أعتذر إن جاءت هذه التدوينة متأخرة، فقد اجتزنا يوم الثامن عشر من ديسمبر – يوم الأمم المتحدة العالمي للغة العربية – منذ ساعاتٍ قليلة، وقد أزعجني إزعاجاً كبيراً نسياني لكتابة تدوينة لهذه المناسبة الجليلة، إلا أنَّني – مع ذلك – سأتجاوز عن هذا الأمر وأكتب، على منهج “أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً”.

في مثل هذا اليوم قبل 39 عاماً، صدر أخيراً قرار طال انتظاره من الأمم المتحدة، حيث أقرَّت الجمعية العامة في قرارها رقم 3190 اللغة العربية كاللغة الرسمية السادسة للأمم المتحدة. ولم يأتي هذا القرار وليد اللحظة، ولم يكن محض صدفة عارضة، إنَّما تطلَّب بلوغه سنواتٍ طوالاً من العمل الدؤوب والجهود الكبيرة التي بذلتها الجامعة العربية، بدءاً من الخمسينيات، عندما نجحت في استصدار قرارٍ يجيز ترجمة المستندات الرسمية للمنظمة إلى اللغة العربية… شريطة أن لا يتعدى حجمها الأربعة آلاف صفحةٍ سنوياً، وأن تدفع الدول الطالبة للترجمة تكاليفها كاملة، ووصولاً إلى السبعينيات، حيث نجحت الجامعة بالضغط لتحصيل قرارٍ ثانٍ في شهر سبتمبر من عام 1973 يسمح باستخدام اللغة العربية شفوياً في لقاءات المنظَّمة العالمية، وبعد ذلك بشهرين… جاء في نهاية المطاف القرار القاضي بإقرارها لغةً رسميةً للأمم المتحدة.

والواقع أن اللغة العربية لها أيضاً الكثير من المؤهّلات التي تجعلها تستحقّ بجدارةٍ استلام مثل هذا المنصب البارز. فهي لغة عريقة يعود عمرها إلى آلاف السنين، وكانت لها لقرونٍ طويلةٍ من التاريخ حضارة عظيمة ساهمت بدورٍ أساسيٍّ في مسيرة التقدم الإنسانية التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم، ولعلَّ تراثها المكتوب المُدوَّن أكبر ما وضعته أمة في التاريخ قبل العصر الحديث. ثم أننا وإن نسينا الأزمنة الغابرة، ونظرنا إلى الحاضر فقط، فسنجد اللغة العربية تتربَّع على المرتبة الخامسة لعدد الناطقين من بين جميع لغات العالم، حيث يتحدَّثها نحو خمسة في المائة من سكان العالم أجمع.

احتفال ويكيبيديا العربية باليوم العالمي للغة العربية.

لكن ومع الأسف الشديد، فإنَّ هذا التاريخ العظيم والانتشار الهائل… لا يعكسان على الإطلاق الوضع المزري اليوم للغة العربية. إذ أن الدول العربية لا زالت في المؤخرة علمياً وتكنولوجياً وثقافياً وبكل المقاييس، فالأمية مستشرية، والفقر منتشر، والثقافة منعدمة، وحتى حقوق الإنسان غير محترمة… ولعلَّ مثالاً بسيطاً على هذه الحال هو صناعة نشر الكتب… الأصل الأعظم الثقافة والعلوم. حيث تُحقِّق دولة فنلندا على سبيل المثال – التي لا يزيد عدد سكانها عن خمسة ملايين نسمة – المرتبة السابعة والعشرين عالمياً بأكثر من ثلاثة عشر ألف كتابٍ منشور سنوياً، وأما مصر – أكبر الدول العربية بأكثر من تسعين مليون نسمة – فهي تحلُّ في المرتبة السابعة والثلاثين عالمياً، بتسعة آلاف كتابٍ منشور سنوياً فحسب!

لا يجب أن يدفعنا هذا إلا الاستسلام وندب الحال ثم القعود يائسين، بل عليه أن – على العكس – أن يدفعنا إلى العمل بجدٍ لكي توازي أمَّتنا في حاضرها تاريخها العريق والمجيد، وأن تُثبِت للعالم أجمع أنه مثلما استطاع العرب النهوض مرَّة قبل ألف وخمسمائة سنة، فهم قادرون على النهوض مجدداً وبناء حضارةٍ عظيمة مرة أخرى.

إنَّ وضع اللغة العربية في مصاف اللغات الرسمية الستّ للأمم المتحدة.. لهو أمرٌ يستحقّ أن نفخر به من دون شك، فهو إنجازٌ لم تبلغه الكثير من كبرى لغات العالم وبعض أكثر أممه قوة وتقدماً.. مثل حال الألمانية والبرتغالية واليابانية وغيرها. إلا أنَّ هذا الإنجاز – من جهة أخرى -، يجب أن يدفعنا أيضاً إلى الخجل من حالنا وحال لغتنا وأمتنا، والمبادرة بالعمل على نهضتها وتقدّمها.

إن اللغة والثقافة لهي أعظم الهبات التي تُمنَح لأي إنسان على وجه هذا الكوكب، لذا فليس علينا أن نُفرِّط بها أو نستهين بقيمتها، فهي كنز لا يقدر بثمن، وإن من الواجب علينا رداً للجميل.. أن نرعى لغتنا ونُقدِّرها ونحافظ عليها. لذا قفوا معي أيُّها الإخوة بهذه المناسبة العظيمة، نقدم تحية تقدير وإجلال للغتنا العربيَّة!