في ورشة أكسفورد عن ويكيبيديا بالشرق الأوسط
في ورشة أكسفورد عن ويكيبيديا بالشرق الأوسط

قبل أيام قليلة، عدتُ إلى منزلي وعائلتي، بعد أن فارقتهم لثلاثة شهورٍ كاملة في الخارج. خضت في هذه الشهور الثلاث المنصرمة تجارب كثيرة ومتنوّعة جداً، لم أخض مثلها من قبل في حياتي، لقد تعرَّفت على الكثير من الأشخاص، رأيت الكثير من الأماكن، تعلَّمت الكثير من الأشياء. كانت أياماً لا توصف بالنسبة لي. لقد وظَّبت أغراضي بدايةً، وحزمت حقيبة سفري لأنطلق من دون أحد، في أول سفرٍ وحيد لي على الإطلاق، متّجهاً إلى عمَّان، حيث كنت مدعوُّاً إلى ورشة أكسفورد، التي كنت قد دوَّنت عنها قبل شهرين، ومن هناك كانت البداية.

كانت ليلة شتوية باردة غريبة، وكنت عائداً إلى المنزل متعباً ومرهقاً بعد يوم حافل، عندما وجدت في بريدي تلك الرسالة من معهد أكسفورد للإنترنت، حيث دعتني على نحوٍ مفاجئٍ إلى حضور ورشة عمل عن ويكيبيديا في الشرق الأوسط، ستقام في نهاية يناير القادم. ومن ثمَّ تبعتها دعوة أخرى لحضور المؤتمر الختامي للنسخة الثالثة من برنامج ويكيبيديا التعليمي في مصر (وهو برنامج يهدف إلى جعل طلبة الجامعات يساهمون في تطوير مقالات ويكيبيديا وتحسينها)، وذلك بعد المناسبة الأولى بأسبوعين فقط! أحسست فجأة بأن نمط حياتي بدأ بالتغير، لم يحصل معي مطلقاً من قبل أن أتلقى دعوة رسميَّة لحضور أية مناسبة، والأدهى من ذلك أن تكون خارج بلد سكني!

في مساء السابع والعشرين من يناير الفائت، صعدت إلى غرفتي ووظَّبت أغراضي بعد ليلة طويلةٍ مرهقة، على أن أنطلق إلى مصر في صباح الغد مع أحد أصدقائي. كان والداي يودَّان حضور معرض الكتاب الدولي بالقاهرة بالتَّزامن تقريباً مع موعد المؤتمر، لذلك قرَّرت الذهاب معهما، فقد كنت متشوقاً لحضور معرضٍ للكتاب منذ زمن طويل، وهي فرصةٌ لم تتح لي مدينة سكني. في اليوم التالي، استيقظت ظهراً، ونظرت من النافذة، وقد تملَّكتني مشاعر الخوف والذعر، رفعت ساعتي ونظرت إليها جيداً. كانت الطائرة قد أقلعت منذ ساعتين.

بعد تلك الحادثة المؤلمة التي لا أحبّ تذكُّرها، اضطررت للذهاب إلى منزل أحد أقربائي، حيث تدبَّرت سريعاً أمر حجزٍ جديد في المساء، وبفضل الله تمكَّنت من الوصول إلى القاهرة وقت العشاء، حيث كان أهلي بانتظاري في المطار بعد أن سبقوني بساعةٍ تقريباً. وهكذا بدأت مشواري في القاهرة.

معرض لقاهرة
جانبٌ من حصيلة معرض الكتاب، علماً أن بعضها ليست لي بل لوالدي

انطلقت صباح اليوم إلى معرض الكتاب، وأصبحت أتردَّد عليه كلَّ يومٍ من الصباح الباكر حتى المساء، ثم أعود متعباً إلى الفندق حاملاً معي حصيلة اليوم لأتفقدَّها وأتحفَّصها عن كثبٍ باستمتاعٍ كبير. بقيت على هذه الحال لنحو الأسبوع، حتى تجمَّع عندي جبلان صغيران من الكتب. كانت بعضها لإرضاء فضولي واهتماماتي، وبعضها الآخر لإطلاعي على مواضيع هامَّة لا أعرفها بالشكل الكافي، وكان هناك أيضاً نصيبٌ هامٌّ للمراجع التي أحتاجها لكتابة المقالات في ويكيبيديا، فقد جهَّزت مراجع لمقالة عمر المختار، التي عملتُ عليها قبل شهرين بمساعدة صديقٍ لبناني وهي الآن منتهية والحمد لله، بالإضافة إلى مقالتين أخريين لم أنههما بعد، هما حرفة الخزف الإسلامي والعالم الكيميائي الكبير جابر بن حيَّان.

كان المعرض مترامي الأطراف، كثير الصَّالات، شديد التشعُّب، فأصبت بالإرهاق حتى جردَّته شبراً شبراً ولم أترك رفاً واحداً فيه إلا وتفحَّصته. كانت الليلة الأخيرة مرهقةً جداً، حيث كانت الصالات الداخلية للمعرض على وشك الإغلاق عند السابعة مساءً، وكنت أجاهد لإنهاء ما تبقَّى، لأني لن أستطيع العودة بعد ذلك. كان ذلك يوم الثلاثاء الثاني في شهر فبراير، وكانت فترة افتتاح المعرض قد مُدِّدت إلى الجمعة أو السبت، إلا إنَّني كنت سأذهب في اليوم التالي، فلم يكن عندي المزيد من الوقت. بحمد لله، تمكَّنت من استكشاف معظم ما تبقَّى، ورغم بقاء قسمٍ صغيرٍ لم أحصل على فرصةٍ لأشاهده، إلا إنني كنت قد حرصت مسبقاً على ألا أترك للنهاية سوى دور النشر التي لا تثير اهتمامي كثيراً.

مترو القاهرة
مترو القاهرة (إيَّاك أن تظنَّ أنك ستراه في يومٍ من الأيام بهذا الفراغ، الصورة من أيَّام إضراب الثورة!)

في مساء الثلاثاء عدت سالماً غانماً، حاملاً معي الحصيلة الكبرى لليلة الأخيرة. بحلول ذلك الوقت، كنت قد أنفقت على الكتب كلُّ ما معي من نقودٍ تقريباً، والتي كنت قد حصَّلتها من العمل مترجماً مع أخي، الذي يعمل في تصميم المواقع، إلا إن البرامج التي يستعملها في مواقعه غالباً ما تكون باللغة الإنكليزية، وهنا تأتي حاجته إليّ. بعد هذه الليلة العظيمة، نمت نوماً جيداً، واستيقظت ظهر اليوم التَّالي، حيث كان عليَّ الاستعداد لملاقاة صديقي العزيز، كمال الجزَّار.

كنت قد عرفت كمال من موسوعة ويكيبيديا قبل أكثر من عام، إلا إنني لم أره وجهاً لوجهٍ من قبل، شأنه في ذلك شأن معظم من أعرفهم من الويكيبيديّين. إلا إنَّ مجيئي إلى مصر كان فرصةً رائعةً للقائه أخيراً، وهي فرصة كنت أتوق إليها. اتَّفق معي على أن يلاقيني في الجيزة، التي تقع جنوب غرب القاهرة، وأما أنا فقد كنت وقتها في فندقٍ قريبٍ من معرض الكتاب، أي في أقصى شمال شرق القاهرة! فضلاً عن النقود، كان سيحتاج قطع هذه المسافة بالسيارة في زحام القاهرة إلى ما لا يقلّ عن ساعتين، وهنا وجدت نفسي مضطراً إلى خوض تجربةٍ جديدة: ركوب المترو.

يوجد للمترو خطَّان أساسيَّان في القاهرة، يقطعان المدينة من جهةٍ إلى الأخرى، على شكل يشبه علامة ” X “، وهما يتقاطعان في نقطتين مختلفتين، إحداهما عند المحطة المعروفة باسم “الشهداء” (مبارك قبل الثورة)، التي تقع مباشرةً تحت ميدان التحرير في منتصف القاهرة تقريباً، والثانية عند محطة “السادات” إلى الجنوب الغربي من الأولى. وغالباً ما يضطر الرَّاكب الذي يريد اجتياز وسط القاهرة التَّبديل بين خطَّي المترو عند إحدى المحطتين. بالنسبة لي، كان ركوب المترو تجربةً جديدةً وغير اعتيادية، بل وصعبةً للوهلة الأولى، ففي مدينتي لم أكن معتاداً على وجود أيّ وسائل للنقل العام، فنحن بالكاد لدينا سيارات أجرة (تكاسي)، ليست لدينا حتى حافلات للنقل العام! مع ذلك، قرَّرت خوض التجربة، لاستكشاف البلد والتعرُّف عليها أولاً، وتوفير الوقت والمال ثانياً.

بالواقع، كانت تجربة الركوب مذهلة. في مترو القاهرة، ليس عليك لركوب المترو من أيّ مكانٍ وإلى أي مكان في القاهرة، حتى لو كنت ستقطعها من الطرف إلى الطرف الآخر، سوى دفع جنيهٍ واحد، وذلك ما يعادل نحو 15 سنتاً أمريكياً! فضلاً عن ذلك، فإنَّ المترو سريعٌ جداً. فيما أن سيارة الأجرة كانت ستكلُّفني ما لا يقلّ عن 60 أو 70 جنيهاً وساعتين من الوقت لقطع هذه المسافة، كان جنيه واحد وأقل من نصف ساعةٍ كافيين للمترو!!

بعد هذه الرّحلة اللطيفة (على الرغم من بعض الزّحام) وصلت إلى حيث اتَّفقت مع صديقي كمال، وذلك في الجيزة. ووقفت هناك، منتظراً اللحظة التي سأقابل فيها للمرَّة الأولى صديقاً عزيزاً عرفتُه منذ زمن طويل (سأتابع قصَّة سفري إلى مصر في التدوينة القادمة إن شاء الله، وذلك مساء اليوم أو غداً).