ويكيبيديا – الموسوعة الحرَّة – هي اليوم أحد أشهر وأهمّ المواقع على شبكة الإنترنت، فهي الموقع السادس الأكثر زيارةً عالمياً، ويكاد لا يمضي يوم إلا ونحتاج منها مراجعة معلومة أو التحقق من أمر. لكن، ما لا يعرفه أغلب الناس عنها، هو أن ويكيبيديا ليست الوحيدة من نوعها، بل هي مجرَّد فردٍ في عائلة كبيرة.. هي “عائلة الويكي”، ولها في هذه العائلة الكثير من الشقيقات اللاتي – وإن كنَّ أقل شهرةً بكثير منها – فهنَّ لا يقلون عنها أهمية، فدعوني آخذكم في جولة لأعرّفكم على بعضٍ من أفراد هذه العائلة الرائعة!

شعار ويكيبيديا

كلمة “ويكيبيديا” هي كلمة منحوتة، تتألَّف من جزئين: “ويكي”، و”بيديا”. فأما “بيديا” فهي تأتي من كلمة “إنسيكلوبيديا” الإنكليزية التي تعني “موسوعة”، فماذا عن “الويكي”؟ الويكي هو اصطلاحٌ حديث، يعني مادَّة “حرَّة” أو “مفتوحة المصدر”، أي أنَّها غير محمية بحقوق تأليف ونشر، ويمكن للجميع استخدامها وتوزيعها كما يحلو لهم ولأيّ غرضٍ كان، بل وحتى أن يساهموا في تعديلها وتطويرها. وهذا الأمر لا يقتصر على المواد النصية، بل إن كثيراً من البرامج الحاسوبية (مثل متصفّح فايرفوكس)، بل وحتى أنظمة التشغيل (مثل لينكس)، هي مواد مفتوحة المصدر.

إذاً فإنَّ الويكي كلمة عامَّة جداً، وهي ليست حكراً على ويكيبيديا. وبذات الطريقة، فإنَّ مبدأ الويكي – حيث يشترك الجميع في الكتابة والتحرير والتطوير -، ليس حكراً عليها أيضاً. كانت ويكيبيديا أول موقع ويكي على الإنترنت على الإطلاق، لكن سرعان ما تبعتها مواقع أخرى كثيرةٌ تتَّبع مبدأ الويكي، واليوم، باتت هذه المواقع بالآلاف، حتى إنَّ إحصاءها مستحيل، فقد أصبحت هناك مواقع ويكي لكل شيءٍ في العالم، فستجد ويكيات عن الأفلام والألعاب والروايات وغيرها، ولا أعني بذلك شيئاً كـ”ويكي الأفلام”، بل أعني شيئاً كـ”ويكي هاري بوتر” و”ويكي سيد الخواتم”! وهناك الآن موقع مجاني يتيح لأي كان إنشاء ويكي جديدة عن أي موضوعٍ يشاءه، وهو “ويكيا” (Wikia.com).

صفحة ويكيبيديا العربية
صفحة ويكيبيديا العربية

إلا أنَّ هذه الويكيات أكثر من أن تعد أو تحصى، لذلك ما من ضرورةٍ لتناولها هنا. ما يُهمِّني أكثر في حالتنا هذه هو الويكيات الرسمية، وأقصد بذلك مواقع الويكي التي تموّلها وتشرف عليها “مؤسسة ويكيميديا” نفسها، وهي المؤسسة التي أسَّست ويكيبيديا والتي تموّلها وتشرف عليها بكل شيء، كتأمين نسخ احتياطية لمحتوياتها وتنظيم حملات لدعمها وإقامة المؤتمرات والملتقيات سعياً لتطويرها، إلا أنَّها – في الآن ذاته – لا تملك أي سيطرة أو سيادة على محتوى ويكيبيديا نفسه.

تشرف مؤسَّسة ويكيميديا رسمياً الآن على ثمانية مواقع فقط، أشهرها هي ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، لكن توجد الكثير من الأشياء الأخرى التي توفّرها تحت رخصة حرَّة تتيح للجميع تحريرها غير الموسوعة. والمواقع السَّبعة الأخرى هي كالتالي: ويكاموس (القاموس الحر)، ويكي الأخبار (وكالة الأنباء الحرة)، ويكي الكتب (الكتب الحرة)، ويكي المصدر (المصادر الحرة)، ويكي الاقتباس (الاقتباسات والأقوال المأثورة)، ويكي الجامعة (الجامعة الحرة)، ويكي الرحلات (دليل السفر الحر). وهي تُسمَّى إجمالاً بالاصطلاح الويكيبيدي: “مشاريع الويكي الشقيقة”.

أكبر مشاريع الويكي الشقيقة حاليا هو ويكاموس، وهو نحت لكلمتي “ويكي” و”قاموس”. يوفّر ويكاموس مرجعاً شاملاً لجميع الكلمات بكلّ لغات العالم، فهو لا يقتصر على لغة معيَّنة، حيث يمكن لويكاموس العربي مثلاً أن يحوي شروحاتٍ عن مصطلحات باليونانية أو الإيطالية، ويمكنك أن تجد الكثير من المصطلحات العربية على ويكاموس الإنكليزي، وهكذا. حالياً لدى ويكاموس العربي حوالي 50 ألف مصطلح، إلا أنَّ هذا الرقم – وإن كان يبدو كبيراً – فهو قليلٌ جداً مقارنةً بقواميس اللغات الأخرى.

عائلة الويكي

المرتبة الثانية هي من نصيب ويكي المصدر، ومن المهمّ هنا التنويه إلى أنَّ محتوى ويكي الكتب وويكي المصدر متشابه كثيراً، فالموقعان يعتمدان المبدأ نفسه تقريباً، إلا أن هناك فرقاً تقنياً بسيطاً بينهما، وهو أن ويكي الكتب تضمُّ الكتب المنشورة أصلاً تحت رخصة حرة، أو الكتب التي يؤلّفها مساهموها (يمكنك أن تؤلف كتاباً بنفسك وتضعه هناك!)، أما ويكي المصدر فهي تضمُّ الوثائق التي فقدت حقوق نشرها بفعل التقادم. وبشكل عامّ محتوى ويكي الكتب هو محتوى حديث من الكتب العصرية، فيما أن ويكي المصدر فيها الكتب والوثائق القديمة، وذلك يشمل جميع المراجع العربية والإسلامية، كالكامل في التاريخ والبداية والنهاية ومعجم البلدان وغيرها من الكتب القديمة. وهذان الموقعان هما المخصّصان للكتابات الطويلة والمستفيضة من بين مواقع الويكي الأخرى، التي غالباً ما تكون سياستها الاختصار والتلخيص.

بعد ذلك تأتي ويكي الأخبار، وهي “الصحيفة” أو “وكالة الأنباء” الحرة. تغطّي ويكي الأخبار جميع الأحداث في العالم، وهي تتيح للمساهمين فيها كتابة الأخبار بأسلوبين: إمَّا بأن يقوموا بالاستعانة بوكالات الأنباء الأخرى والاقتباس منها، وإما أن يكونوا هم أنفسهم مراسلين صحفيّين! فمثلاً، إن شاركت في مظاهرة أو حدث في بلد ما، وخصوصاً ونحن الآن في عهد الربيع العربي واحتلوا وول ستريت، فيمكنك أن تكتب شهادتك الحية عنه على شكل خبر في ويكي الأخبار، وتنشره للعموم ليقرؤوه! ربَّما هذا هو أروع ما في ويكي الأخبار، لكن ومع الأسف فإنَّ قلة انتشارها لا تسمح بوجود الكثير من المراسلين على أرض الواقع، لذلك فإنَّ الأخبار من هذا النوع قليلة فيها، لكن إن حازت انتشاراً كافياً فقد تكتسب الكثير من المراسلين، وخصوصاً في منطقة العالم العربي الحامية المليئة بالأحداث.

https://i0.wp.com/upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/0/06/Wikiversity-logo-ar.png?resize=216%2C173

ثم هناك ويكي الاقتباس، وهي موقع يهتمّ بجمع اقتباسات المشاهير وأقوالهم المأثورة، إلا أنَّها مع الأسف، في نسختها العربية على الأقلّ، أفشل مواقع الويكي حتى الآن، مع أن فكرتها جميلة ومميزة. حديثاً، افتتحت نسخة عربية من موقع الويكي السابع (وهو الأقل انتشاراً وشهرةً من بين جميع مواقع الويكي حتى الآن)، وهو ويكي الجامعة. فكرة ويكي الجامعة أنَّها مصدر تعليمي حر، يتيح للطلاب والمعلمين الحصول على موادٍّ تعليمية متقدمة مجانية من المستوى الجامعي، وهي فكرة تبدو جذَّابة جداً وواعدة، إلا أن المشروع لا زال حتى الآن في مرحلة بدائية كثيراً وطورٍ أولي، لذا فإنَّ محتوياته (حتى بالنسخة الإنكليزية) لا زالت هزيلةً جداً ولا تقدّم ما يتوقعه أحدهم من موقع “جامعي”. وأما آخر مواقع الويكي وأحدثها فهو ويكي الرحلات، دليل سفريَّات حر! ويكي الرحلات مشروعٌ حديثٌ جداً، ولا زالت نسخته العربية في طور “البيتا”، وقد بدأت مؤسسة ويكيميديا برعايته حديثاً جداً، لكنه حتى الآن مشروعٌ واعدٌ ويبدو أنه سيكلل بالنجاح.

هذه هي باختصارٍ عائلة الويكي، وأنا أدعو كل من يقرأ المقالة للاطلاع عليها والتوسّع فيها، فهي تحوي الكثير من الروائع الجديرة بالتعرّف عليها غير ويكيبيديا، وإن أنتم تعرَّفتم عليها، فستجدون أنكم لم تعودوا قادرين على العيش بدونها بعد اليوم.. كما لا تستطيعون اليوم العيش بدون ويكيبيديا!