فتحتُ اليوم صباحاً – كما هي عادتي – صفحة ويكيبيديا الإنكليزية الرئيسية، لأتفحَّص مقالة اليوم المختارة المعروضة عليها. كانت المقالة عن نجم، هو ثامن ألمع النجوم في السَّماء، وأحد أشهر النجوم تاريخياً، واسمه بالإنكليزية “بتيليغويس” (Betelgeuse)، وغالباً ما أرى العرب – غير المطّلعين علم الفلك، أو حتى عدداً من هواة الفلك – يشيرون إليه بهذا الاسم، والحال شبيهةٌ من أغلب النجوم الأخرى. المفارقة في الأمر.. هي أنَّ اسم هذا النجم، كما هي حال جميع أسماء النجوم تقريباً، من أصلٍ عربيّ! وإليكم القصة:

بالأصل.. كان قدماء الفلكيّين العرب يُسمُّون هذا النجم “يد الجوزاء”، فهو يتبع مجموعة نجميَّة تدعى كوكبة الجوزاء، أو كما تُسمَّى حديثاً كوكبة الجبَّار، وهي مجموعة نجمية تخيَّلها القدماء على شكل رجل محارب واقف يحمل بإحدى يديه هراوة وبالأخرى ترساً استعداداً للقتال. ويأخذ نجم يد الجوزاء موقع المنكب الأيسر للرَّجل، مكان الذراع التي يحمل بها هراوته. لكن، عندما همَّ المترجمون الأوروبيّون بنقل الاسم العربيّ إلى اللاتينية، أخطئوا نقله… فحسبوا الياء باءً.. حيث لم يلحظوا نقطتها الثانية، وهنا بدأ تحريف الاسم، حيث انتقل إلى كتب القرون الوسطى بأوروبا على شكل “بد الجوزا”، وفي ترجماتٍ لاحقة تحرَّف خطأ إلى “بت الجوزا”. وعندما أتى المراجعون للتحقّق من الترجمة، لاحظوا التحريف، وفكَّروا بأصل الكلمة العربية، وحيث أن اللغة الإنكليزية لا تُميِّز بين حرفي التاء والطاء.. حسبوا أنَّ القصد كان “إبط الجوزاء”، بالنَّظر إلى موقع النجم جهة كتف الجبار. ومن السخرية بمكان، كيف أصبح من الرائج بين الفلكيين العرب تسمية هذا النجم إبط الجوزاء… باسمه المُحرَّف من اسمه العربي الأصليّ! أخيراً، وصل الاسم اللاتيني بعد الكثير من التَّحريف، إلى حالة “بيتيليغويس”، وتكمن المأساة في أن الكثيرين يستعملون هذا الاسم اللاتيني اليوم، الذي يرجع إلى أصلٍ عربيّ.

هذه الحال هي في الواقع حال معظم نجوم السماء الأخرى، سوى القليل من أكثر النجوم لمعاناً في السماء.. لأن الإغريق أطلقوا لها أسماءً، وما عداها فإنَّ جميع لغات العالم تستعمل الأسماء العربية، أو تحريفاتها. ومن أبرز أمثلة ذلك خامس ألمع نجوم السَّماء: فيغا (Vega)، وهو، وإن كان ذلك صعب التَّصديق، ليس سوى تحريفٍ لاسمه العربي: النسر الواقع! ورابع ألمع نجمٍ في السماء وهو “ألفا القنطور” لا زال يشيع أن يُسمَّى “رجل سينتاوروس” إشارةً إلى اسمه العربيّ الأصلي “رجل القنطورس”، كما أن سادس ألمع نجوم السماء (رجل الجبار) لا زال يُسمَّى اليوم بجميع اللغات “رجل” (Rigel)، وتاسع ألمع نجوم السماء (آخر النهر) حُرِّف باللاتينية إلى “آتشيرنار” (Achernar)، ونجما “النسر الطائر” (المعروف بالإنكليزية اليوم بـ”آلتاير/Altair”) و”الدّبران” (الذي لا زال يعرف بجميع لغات العالم بنفس اسمه الأصليّ/Aldebaran)، وهما رقما 12 و13 في اللمعان على التوالي بين جميع النجوم. هذا وإن الأسماء العربية تتكاثر بسرعةٍ مع تقدّمنا في قائمة ألمع النجوم نحو النجوم الأخفت، حتى تطغى تقريباً على كل ما سواها، وحتى في حالة تلك النجوم التي لم يستورد الإنكليز أسماءها منّا.. فإنَّ لدينا لها أسماءنا الخاصَّة التي يمكن أن نستخدمها لها عوضاً عن الأسماء الأجنبية، والنجوم التي ليست لها أسماءٌ عربيَّة ضمن قائمة الألمع 100 نجم في السماء.. تُعَدّ على الأصابع، وهي في الغالب من نجوم نصف الكرة الأرضية الجنوبيّ، أي التي لم تكن مرئيَّة أساساً في سماء البلاد العربيَّة والإسلاميَّة. ولمن أراد الاستزادة حول الموضوع، يمكنه الاطّلاع على قائمة ألمع نجوم السماء من موسوعة ويكيبيديا.

أكثر ما يحزنني الآن… وأنا أتأمَّل صفحة ويكيبيديا الإنكليزية الرئيسية.. وقد زهت بالأحرف العربيَّة التي سطَّرت اسم النجم الأصلي، لتقول للعالم أجمع أصل الاسم اللاتيني هذا، وتشهد على الأمَّة التي تقف وراء كثيرٍ ما وصل إليه علم الفلك اليوم.. أكثر ما يحزنني هو أن أفتح المقالة العربيَّة المقابلة عن هذا النجم، لأراها هزيلةً متواضعة، لا تسمن ولا تغني من جوع. فأستحي وأنا أفكّر، إذا ما حمل أحدهم الفضول الاطّلاع على المقالة العربية، بعد ما قرأ على ويكيبيديا الإنكليزية عن أصل اسم النجم، ليرى هذا.. كيف سينظر لنا؟ متى سنستطيع إعطاء تراثنا العلميّ العظيم حقَّه في موسوعاتنا وكتاباتنا؟ فكّروا بكم يمكن أن يستغلّ التراث العربيّ في علم الفلك وحده، لإطلاع العالم على إنجازات أمّتنا، كما تتباهى جميع الأمم الأخرى بإنجازاتها وتاريخها، إلا أنَّ هذا لم يستغلّ على الإطلاق.. بل انتظرناهم هم حتى كتبوا عن إنجازاتنا نحن! والأسوأ من ذلك، هو عندما يأتي أبناء العرب ليستشهدوا بأسماءٍ أجنبية لنجوم… سمَّاها أجدادهم بأسماء عربيَّة قبل أن يعرف لها اللاتين والأوروبيّون اسماً واحداً! بل وفي الكثير من الأحيان.. لا يكون ما يستشهدون به أكثر من تحريفٍ لاتينيّ للاسم العربي!

ما أتحدَّث عنه ليس أمراً ميئوساً منه.. بل كلّ شيء قابلٌ للإصلاح، لكنه بحاجةٍ لجهدٍ حقيقيّ لإصلاحه. برأيي، فإنَّ بداية عظيمةً نحو توعية العرب لتراثهم قبل توعية غيرهم من الأمم، ستكون في استصلاح المقالات الفلكية بويكيبيديا العربية وترقيتها إلى مستوى لائقٍ يوفيها حقَّها، ذلك ليس بالنّسبة للمقالات الفلكية فقط… بل بالنسبة لكل شيء، لجميع المواضيع الثقافية والتاريخية والحضارية المتعلّقة بأمتنا، فهل تتحسَّن الحال يا ترى؟ أياً كان الجواب، أقترح أن نكون أنا وأنت أول المبادرين للتغيير..