاً، جلسنا لنحو ساعتين في مقهى وناقشنا أموراً مختلفة، كانت أغلبها متعلّقة بويكيبيديا وبرنامج التعليم في مصر بشكلٍ أساسي، إلا إننا تطرَّقنا أيضاً إلى بعض الموضوعات العامَّة. بعد أن افترقنا استقلَّيت المترو مع فارس إلى الضفة المقابلة من النيل (الضفة الشرقية)، حيث يقع حيّ “مصر القديمة”، وهو حيّ أثري يضم معظم الآثار القبطية والإسلامية الهامة في القاهرة، ومعظمه من آثار مدينة الفسطاط القديمة.

من داخل الكنيسة المعلقة

ما إن نزلت من المترو، حتى وجدت في وجهي مبنى هائلاً دائريَّ الشكل، يبدو كقلعة حصينة عاتية، فقال لي فارس أنه حصن بابليون القديم، الذي قضى الكثير من المسلمون في سبيل فتحه، والذي كان العائق الأكبر في وجههم خلال فتح مصر. بدأنا جولتنا في المنطقة بالكنيسة المعلقة، وهي كنيسة أثرية شُيِّدت بين عمودين كبيرين، فعندما تنظر إلى الفراغات بين ألواحها الخشبية ترى الأرض أسفل قدميك. بعد ذلك دخلنا ممرَّات المدينة، وزرنا كنيسة مارجرس، وتوجهنا بعد ذلك إلى المتحف القبطي. لم نكد ندخل المتحف حتى جاء أحد الموظفين يخبرنا أنهم عل وشك إقفال المتحف، وأن علينا الإسراع، فأخذنا نقفز في عجلةٍ من قاعة إلى أخرى، وخرجنا منه قبل أذان المغرب بقليل. كان علينا الذهاب الآن، لأن كمال في انتظارنا لإعادتنا إلى السادات، لكنني أصرَّيت على رؤية معلمٍ أخير قبل الرحيل، وهو جامع عمرو بن العاص. ولم أندم على ذلك. لقد كان الجامع جميلاً جداً، ذا بلاطٍ رخامي لمَّاع، وفيه سحر جذّابٌ جداً، ومع أنه خالٍ تقريباً من العالم المميزة أو السّمات الفريدة، فهو في معظمه مجرد سجاجيد تتخلَّلها أعمدة وقناطر خشبية بنمطٍ تكراري خالص، إلا إن التجول فيه مع ذلك كان ممتعاً.

مررنا في طريق العودة على مدينة 6 أكتوبر، وهي من المدن المصرية الواعدة وسريعة التطور، إذ إنها توفّر مسكناً جيداً قريباً من القاهرة، وفي الآن ذاته لا تعاني من زحامها وأزماتها المرورية وصعوبة استئجار المنازل. أكلنا عشاءنا هناك، إذ إننا كنا لم نأكل شيئاً منذ فطور الصَّباح، وقد فكرنا في البداية أن آكل الآن الكشري المنشود الذي يتحدث عنه الجميع، إلا إنَّ كمال الذي يعشق الأكل الهندي أصرَّ على أن يطعمنا من مطعم هندي يحبّه كثيراً هناك! وكان ذلك، فأكلت دجاج “المسالا”، وهو لم يكن سيئاً بالواقع.

عدنا أدراجنا إلى السادات. كان اليوم التالي يوم جمعة، وهذا اليوم في مصر وفي تلك الفترة (التي كانت توافق ذكرى الثورة المصرية) هو يوم حالة الطوارئ العالمية، حيث يجلس الجميع بالمنازل ويقفلون الشبابيك ويوصدون الأبواب، ويحصّنون الجدران بالحديد المسلح والفولاذ المصفَّح والمعدن المدرَّع. وكنا نخطط أنا وفارس وكمال للذهاب إلى الإسكندرية في هذا اليوم، فوقعنا في مشكلةٍ عويصة، وأصدر الأهل قراراً بحظر الخروج، وبعد الخوض في مفاوضات وتحاورات وتواسطات ومبادرات سلام مطولة، حصلنا أخيراً على الموافقة المنشودة للذهاب، فانطلقنا صباحاً متّجهين إلى الإسكندرية.

بحيرة مريوط، جنوب الإسكندرية
بحيرة مريوط، جنوب الإسكندرية

مررنا في الطريق على بحيرةٍ كبيرة جميلة جداً، تحيط بها أعشابٌ صفراء طويلة، ومياهها داكنة كثيراً بسبب ملوحتها الشديدة، واسم هذه البحيرة هو “بحيرة مريوط”. ثم عبرنا بوابة الإسكندرية، ودخلنا المدينة. أول ما دخلنا الإسكندرية كنا نسير في شارع مستقيم عريض، محاطٍ بالأبنية الطويلة من على الجانبين، وفي الأفق بدأ يبزغ لون أزرق ساحر. لقد كانت تلك شواطئ البحر الأبيض المتوسّط! البحران الوحيدان اللذين سبق وأن شاهدتهما في حياتي كانا البحر الأحمر والخليج العربي، وأما مشاهدة البحر المتوسط، فهي لتجربة مختلفة جذرياً. فمياه البحر الأحمر داكنة، باهتة، كئيبة، وإنه لذلك سُمّي “الأحمر”، وأما البحر “الأبيض” فإنه صافٍ ومشرقُ وجميل جداً. لقد كانت مشاهدته تجربة رائعة.

اتجهنا في البداية صوبة مكتبة الإسكندرية، فهي أحد أهم المعالم التي قدمنا لزيارتها، وكانت بجانبها أيضاً قبة سماوية تقيم عروضاً عن الفلك. إلا إنَّنا فوجئنا هناك بحقيقة أن المكتبة والقبة مغلقان الآن، لأن اليوم هو الجمعة! فأخذنا نجوب شوارع الإسكندرية، وقد كان ذلك بحدّ ذاته ممتعاً. الإسكندرية مدينة منظمة جداً، فهي مؤلَّفة بالكامل تقريباً من شوارع مستقيمة تتجه شمالاً تماماً لتنتهي على ساحل البحر المتوسط مباشرةً، وعلى البحر هنالك شارعان (ذاهبٌ وقادم) لكلّ منهما مسربان، يسيران بموازاة شاطئ البحر دائماً، وتلتقي بهما جميع الشوارع الأخرى. وأما النمط المعماري في المددينة فهو فريدٌ وجذاب جداً، وفيه روحٌ قديمة وعتيقة إلى حدّ ما. بالواقع، ليس هنالك أدنى مجالٍ للمقارنة بين القاهرة والإسكندرية.

زرنا بعد ذلك قصر المنتزه، وهو أحد القصور الملكية القديمة في مصر، وكان قد بني على يد الخيدوي إسماعيل، أما الآن فهو وجهة عامة للتنزه والتفسُّح لأهالي المدينة. القصر نفسه مغلقٌ بسياجٍ وتحرسه مجموعة من العساكر، إلا إنَّ كل الحدائق الجميلة المحيطة به مفتوحة للعامة للتجوُّل فيها كيفما شاؤوا. مررنا أيضاً على شارع النبي دانيال الشهير، وهو شارع معروفٌ لبيع الكتب وخصوصاً الكتب المستعملة، يشبه إلى حدّ بعيد سوق الأزبكية في القاهرة. أخيراً، حان وقت الكشري.

ذهبنا إلى أحد المطاعم المشهورة بالكشري، وإن كنت مع الأسف قد نسيت ما كان اسمه، وتغذينا هناك الكشري العظيم! والكشري هذا هو خليطٌ من كل أشكال وألوان الطعام التي يمكنك تخيُّلها مجموعةً في طبقٍ واحد: معكرونة، أرز، عدس، حمص، بصل! إلا إنَّ عليَّ الإقرار رغم ذلك بأن طعمه لذيذ، كما إنه صحيّ للغاية ويحتوي الكثير من المواد الغذائية الهامة. بعد تذوّق الكشري الموعود كنا قد انتهينا تقريباً من جولتنا، فختمناها بأن ركبنا “ترام الإسكندرية”، وهو بديل (جزئي!) لمترو أنفاق القاهرة، لكنه أبطأ بـ”قليل”، وأقل زحاماً بـ”قليل”، ويسير فوق الأرض. والواقع أن تجربة ركوبه كانت ممتعة ومريحة، فهو على عكس المترو هادئٌ ومريحٌ ولا تضطر فيه للتصادم والتدافع مع الآخرين طوال الرحلة لتحافظ لنفسك على مكانٍ تقف فيه.

وعدنا أدراجنا مرَّة أخرى إلى السادات، وقد كنا محطمّين يومها، فكنا منذ ثلاثة أيَّامٍ نستيقظ باستمرارٍ في الصَّباح الباكر (السادسة أو السابعة صباحاً)، ولا ننام إلا قبل الفجر بساعتين أو ثلاث على أقصى تقدير. إلا إنَّنا كنا جائعين جداً، فطهى لي كمال دجاجه الهندي العجيب بنفسه، والحقيقة أنه لم يختلف عن ذلك الذي كنا قد اشتريناه من المطعم في الليلة السابقة. كان اليوم التالي هو يومي الأخير في مصر قبل السفر، ولذا كان هذا اليوم محجوزاً لملكة الآثار: أهرامات الجيزة. لكننا تأخَّرنا، فوصلنا إلى هناك عند الساعة الثالثة ظهراً، والإغلاق في الخامسة. تجولنا قليلاً بين الأهرامات، ثم دخلنا عدداً من المعابد الصغيرة المجاورة لها، وكانت هذه المعابد صغيرة بحجم الغرفة العادية، إلا إنَّها كانت جذابة جداً. فقد نحتت على جدرانها قصصٌ وحكاياتٌ كاملةٌ بدقّة بالغة وفنية هائلة، وكان مجرَّد النظر إليها وإلى دقة نحتها، وتخيُّل أنها حفرت قبل خمسة آلافٍ عامٍ من هذه اللحظة التي تقف فيها أمامها على أيدي أناسٍ آخر، أمراً ممتعاً ومثيراً للغاية. في المعبد الذي دخلناه، كانت تُصوِّر الجدران كيفية اقتياد الأضاحي من الثيران والماشية وفدائها لأجل الآلهة، كما اعتقد المصريُّون القدماء.

من داخل معبد مراكب الشمس

ذهبنا إلى الناحية الأخرى من الأهرام، حيث معبد مراكب الشمس. بالطريق، كان يعلق بنا كل خمس خطوات رجل ليقعنعا بركوب الخيول أو الجمال أو البغال أو الماعز البري، ولا يقتنع بأننا فعلاً لا نريد الركوب إلا بعد مدة لا تقل عن عشر دقائق إلى خمسة عشر دقيقة من الإلحاح غير المنقطع. وبعد ذلك بقليلٍ كنا نمرُّ بأناسٍ يتشاجرون معهم وينعتونهم بالغشاشين! والحمد لله أدنا أفدنا من تجارب هؤلاء وتجاهلنا كلّ عروض الركوب. وصلنا بعد قليلٍ معبد مراكب الشمس، حيث يعرض مركبٌ خشبيٌّ هائل اكتشف في قبر أحد الفراعنة، وكان قد دفنه معه لاعتقاده أنه سيقلّه على متنه إلى العالم الآخر.

طلبوا منا عند دخولنا لبس أكياس قماشية فوق أحذيتنا، وبصراحة لا أدري ما هو غرضها تحديداً، فنحن لسنا داخل مبنى أثري بل بناء عُمّر قبل خمس سنوات! دخلنا أولاً إلى صالة للمنتجات السياحية، ثم مررنا بعددٍ من المُجسَّمات المصغرة للمركب. ثم وصلنا إلى الصالة الرئيسية، حيث وضعت في حفرةٍ بالأرض نحو عشر كتلٍ حجرية عملاقة! كانت تلك الأحجار التي بني عليها المركب قبل خمسة آلاف عام، قبل أن يدفن مع فرعونه تحت رمال الصحراء. صعدنا درجاً عالياً بعد ذلك، حتى وصلنا منصَّة أشبه بالشرفة، وقد عُلِّق مقابلها على السقف المركب الخشبي الهائل. كان بناؤه متقناً جداً وكان محفوظاً بحالةٍ جيدة للغاية على الرُّغم من قدمه الشديد.

بعد ذلك نزلنا الهضبة نحو أبو أبو الهول، الذي بني بعيداً قليلاً عن باقي الأهرامات. وشاهدنا أنفه المكسور الشهير، وقضينا بعض الوقت عنده، ثم تعشَّينا وافترقنا، حيث كان كمال مضطراً للعودة إلى السادات. وأما فارس فكان آخر من بقي معي قبل الرحيل، حيث اصطحبني إلى محطة رمسيس، الشهيرة، والتقطنا هناك عدداً من الصور لأجل ويكيبيديا، ثم ودعته وركبت الأوتوبيس إلى مدينة نصر، وقضيت هناك ليلتي الأخيرة عند أحد أقربائي، ورحلت ظهر اليوم التالي، مودّعاً عشرة أيام رائعةٍ قضيتها في أحضان مصر!